من النسيمي إلى دارا شكوه... براعم حداثة إسلامية سلطانية مبكرة

الجمعة 28 ديسمبر 201806:52 م
لا تزال الكنيسة الكاثوليكية إلى اليوم ترفض ردّ الاعتبار إلى الراهب الدومينيكاني الفيلسوف غيوردانو برونو الذي أمرت بتحريقه في 16 فبراير 1600 لقوله بوحدة الوجود، وقِدم العالم، والعوالم المتوازية اللامتناهية، ولجسارته في الدفاع عن أفكاره وأبحاثه أمام محكمة التفتيش. ورغم أن نصباً برونزياً للراهب، شهيد اللامتناهي الكوني الإلهي، يرتفع في ساحة الكامبو دي فيوري، وسط روما، منذ نهاية القرن التاسع عشر، ما أغضب البابا ليون الثالث عشر في حينه، فإن برونو لم يحظَ بإعادة الاعتبار إليه على غرار غاليلو غاليلي، وما زال ملفه على حاله منذ أربعة قرون في الفاتيكان، بل أعاد البابا الراحل يوحنا بولس الثاني تثبيت حكم الهرطقة عليه "بمعزل عن حكم الإعدام".

مذبحة العشق الإلهي

لأجل تهم مشابهة أُنزل القصاص المريع بشاعر صوفي أذربيجاني (أو تركماني) هو السيد عماد الدين النسيمي في حلب، قبل برونو بقرنين، والراجح أن ذلك وقع عام 1417، بقرار من الأمير يشبك اليوسفي، في عصر المماليك البرجية. نظم النسيمي أكثر شعره بالتركية الأذرية، وبدرجة أقل بالفارسية، والقليل أيضاً بالعربية. انتسب إلى الفرقة "الحروفية" التي تنظر إلى الأرقام والحروف كحاوية لأسرار وتجليات إلهية، وتجمع بين عشق الإمام علي والأئمة من آل البيت، وبين الإعلاء من شأن الحلاج وسيرته. وإذا كان مصير الحسين بن منصور الحلاج الصلب، ومصير مؤسس الحروفية فضل الله التبريزي الاسترابادي قطع العنق، وهو القائل إن "في مذبحة العشق الإلهي لا يُذبح إلا مَن كان طيباً، ولا يُقتل دني طبع أو هزيل مروءة"، فإن النسيمي كان عقابه سلخ جلده وتقطيع أعضائه بتهمة الحلولية والحروفية والزندقة، فحفرت مأساته عميقاً في المأساة، كالأسطورة، وصار في المرويات يحمل جلده المسلوخ كمَن يحمل كفنه، هو الذي بقي يناجي الإمام علي: "حاشاك تنساني وتنكر صحبتي، وهواك في ديني ووجهك قبلتي، أنت العليم بأن حبّك قاتلي، ما حاجة أن أشكو إليك قضيتي".

رد الاعتبار لنسيمي

لم تُعِد الكنيسة الاعتبار لبرونو بعد، مع أنّ تحريقه لم يتمّ في العصور الوسيطة، بل في مطلع القرن السابع عشر، أي في مرحلة "الحداثة المبكرة" التي يعتبرها المؤرخون المصنع التاريخي لولادة العالم الحديث، ويحددون زمنها بين نهاية القرن الخامس عشر ونهاية القرن الثامن عشر، واصلين عصر النهضة والإصلاح البروتسانتي والإصلاح الكاثوليكي المضاد بعصر الأنوار، بخلاف المؤرخ الفرنسي المرجع في الوسطيات، جاك لوغوف، المنافح عن نظرية "العصر الوسيط الطويل" الذي يدوم وفقه حتى نهاية القرن الثامن عشر. ويدور الخلاف الأساسي بين المؤرخين حول أثر اكتشاف أمريكا واكتشاف الطرق البحرية إلى المحيط الهندي، وإلى أية درجة كان تبدّل خارطة العالم على هذا النحو "قطيعة" شاملة وفاصلة بين عصرين. وإذا كان العصر الوسيط سيمتد لثلاثة قرون إضافية تالية على اكتشاف واستيطان الأمريكتين، فهذا يعني أن الحضارة الميديفالية (القرون الوسطى) تطوّرت على جانبي المحيط الأطلسي أيضاً. وإذا كانت الكنيسة لم تُعد الاعتبار لبرونو بعد، فقد تسابق السلاطين على ردّ الاعتبار للنسيمي. فبعد أقل من ثمانين عاماً على مقتله، انبرى الشاه إسماعيل الصفوي يحيي ذكراه، ويقتبس من شعره. وفي تلك الفترة المفصلية في مسار تشيّع إيران، لم يكن التشيّع الصفوي قد تأطّر بعد في هيمنة فقهية لرجال الدين. كان التشيّع في زمن إسماعيل شاه وذوي الرؤوس الحمراء من "القزلباش" ينظر إلى الشاه نفسه على أنه مظهر للإمام الغائب، ويكرّس الملوك لا الفقهاء ورثة للأنبياء والأئمة، ويصيغ تصوّره لذاته بالشعر الصوفي قبل الفقه، ويستعين لأجل ذلك بكافة نفحات الغلو والباطنية، ويجعل لمأساة الشاعر النسيمي في حلب المملوكية بعداً ملحمياً يستلهمه، خاصة لأن إسماعيل الصفوي نادى قبائل التركمان على مدى الأناضول للتوحد، وكان شعر النسيمي قد أخذ يحفر في وجدان الأذريين والتركمان على حد سواء. كان التشيّع القزلباشي أكثر غلوّاً ضدّ المسلمين السنّة، لكنه كان أكثر تحرّراً من المرجعيات الفقهية. التسنّن العثماني في المقابل، كان أسرع في دمج الفقهاء بالدولة، واستحداث منصب "بطريركي" هو منصب "شيخ الإسلام". لكنّ دمج الفقهاء بالدولة والحاجة إلى فتاويهم، بما في ذلك لتكفير القزلباش وتجويز المجازر بحقهم، ظلّ مترافقاً مع رعاية إسلام سلطاني، إمبراطوري، لا يختزل نفسه في الشريعة، بل يجعل "القانون" نداً لها، ويضع "شاهنامة" فردوسي في منزلة بعد القرآن مباشرة. وبقدر ما كان التسنّن العثماني في لحظة التصادم الأناضولية الدامية مع الصفويين، تكفيرياً للشيعة القزلباش، كان مناصراً لـ"التشيّع الحسن" عند جماعات "الآخيين" التي ساندت السلطان سليم، ودامجاً له في "الكلّ السني-الصوفي". وفي صراعه مع العثمانيين على السيطرة على الأناضول الشرقي، كان خطاب إسماعيل موجهاً لتحشيد قبائل المنطقة، في مقابل خطاب السلطان سليم الموجه بشكل أساسي إلى الفلاحين ونقابات أصحاب الصناعات والحرف. مع هذا، تسلل ردّ الاعتبار إلى عماد الدين النسيمي إلى الضفة العثمانية من الصراع بين الإمبراطوريتين، الصفوية التي ينظم شاهها شعره بالتركمانية، والعثمانية التي ينظم الباديشاه فيها شعره بالفارسية (بعيداً جداً عن الصور النمطية الرائجة للصراع بين الصفويين والعثمانيين اليوم). فالبكتاشية العلوية، وهي الطريقة الصوفية التي كانت الأكثر شيوعاً بين الانكشارية في السلطنة العثمانية، ستظل تعظم في سلسلتها عماد الدين النسيمي وتقتبس من الحروفية، وتبجّل أيضاً إسماعيل الصفوي نفسه. وفي العصر العثماني ستتحول تكية النسيمي في حلب إلى قبلة للزوار والصوفية. إمبراطوريتان أعادتا الاعتبار إلى شاعر ذهب بعيداً في الحلولية، وفي تجذير التناقض بين الحقائق الإلهية في خلق العالم والإنسان، وبين الشريعة المتأرجحة بين حماية هذه الحقائق وإخفائها في آن. هذا في مقابل كنيسة كاثوليكية لا تزال ترفض، بعد نصف قرن على إصلاحاتها الواسعة في مجمع الفاتيكان الثاني، رد الاعتبار لغيوردانو برونو كمجتهد متأله، لا يمكن بتر نتاجه عن تاريخ المسيحية عنوة.

تركة النسيمي

ما الذي حصل إذاً؟ لم يحدث "انقلاب على النسيمي" بعد رد الاعتبار له. ظلّت لشعره مكانته البارزة في الديوان الصوفي للحضارة الإسلامية. ولئن تراجع الاهتمام به مع تواري التركمانية لصالح الفارسية كلغة البلاط عند الصفويين، في فترة ما بعد الشاه إسماعيل، فإن تراجع الفارسية التدريجي لصالح التركية في الأستانة زاد العناية بآثاره فيها. ولاحقاً، مع رواج الفكرة القومية الحديثة، تحوّل النسيمي إلى قيمة غنائية وطنية عند الأذربيجانيين، وخصوصاً مع إحياء ذكراه في الزمن السوفياتي بفيلم أريد منه إظهاره مادياً جدلياً بالفطرة واشتراكياً مبكراً وبطلاً سبارتاكياً، فيما كانت حصيلة رواج صورة النسيمي السينمائية زيادة الشعور القومي الأذري. وكذلك، كان النسيمي ماثلاً أمام مَن اشتغلوا على صقل هوية قومية-إثنية خاصة بتركمان المشرق. ضعيف في المقابل الاهتمام العربي بنسيمي. مع أنه أُعدم في حلب، وفيها تكيته التي قامت حولها لفترة من الزمان شبه فرقة تُعرف بالنسيمية. ليست المعرفة بنسيمي شائعة بين العرب اليوم، ولعل بعضهم سمعوا بغيوردانو برونو ولم يسمعوا بنسيمي. لم يلفّه النسيان تماماً، فهو بين الأذريين والتركمان والترك الغربيين حاضر بما يكفي لرجل رحل عنا قبل ستة قرون، لكن حضوره المستمر تم على قاعدة إبعاد أسلوبه في النظر إلى الإسلام عن كل جادة نظر إلى الإسلام، والتحجج بأن الفقهاء فهموه بشكل سطحي للغاية للقول بعد ذلك إن ما قاله لم يكن بهذه الجذرية، مع أن النسيمي كان في أقل تقدير متجذراً في موضوع أساسي، في نظرته إلى إسلام "الشريعة" على أنه مناقض لإسلام "العشق الإلهي"، وفي استخفافه بمحاولات التوفيق بين هذين الإسلاميْن. حين أعاد إسماعيل شاه الاعتبار لنسيمي، فعل ذلك وهو يتلمس "شعبية" الشاعر الشهيد في بني قومه، وبين الناطقين باللهجات التركية جميعها، كما فعل ذلك وهو يدرك أن في إرثه ما يحسم الأولوية لصالح الحقيقة على الشريعة، والشعر الصوفي على الفقه، دون تردد، ودون مماحكات شمس التبريزي وجلال الدين الرومي "التي تروحن في نطاق الشرع". أما حين فتح السلطان سليم مصر والشام، وأنهى سلطنة المماليك فيهما، فإنه راح يسأل في دمشق عن ضريح محيي الدين ابن عربي، وأمر بترميمه وتعظيمه. إعادة الاعتبار لابن عربي من قبل السلطان سليم كان لها ترتيب آخر. فصاحب "الفتوحات المكية" الأندلسي ما كان حروفياً ينقض الشرع بالحق، كمثل النسيمي، بل مصراً على التوفيق الدائم والشامل بين الحقيقة والشريعة، وبين التصوف والفقه، هذا بخلاف محاولات استشراقية ثم عربية معاصرة لإظهاره بشكل "أكثر تنويرية" من ذلك. مع هذا، لم يكن لابن عربي أهل، أو قوم، يسألون عنه، كحال النسيمي. عندما قدم سليم إلى دمشق يسأل عنه، كان قوم ابن عربي أنفسهم قد نبذوه، واتهمومه بمقولة لم ترد بحرفية في كتبه بل لدى تلامذته وشراحه: "وحدة الوجود". أعاد سليم الأول الاعتبار لصوفي عربي ما كان يحوز البتة على "شعبية" في ذلك الوقت، وارتبط ذلك أساساً بتأثيرات الفقيه والمؤرخ والشاعر ابن كمال (كمال باشا زاده) الذي تبوأ لاحقاً مشيخية الإسلام العليا في السلطنة. في مقابل كل الفتاوى المناهضة لابن عربي، أصدر ابن كمال فتواه الدفاعية عنه، المسفهة لخصومه. ارتبط ذلك إلى حد كبير بما رآه في مقولة "الإنسان الكامل" لدى ابن عربي، والتي تجد في سيرة النبي نمذجة لها، من مصدر مشروعية للسلطان العثماني، باعتباره بمثابة "الإنسان الكامل"، أو عليه أن يسعى ليكون كذلك، بما يجعل من العدل والنظرة الكونية، وربما أيضاً العمل لتوحيد كل العالم تحت إمرته، من أساسيات النظرة إلى الذات التي يجب أن يتبناها العثمانيون عن أنفسهم، في فترة لم يكن فيها إحياء "الخلافة" العربية المنتهية مناطهم، وإنما إحياء تقاليد "صاحب قران"، نقطة اقتران كوكبي زحل والمشتري، اللقب الذي تقلده قبلهم تيمورلنك، ثم استعاده سليم الأول وسليمان القانوني، أي إحياء كل من النظرية الفارسية الساسانية في المُلك، والتقاليد المغولية في جمع الشرائع والأعراف المختلفة والتأليف بينها، وتنظيمها.

إنسان كامل في هيئة سلطان

انساقت عملية رد الاعتبار السلطاني لابن عربي في هذا السياق، سياق تحشيد موارد الشرعية النصية والمتخيلة لمشروع السلطنة العثمانية الكونية، في فترة كان يبدو أن توسعها لا يتوقف، وأنها في طريقها إلى حكم المعمورة، وإحياء مشروع الإسكندر المقدوني المنبعث مع كبار الفاتحين العثمانيين، من بعد فتح القسطنطينية. مع هذا، فإن ابن كمال نفسه الذي لعب دوراً مركزياً في حمل سليم على حبّ ابن عربي، كان ريادياً في تنبيه النخب العثمانية لقرون متتالية، بأهمية مقدمة ابن خلدون. في ذروة سطوع الدولة العثمانية، استعان ابن كمال بابن خلدون للتنبيه من أن كل لحظة ذروة في ملك سيتبعها بالضرورة نكوص وأفول وتفكك. إذا، ما العمل؟ راجت في تلك المرحلة أيضاً نصوص أبوكريفية منسوبة زوراً لابن عربي، تتنبأ لملك عثمان بأنه سيدوم إلى نهاية الأزمان. لكن الأساس لدى ابن كمال هو وجوب أن تحقق الإمبراطورية العثمانية شيئاً استثنائياً على صعيد العلاقة مع مفهوم "العدل" من جهة، ومع الطموح لتملك المسكونة كلها من جهة أخرى، لتصير هي هي الإسلام، ويدومان معاً إلى آخر الزمان. نظرة جدلية، وغير سهلة، لأن تأسيس الدولة على هذا النوع من العدل والنظرة الكونية، كي تصير هي هي الإسلام، كان يتطلب في الوقت نفسه، نظرة لا تحصر الإسلام بالشريعة، بل أن تحكم الشريعة ذاتها بالتعايش مع شرائع ليست من نصها، وإنما فحسب مصنفة غير مناقضة لها. تمثل ذلك، من وقت السلطان محمد الفاتح في منتصف القرن 15 إلى وقت السلطان سليمان القانوني في القرن التالي، بمصنفات "القانون نامه"، وهو جمع فضفاض وغير مسبوق على المنوال الجوستنياني، بالإضافة إلى استلهام "ياسق" جنكيز خان لشرائع بيزنطية ومحلية وأعراف وتقاليد من أصول تركمانية ومغولية، وإلى إنشاءات جديدة. في السلطنة العثمانية، وفي عصر الذروة، من محمد الفاتح إلى سليمان الأول، وُجد "القانون" كندّ سلطاني للشريعة، مثلما كان السلاطين في نفس الوقت بمثابة الاستمرارية الإسلامية للتقليد "القيصر بابوي" البيزنطي. في هذا التقليد، أباطرة بيزنطية "العلمانيون" من غير الكهنة هم رؤوس الكنيسة، وليس الأحبار الكهنة. ومع العثمانيين، السلطان لا يرتدي جبّة علماء الدين كما فعل آخر خلفاء بني العباس في بغداد من بعد الخليفة القادر بالله، مطلع القرن الحادي عشر، لكنه صلة الوصل الكونية بين الدين والدنيا، وهو مَن يولي بطاركة الملل النصرانية وكبار أحبار اليهود، وهو مَن يولي "شيخ الاسلام".

حركة الانقضاض على الإسلام الروحاني الإمبراطوري

مثلما انكسرت أولوية "الملك والشعر" على الفقه في إيران مع هزيمة إسماعيل أمام سليم في معركة جالديران عام 1514، وتبيّن خلفائه من بعده أن استقرار نظام سلالتهم يكون بإعطاء حيّز لم ينفك يتوسع لعلماء الدين، حد دعوتهم من خارج أراضي ملكهم، وبخاصة من جبل عامل، فإن أولوية الملك والتقاليد الفارسية الساسانية، الممزوجة بالأثر المغولي "الخاني"، عند العثمانيين، لن تصمد طويلاً. بعد سليمان القانوني، أخذ السلاطين يضعفون أمام ثلاثية "الحريم والخصيان والحراس" داخل القصر، وأمام جهاز الدولة المفترض أنه من "عبيد السلطان" ورجال الدين. ومع انتهاء الحلم التوسعي الشامل للسلطنة، بخاصة في أعقاب تدمير أسطولها في معركة ليبانتيه عام 1571، وفشل محاولات فتح فيينا، وآخرها عام 1683، كانت السلطنة تسلك مساراً آخر في أمور الدين. بخلاف تبجيل ابن عربي في القرن السادس عشر، ستباشر حركة القاضي محمد في القرن السابع عشر حملتها التزمتية بالتشنيع على الشيخ الأكبر، وإحراق كتبه، وملاحقة محبيه. قبل الوهابية بقرن، كانت "القاضي-زادليرية"، حركة انقضاض على التأليف القائم منذ السلاجقة والزنكيين والأيوبيين، ثم المماليك والعثمانيين، بين الإسلام السنّي والتصوف. كسرُ هذا الانسجام بين التسنن والتصوف تحوّل إلى الشغل الشاغل لهؤلاء، مثلما ارتفع في المقابل نجم الطريقة الصوفية التي ارتأت أن الشكل الأفضل لحماية التصوف، يكون بإعادته إلى ضوابط السنة والسلف، وإبطال مقولة وحدة الوجود بوحدة الشهود، أي تأكيد الفاصل المطلق بين الخالق والمخلوق دون أي التباس ممكن في الفكرة أو في اللفظ. فمن جهة، كانت "القاضي زاده ليرية"، بدءاً من الأستانة، والوهابية، بدءاً من نجد، أو قل "سلفية المركز" و"سلفية الأطراف"، ومن جهة ثانية كانت "النقشبندية" أي الصوفية المحددة بقالب سلفي. المستفاد من كل هذا، وليست هذه إلا توطئة لبحث أشمل وأدق، أن الإمبراطوريات الإسلامية السلطانية التي يصفها مؤرخون بأنها "إمبراطوريات مدافع البارود"، وهي خصوصاً العثمانية والصفوية والمغولية البابورية (في شمال الهند)، كانت ماضية مطلع ما يصنف على أنه "بدايات الأزمنة الحديثة" أو عصر النهضة في أوروبا، إلى حيث مساندة أباطرتها لخيارات تعطي الأولوية للإسلام الروحي على الإسلام الفقهي، وتكرس للشريعة نداً راسخاً هو القانون (الذي سيسحب لفظه من التداول العثماني نهاية القرن السابع عشر، من بعد تمكن الحركة القاضي-زادلرية)، وتتمسك بالنظرية الفارسية للملك التي تجد في "وصية أردشير" بيانها. وكل هذا سمح بعيش ثلاثية تفاعلية مهمة بين اللغات الإسلامية السلطانية الأساسية الثلاث، الفارسية لغة الشعر والأدب، والعربية لغة الوحي والفقه، والتركية لغة القبائل ثم العسكر قبل أن تصبح لغة مظاهر الدولة بشكل عام. هذا بالنسبة إلى الترتيب وتطوره في السلطنة العثمانية. لكن مفهوم اللغات السلطانية الثلاث يشتغل أيضاً بالنسبة إلى الصفوية والقاجارية في إيران، والمغولية في الهند، بترتيبات وتطورات أخرى، بقي فيها أن الثقافة الفارسية استمرت لقرون طويلة كمرجعية حضارية أساسية لإمبراطوريات مدافع البارود الثلاث، وأنه في وقت كان مقدراً فيه أن تتحول اللغة الفارسية في إيران وحدها إلى اللغة الإمبراطورية المركزية، رغم نسبة الأقوام التركية المرتفعة في إيران، من أذريين وتركمان، فإنها تراجعت لصالح صعود الأوردو التي تعج بالمصطلحات الفارسية والعربية، مع كونها المقلب الإسلامي للغة الشمال الهندي الأساسية، ذات المصادر السنسكريتية.

إسلام الروح والتمدد السلطاني وعصر النهضة الموسّع

حوصر إسلام الشريعة في تلك المرحلة بإسلام الروح من جهة، وبالقانون الجامع للأعراف والشرائع الأرضية من جهة ثانية، بما كان يجعل من محمد الفاتح وسليم الأول وسليمان القانوني كما من إسماعيل شاه ولاحقاً الشاه عباس طليعيين مقارنة بحكام أوروبا في عصر النهضة، بل الحكام المشتهين للنهضويين.
حوصر إسلام الشريعة بإسلام الروح من جهة وبالقانون من جهة أخرى، بما كان يجعل من محمد الفاتح وسليم الأول وسليمان القانوني كما من إسماعيل شاه ولاحقاً الشاه عباس طليعيين مقارنة بحكام أوروبا في عصر النهضة
أمدّ سليمان القانوني البروتستانتية في بداياتها بالعون في سياق صراعه مع آل هابسبورغ، قبل أن يسيطر على النزاع الكلامي البروتستانتي الكاثوليكي هاجس إثبات كل فرقة أنها أبعد ما تكون عن الإسلام
أيضا أمدّ سليمان القانوني البروتستانتية في بداياتها بالعون في سياق صراعه مع آل هابسبورغ، قبل أن يسيطر على النزاع الكلامي البروتستانتي الكاثوليكي هاجس إثبات كل فرقة أنها أبعد ما تكون عن الإسلام، وأن الفرقة المضادة هي إلى الإسلام أقرب. سعى المؤرخ جيري بروتون في عمله الريادي "بازار عصر النهضة" لتجاوز المفهوم الأوروبي المحدود للنهضة، ليتحدث عن نهضة ذات بعد عالمي، لا تستبعد منها إسطنبول وعمارتها ومكتبات سلاطينها، واهتماماتهم: محمد الفاتح بهوميروس وبطليموس وابن رشد، والاهتمام من ثم بابن عربي وابن خلدون في القرن التالي، والمراصد الفلكية ودعم العلوم بأفق أكثر ارتياحاً نسبياً من الأوضاع في موائل النهضة الإيطالية نفسها. قد لا يكون بالمتسَع في نفس الوقت الحديث عن مقابل عثماني لنزعة مركزية الإنسان في عصر النهضة الإيطالي، إلا عبر مفهوم "الإنسان الكامل" الباطني والصوفي، إنما لم يعد من الممكن فهم عصر النهضة الإيطالي نفسه من دون الإحالة إلى مصادر ومكملات عثمانية وفارسية، والتنقيب عن حركة تجوال المعماريين وصناع الخزف بين الفضاءين، خاصة وأن معظم الطبقة الحاكمة العثمانية كان يتشكل من متحدرين من أصول مسيحية بلقانية وأدرياتيكية اعتنقوا الإسلام في طفولتهم، من بعد تطبيق نظام "الدوشرمة" (الجزية على الأطفال) عليهم.

إحياء مشروع الإسكندر أم إحياء السلف الصالح

لكن هذه التباشير النهضوية والحداثية المبكرة الواعدة عند العثمانيين والصفويين ومغول الهند، كانت مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالتمكن من تحقيق الإمبراطورية الكونية، حلم الإسكندر الذي حوّله إلى مناط للهمم والمخيلة في هذه الإمبراطوريات الثلاث أكثر من أي وقت سابق، بالشكل الذي يجعلها إمبراطوريات الإحياء الإسكندري بامتياز، بل نوعاً من "سوق إسكندرية مشتركة" إذا ما تتبعنا حركة تبادل المنتجات والخبرات وتنقل المعماريين والخطاطين ورسامي المنمنمات والشعراء والفقهاء في ما بينها. في اللحظة التي أُجبرت فيها كل واحدة من هذه الإمبراطوريات على الاستدراك بأنها قابلة للانكسار والأفول، وربما الضياع، وأنها ليست باقية ما دام الدهر، حدثت الانعطافة. عندها هرع السلاطين للفقهاء، وحاصر الفقهاء السلاطين. لكن ذلك لم يحصل قبل أن تشهد هذه "الاستنارة السلطانية" في فترة الحداثة المبكرة، ذروة حضارية حساسة وفاصلة: فالسلطان جلال الدين أكبر، سلطان مغول الهند، سيذهب بعيداً، أبعد من الجميع، يوم أمر في نهايات القرن السادس عشر، بتوحيد ما كان يبدو متضاداً بشكل مطلق، الإسلام والهندوسية، في دين واحد، سُمّي "الدين الإلهي"، وعلى هذا الأساس أمر بترجمة ملحمتي الهندوس الكبريين، المهابهارتا والرامايانا، إلى لغة اوده واللغة الفارسية، فظهرت مآثر الإله الهندوسي راما في صراعه ضد رافانا مصوّرة بتقنيات تتداخل فيها مدارس الرسم، وموشجة بفن الخط الإسلامي في منمنمات رافقت الترجمة. في أعقاب وفاة أكبر عام 1605، بدأت الردة في الاتجاه المتزمت فالسلفي، بشكل ساهمت فيه النقشبندية أكثر من سواها، وفي مواجهة طرق صوفية، كالجشتية، اعتُبرت متواطئة مع الحلم الأكبري بدين إلهي مشترك، وبكلمة سواء صوفية كونية جامعة بين المسلمين والهندوس. حيوية الحركات الإحيائية السلفية في القارة الهندية التي ستتأثر بها لاحقاً الجزيرة العربية، بواسطة تمازجات الحج، تفسَّر بشكل أساسي كحركات استئصال أثر جلال الدين أكبر، ومن طرف أحفاد أكبر أنفسهم، وبخاصة أورنكزيب الذي تمكّن من التخلص من أخيه دارا شكوه، آخر مَن اعتنق همّ متابعة تحقيق إسلام الروح، بالتواشج مع الفلسفة اليونانية والأدب الفارسي والتراث الهندوسي. من النسيمي إلى دارا شكوه، هناك تاريخ ثلاثة قرون من الاستنارة الإسلامية متعرّجة، ومن فوق، من البلاط، لكن ليس فقط من البلاط، وإنْ كانت محدودة من تحت. طُمرت الاستنارة السلطانية الإسلامية المبكرة إلى حد كبير. لم يتعرّف مفكر كمحمد أركون عليها، بل على قبس يسير يقارن بها مع ابن مسكويه والتوحيدي في العصر البويهي. في المقابل، يُحفظ للفيلسوف الإيراني الراحل داريوش شايغان أنّه خصص أحد كتبه لآثار دارا شوكوه، ومشروع المواءمة بين الصوفية والهندوسية والفلسفة الذي دفع هذا الأمير المغولي ثمنه دماً. ما كان في مقدور هذه الاستنارة السلطانية المبكرة أن تطول أكثر، لكنها لم تكن طيفية. في القرن السادس عشر، كانت "الكلمة لها" إلى حد كبير. بعد ذلك حاصرت نفسها بنفسها، ثم سهل الانقلاب عليها والتحلّل منها، وانطفأت، حتى تكاد تبدو الآن غريبة، خاصة عندما سيعتنق مفكرو وأدباء عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر ومطلع العشرين تلك النظرة المخيفة إلى تاريخنا التي التي تبخس عصر إمبراطوريات مدافع البارود حقها، وتحصر العصر الذهبي للإسلام في العصر الكلاسيكي، العباسي خصوصاً. قد يكون القرن السادس عشر الميلادي هو عصر الذروة في تاريخ حضارات الإسلام. لقد دخلت هذه الحضارات في مسار "حداثة مبكرة"، تقريباً في نفس الفترة التي دخلت خلالها أوروبا الغربية في "حداثتها المبكرة". تملّك الحداثة المبكرة الغربية أسباب الهيمنة الكونية تباعاً لعب دوراً أساسياً في كبح نمو "الحداثة المبكرة" السلطانية، تلك التي لا تختزل الإسلام في الشريعة وحدها والفقه، بل تفرض نداً لهما الملحمة والقانون نامه والتصوّف والنظرية الساسانية للملك المعاد توظيفها منذ السامانيين والبويهيين وصولاً إلى السلاجقة والتيموريين والصفويين والعثمانيين ومغول الهند في سياقات سلطانية إسلامية. مجرّد التنبّه إلى أنّ القرن السادس عشر الميلادي كان إلى حد بعيد عصر الذروة في تاريخ حضارات الإسلام كفيل بأن يبدّل أشياء كثيرة.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard