اليونسكو تُفكر وتنتج بعيدًا عن أرض الواقع

الاثنين 3 كانون الأول 201804:14 م
أثار انتباهي مآل تصنيفات اليونيسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) للمواقع التراثية المادية، في حال تدهور بعضها أو تلوثها، وهو الأمر الذي لا تناقشه اللجان التي توكل لها مهام التصنيف، ولا تناقش بين المختصين، إذ تسارع المنظمة العتيدة لسحب علامتها بانتهاء صلاحية الموقع وعدم قدرته على الترويج للسياحة في بلده، إذا كان تراثاً مادياً، ولم يعد يخدم مصالح اقتصادية وسياسية ما، لكن ما زلنا لا نعرف ماذا سيكون رد اليونيسكو على تدهور حالة التراث غير المادي، وكيف تراقب حالة هذا التراث. وما يثيرني أيضاً كيفية التفاف المختصين والخبراء العرب على الاتفاقات سواء ما تعلّق منها بحماية التراث المادي 1972 أو تلك المتعلقة بصون التراث الثقافي غير المادي 2003، دون أن تناقش مفاهيمها، بل يروّج لها لا سيما هذه الأخيرة وكأنها هدية من السماء أو مخلصة للثقافة من كل الأخطار المحدق بها، وما أكثرها ودول الجنوب والمتوسط الضعيف تعيش أوضاعاً مزرية جراء الحروب والتهجير القسري، وزرع التطرف وبالمقابل امتصاص ثرواتها بكل الطرق . لا يمكن الصمت وعدم مساءلة اليونيسكو وخبرائها عن كيفية  حماية وصيانة التراث الثقافي بشقيه المادي وغير المادي، وهل استطاعت حماية آثار تدمر وتمبكتو للمخطوطات، وتماثيل أفغانستان، وكنوز العراق، وغيرها من مواقع التراث المهددة وهي التي تؤكد على تصنيف وصون التراث تحت طائلة التهديد؟ وهل توقف ما يتعرض له الأقصى من جراء الحفريات بعد انضمام فلسطين للمنظمة؟ حري بنا أن نسأل نحن أهل الاختصاص ممن شغلتنا إشكاليات الثقافة والتراث لمدة زمنية معتبرة، ما الذي يحدث مع  تفاقم حمى اتفاقية اليونيسكو 2003 لحماية التراث الثقافي غير المادي؟ كيف تنتشر هكذا اتفاقية بكل الغموض الذي يسكن مفاهيمها بين مؤسساتنا الثقافية والجمعيات ووسائل الاتصال المختلفة وحتى بين عامة الناس، أي انتشار مفهوم تراث غير مادي بشكل ملفت للنظر وللتفكير وهو الذي لا يعدو أن يكون مفهوماً ضبابياً، لكنه تحت حماية قصوى؟ (برتلوتو كيارا، 2011) أعترف لليونيسكو بجدارتها في ترسيخ المفاهيم وغرسها بين نخب الشعوب بسلاسة، وهي المنظمة العالمية ذات السمعة والألق والبريق والتي تريد في كل مرة خلق اتفاقية تحاول من خلالها سدّ بعض الهفوات التي وقعت فيها أثناء تطبيق مفاهيمها واتفاقاتها على أرض واقع تختلف درجات ألغامه، وهذا ما أفرزته اتفاقية 1972 لحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي من عدم توازن بين الشمال والجنوب، إذ ازدادت الهوة بين أوروبا وأفريقيا، فبدت هذه الأخيرة  في نهاية المطاف أقل تمثيلاً وبفارق فاضح، باعتبار أن المواقع المصنفة في أوروبا مواقع ذات كثافة ثقافية، ولا تحتاج إلى حماية إضافية، بينما تتميز مواقع أفريقيا في الجانب الطبيعي، ولتفادي هذا التمايز والمأزق، أوجدت اليونيسكو مخرج اتفاقية 2003. (Chloé Maurel, 2005) سارعت دول كثيرة للمصادقة على الاتفاقية، وكانت الجزائر في طليعة البلدان العربية التي مضت على الاتفاقية في عام 2005، ثم بدأ العمل على تفعيل الاتفاقية من أجل تصنيف العناصر على القائمتين، القائمة التمثيلية وقائمة الصون العاجل. وبدأت تتهاطل الاقتراحات والملفات قصد ترشيح العناصر من طرف البلدان بحماس كبير، جعل مجتمعات كثيرة تختزل مشاكلها وانشغالاتها وانتفاضاتها وانتكاساتها  في مهرجانات ثقافية تأكل من ميزانيات الشعوب المغلوبة على أمرها، في سبيل سعادة ثقافية وكأنها جرعات مهدئة لأوضاع مزرية يعيشها مواطنوها… بدليل أن العناصر المصنّفة يعيش حاملوها وممارسوها معيشة ضيقة، في أغلب الأحيان. والسؤال الذي يطرح ويبقى مطروحاً حتى تزول حمى الاتفاقية ويصحو المحتفلون من نشوة الاحتفالات والدعة، هو ما الذي يجنيه العرب والأفارقة وشعوب الجنوب من علامة اليونيسكو على منتجاتهم الثقافية؟ هل هي عولمة للثقافات المحلية من خلال مفاهيم غربية وأمريكية تحديداً وسعي حثيث لتقارب الثقافات وإن أفرغت تلك الثقافات المحلية من طابعها المرتبط بتصور الكون والحياة وفهم الذات والتطلع نحو الآخر الذي لن يكون أمريكا ولا أوروبا؟ إلى ماذا تطمح الدول والهيئات واللجان التي تحاول تكريس اتفاقيات اليونيسكو كيفما اتفق؟ ماذا تنتظر أفريقيا من علامة لن تعيد للأرض التي لوثت أحشاءها وأحدثت بها أخاديد تبتلع الأطفال؟ ماذا يفيد تصنيف تراث غير مادي ومجتمعات بأكملها معرضة للإبادة وللتهجير وللتدمير ولاغتصاب البشر فيها؟ اليونيسكو بجلالة قدرها وضخامة مؤسساتها العقارية وسطوة خبرائها تفكر وتنتج بعيداً عن أرض الواقع، في منأى عن الصراعات الدموية، بعيداً عن التلوث البيئي وعن صراعات الهويات وتناطح الجهويات، وثم اليونيسكو لا تمول ولا تدفع شيئًا في سيرورة التصنيف الثقيلة، وفي نهاية المطاف ستكون المستفيد الأول والأخير. إن حدث أي مشكلة للعناصر المصنفة، لا قدر الله، تسحب اليونيسكو علامتها، كما حدث للمواقع التي أصابها التلوث. كذلك لا تتدخل في نزاعات الجيران في تراث مشترك  من وجهة نظرها ونظر اللجان المشكلة لذلك التراث، إن وجدت به إشكالات، تعيد التراث لأهله حتى يصفى من شوائب التطاحن ويصبح سلمياً ويحقق المساواة ويغدو متماشياً مع حقوق الإنسان، ويقع تحت طائلة التهديد، ويحتاج لصون عاجل، وأن يكون جامعاً عندئذ تسرع المنظمة وتخرج من جرابها العلامة لتتويج ذلك التراث، وهذا ما حدث للسامبا البرازيلية، التي رفضت اليونيسكو ملفها الذي قدّمه وزير ثقافتها، الموسيقي جيلبرتو جيل في 2004،  والذي كان يرى أن السامبا تعتبر في غالب الأحيان، كأكثر موسيقى تمثّل البرازيليين، لكن هذا الترشيح البرازيلي لم يكن وقتها للسامبا دي رودا بل للسامبا البرازيلية عموماً، باعتبارها تمثل الشعب البرازيلي. لكن الملف رفض والسبب كان واضحاً: فبالنسبة لليونيسكو، لم يكن هناك خطر انطفاء واضح للسامبا، كان يجب  إذا، على البرازيل أن تقدّم ترشيحا جيداً، فصنفت السامبا دي رودا. (.كارلوس ساندروني: 2011)
لا يمكن الصمت وعدم مساءلة اليونيسكو وخبرائها عن كيفية  حماية وصيانة التراث الثقافي؟ وهل استطاعت حماية آثار تدمر وكنوز العراق وتوقف ما يتعرض له الأقصى جراء الحفريات؟
اليونيسكو بجلالة قدرها تفكر وتنتج بعيداً عن أرض الواقع، في منأى عن الصراعات الدموية، بعيداً عن التلوث البيئي وعن صراعات الهويات، وثم اليونيسكو لا تمول ولا تدفع شيئًا في سيرورة التصنيف الثقيلة، وفي نهاية المطاف ستكون المستفيد الأول والأخير.
إن لم تكن رغبة المحافظة على التراث داخلية منبثقة من وعي الجماعة نفسها، لا يمكن التعويل على أي دخيل مهما كان قريباً أو بعيداً ليجعل تراثاً ما يستمر وتتناقله الأجيال، بل التدخل الأممي والنخبوي يقزم من جوهر هذا التراث وقيمه ووظائفه ويحيله إلى تقاعد مبكر.
هل كل هذه المفاهيم والمصطلحات والشروط التي جاءت بها الاتفاقية قلصت حجم التباين بين الشعوب في الشمال والجنوب؟ في غياب تنمية محلية داخلية ببلدان الجنوب المغلوب على أمره، ولمختلف المشاكل الحقيقية والمفتعلة التي تتخبط فيها هذه المناطق، وجدت الأنظمة السياسية في هذه البلدان ضالتها، وفرجاً في تحسين صورتها أمام العالم المتقدّم بوضع العلامة كنياشين المنتصر من الحروب لتحقيق صدى دولي لمنتج ثقافي لم يكن يسمع به السياسيون ولا يفقهه البقية، ومهما كانت التكلفة، فتح المزاد ومن لديه القدرة يصنف أكثر، فتحضير ملفات تصنيف عناصر التراث الثقافي غير المادي تحتاج لميزانيات ضخمة، تصرف بغير حساب كأنها نزلت مع أمطار نيسان، أو بمسحة أزالت الغبار على المصباح السحري. بين ليلة وضحاها تتأسس المهرجانات وتنظم الندوات المحلية والدولية للتثمين والدعاية وتقام العروض المثيرة وتعلق اللافتات العملاقة بالملايين أمام مرأى المجتمع المحلي الذي تأخذه النشوة بعض الوقت، وهو يغيّر رتابة المكان بعض الشيء، وإن لم يفهم ما يحدث، لكن يعتقد الناس وهم يسمعون اسم اليونيسكو ثقيل الوزن، أنها الدجاجة التي تبيض ذهباً، بينما أموال الشعوب تصرف على تراثه ومن أجل البقاء على هويته ومن أجل استمرار كينونته. معظم التراث المصنف، هو تراث يعيش أهله ظروفاً قاهرة، لا عيادات متخصصة ولا حتى أطباء متخصصين يغنيهم التنقل آلاف الكيلومترات لفحص القلب والعيون، وهل تقام الطقوس بدون قلب ينبض وبدون عيون ترصد؟ أمور مزعجة كثيرة تحدث، تضرب من خلالها المهارات والخبرات الشعبية عرض الحائط، واستبدالها بمهارات حديثة ومدرسية تقتات من عرق الجماعات وتستبيح معارفهم وتعلقها إلى حين؟ إن لم تكن رغبة المحافظة على التراث داخلية منبثقة من وعي الجماعة نفسها، لا يمكن التعويل على أي دخيل مهما كان قريباً أو بعيداً ليجعل تراثاً ما يستمر وتتناقله الأجيال، بل التدخل الأممي والنخبوي يقزم من جوهر هذا التراث وقيمه ووظائفه ويحيله إلى تقاعد مبكر. ويمكننا أن نجيب أن تراث الشعوب الثقافي غير المادي والمادي أيضاً، وبواسطة علامة منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم، يصبح تراثاً نخبوياً تستثمر فيها النخب وأصحاب السلطة ورؤوس الأموال، فيفرغ من كل الشحنات العاطفية ومن أبعاده التاريخية بكل ما فيها من آلام وآمال.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard