بين تشريعات القرآن وإجماع الآئمة... هل تصوم الحائض؟

الثلاثاء 4 ديسمبر 201804:29 م

بدايةً أعرّفكم بنفسي، أنا لست فقيهة في الدين ولا عالمة ولا داعية، ما أنا إلا مسلمة أستعمل الحق الذي مُنح لي بأن أتفكر وأبحث وأستنتج، لا أؤمن بأن بيني وبين الله واسطة متمثلة في "أهل العلم" ما دمت بالغة عاقلة متعلمة فأنا أولى الناس بالبحث في شؤون ديني. نبت السؤال في رأسي منذ بلوغي.. لماذا أُفطر حين أحيض؟ ولم أجد إجابة ربما لصغر سني وربما لأن مثل هذه الأسئلة في ذاك الوقت كانت تعد وسوسة من الشيطان إجابتها استعاذة واستغفار.

أنا مسلمة أستعمل الحق الذي مُنح لي بأن أتفكر وأبحث وأستنتج

سأطرح خلال هذا المقال سلسلة من التساؤلات، بعضها يساعدني في الطرح والبعض الآخر أترك الإجابة عنه للقارئ. فُرض الصيام كما يعلم كل المسلمين بنزول الآية رقم 183 من سورة البقرة "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"، وتلتها آيات توضح مدة الصيام وتوقيته والحالات الاستثنائية التي يفطر فيها المسلم (المرض والسفر) ووجوب قضاء تلك الأيام، كما تناولت الآيات المفطرات كالجماع، وأوضحت ما يحل للمسلم من الإفطار حتى الإمساك، واختتمت الآيات مسألة الصيام بآية رقم 187 "تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون".

وهي الآية التي نستدل بها على أن كل ما ذكر أعلاه هو حدود وتشريعات الله فيما يخص الصيام، فلماذا لم يذكر الله الحيض ضمن مبطلات الصوم؟ ولماذا لم يضع الطهارة ضمن شروطه؟ ومن أين جاء الاعتقاد بأن الحائض لا تصوم لأنها غير طاهرة؟ أرى أن افتراض الطهارة كشرط من شروط الصيام جاء لربط في عقل البعض بين فريضتي الصوم والصلاة لقدسيتهما في الدين الإسلامي لكونهما من أركانه الرئيسة التي بُني عليها، وبينما ينص القرآن صراحةً على ضرورة الطهارة عند الصلاة، لا يذكر شيئاً عن اشتراط الطهارة خلال الصوم.

وقد استدل المفسرون على عدم جواز صلاة المرأة خلال محيضها من آيتين، الأولى: الآية رقم 6 من سورة المائدة "وإن كنتم جنباً فاطهروا" و "ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون". والثانية: الآية رقم 222 من سورة البقرة "ولا تقربوهن حتى يطهرن". وهكذا استنتج المفسرون أن الصلاة لا تصلح دون طهارة وأن الحائض غير طاهرة، ومن خلال الربط بين الآيتين توصلوا لحكم بأن الحائض لا تصلي، وأجمعوا أنها لا تعوض الصلاة لأن الحيض أمراً خارجاً عن إرادتها ولعدم وجود نص يأمر بقضاء الصلاة، وكذلك لأن الرسول لم يأمر زوجاته بالقضاء.

نعود من جديد إلى مسألة الصيام، تمر المرأة البالغة بآلام الحيض شهرياً لفترة تراوح ما بين 3 و 9 أيام، وقد جرت العادة أن تفطر المرأة مدة حيضها خلال شهر رمضان على أن تصومها فيما بعد، والثقافة السائدة لدى المجتمع أن الحائض تفطر لأنها غير طاهرة ولأن صيامها لا يعتد به، وهو ما يتعارض صراحةً مع آيات الصيام التي لا تشترط الطهارة للصوم، ولذا يصح صيام المسلم رغم قضائه لحاجته على مدار اليوم دون الحاجة للوضوء أو التطهر، ويصح صيام مرضى التبول اللا إرادي وغيرها من الأمراض، وإذا جامع الرجل زوجته ولم يتطهر قبل الإمساك لا يفسد ذلك صيامه. إذاً لماذا لا تصوم الحائض؟ وتحت أي بند تصنف ضمن الفئات المذكورة في الآية والتي منحت لهم رخصة الإفطار؟

إذا افترضنا أن الحيض مرض لما يصاحبه من آلام قد تعيق المرأة عن تأدية مهامها اليومية بشكل طبيعي، واستناداً إلى الآية رقم 222 من سورة البقرة "قل يسألونك عن المحيض قل هو أذى.."، فإن الله قد أعطى المريض رخصة ليفطر ثم يصوم ما فاته عقب رمضان، ولكن ماذا لو تحامل المريض على نفسه وقرر أن يصوم؟ ألم يقل الله سبحانه وتعالى في الآية رقم 184 من سورة البقرة "وأن تصوموا خير لكم"؟ إذا سلمنا بأن الحيض مرض فإن الحائض لها أن تصوم أو تفطر وفق الرخصة التي منحها الله لكل مريض، وكل سيدة تعلم أن آلام الحيض قد تستمر لمدة ثلاثة أيام على أقصى تقدير بينما قد يستمر نزول الدم لمدة  تصل إلى 9 أيام، فلماذا تفطر الحائض رغم قدرتها التامة على الامتناع عن الأكل والشراب؟ ولماذا لم يأخذ الأمة بعدم وجود نص يمنع الحائض من الصيام كما فعلوا في حالة الصلاة واعتبروا أنها لا تؤجر في حال صيامها؟

وهي الآية التي نستدل بها على أن كل ما ذكر أعلاه هو حدود وتشريعات الله فيما يخص الصيام، فلماذا لم يذكر الله الحيض ضمن مبطلات الصوم؟ ولماذا لم يضع الطهارة ضمن شروطه؟ ومن أين جاء الاعتقاد بأن الحائض لا تصوم لأنها غير طاهرة؟
صح صيام المسلم رغم قضائه لحاجته على مدار اليوم دون الحاجة للوضوء أو التطهر، ويصح صيام مرضى التبول اللا إرادي وغيرها من الأمراض، وإذا جامع الرجل زوجته ولم يتطهر قبل الإمساك لا يفسد ذلك صيامه. إذاً لماذا لا تصوم الحائض؟ وتحت أي بند تصنف ضمن الفئات المذكورة في الآية والتي منحت لهم رخصة الإفطار؟
أعلم أن ما ذكرته ضمن هذا المقال هو هرطقة بالنسبة للبعض لأنه لا يتماشى والموروث الديني، ولكن المنطق والعقل لا يحتاجان إلى تأويل، لم أخترع تلك الآيات ولم آتِ بالتفسيرات إلا من المصادر المتفق عليها من قبل جموع المسلمين.

أدلة من السنة

بحثت في السنة عن أصل لتحريم صيام الحائض وتوصلت إلى أن الدليل الأقوى والأكثر تكراراً هو حديث في صحيح البخاري ومسلم نُقل عن رسول الله وهو "ناقصات عقل ودين.."، وهو كلام أرفضه جملةً وتفصيلاً ليس فقط لأنه يتعارض مع تكريم القرآن للمرأة في مواضع لا حصر لها من ضمنها قصص الأنبياء أشرف الخلق، ولكن لأنه أيضاً يتعارض مع أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن ليُهين نساء في طريقه دون مبرر أو سياق أو حتى أدنى سبب، يهينهم لأن الله كتب عليهم أن ينزفن في كل شهر ليخلقوا الحياة من أرحامهن، ما هذا ظني به حاشاه.

تواصلت مع الأزهر بحثاً عن المزيد من الأدلة، ووردت الأدلة كالتالي: حديث ناقصات عقل ودين، إجماع الآئمة على عدم صوم الحائض، حديث عن السيدة عائشة "عن معاذة، قالت: سألت عائشة رضى الله عنها فقلت: مال بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟، فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة"، بالإضافة إلى تواتر ذكر هذه المسألة منذ أيام الرسول.

وبما أني ذكرت رأيي في الحديث الأول دعوني أتناول باقي الأسباب وفق بحثي ودراستي، أما السبب الثاني المتمثل في إجماع الآئمة على عدم صوم الحائض، فإن إجماعهم مبني على حديث "ناقصات عقل ودين"، بالإضافة  إلى التواتر، وكلاهما لا يذكران صراحة تحريم صوم الحائض بينما يؤكدان على أن السلوك الذي اتبعته النساء في ذلك الوقت هو الإفطار وقت الحيض، والتحريم لا يقع إلا بنص واضح من القرآن أو قياساً على مثال مشابه، وفي النهاية رأي الآئمة اجتهاد وقع وفق معطيات وظروف معينة. أما فيما يخص حديث السيدة عائشة فإن ما قالته لا يتعارض مع ما ذكرته بأي شكل، لأنها تقول ببساطة أن الصلاة لا تعوض والصيام يعوض وهو ما لا أختلف معه ولا يعني تحريم صيام الحائض، وكذلك هو التواتر.

أعلم أن ما ذكرته ضمن هذا المقال هو هرطقة بالنسبة للبعض لأنه لا يتماشى والموروث الديني، ولكن المنطق والعقل لا يحتاجان إلى تأويل، لم أخترع تلك الآيات ولم آتِ بالتفسيرات إلا من المصادر المتفق عليها من قبل جموع المسلمين، كل ما ورد أعلاه مذكور صراحةً في نص القرآن الكريم، وأعلم جيداً أن بعض الحالات لم تذكر في الآيات الخاصة بالصيام مثل حكم صوم الأطفال ومرضى الأمراض العقلية، ولكن هذه الحالات تم قياسها على أحكام في مواضع أخرى من القرآن، فالقاعدة أن الطفل لا يحاسب ولا تسجل أعماله حتى يبلغ الرشد، أما مرضى الأمراض العقلية فقد رُفع عنهم القلم ولا تسجل أعمالهم.

لم أعتد أن أتحاشى الحقيقة، ولا أستطيع أن أتجاهل نصوصاً صريحة وأفكاراً منطقية، لذا قدمت لكم طرحي هذا وأرجو أن تناقشوه وأن تبحثوا عن أدلة أخرى قد أكون قد أغفلتها وأن تطرحوا علي تفسيراتكم الخاصة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard