طيف يخرج من سرير

الاثنين 22 أكتوبر 201809:47 م
هنا المستشفى… الوالد يتعافى بعد أن ظننته يقطع أيامه الأخيرة للعبور نحو عالم آخر. عشت حزن موت لم يأت. كأنه صفارة إنذار أطلقت للتمرن على الكوارث قبل حصولها، إشارة من القدر حتى يلطف لي ألم الفراق، بتعويدي عليه تدريجيا. بابا على سريره.، مستلق. أنا حوله، لا جنبه. أشتغل قليلا بين اللابتوب والخربشة بقلم الرصاص على الدفتر الصغير، أضع السماعات في أذني وأسمع قليلا موسيقى الأندرجراوند المفضلة عندي. أرسل ما أنجزته عبر المايل والواتساب، حسب إلى من وكيف "سيستامه". [caption id="attachment_168224" align="alignleft" width="720"] كولاج للكاتبة[/caption] نزلت منذ قليل إلى الكافيتيريا، لكن لم أشأ أن آكل ولا أشرب. لا رغبة لدي في ذلك. دموعي التي لم تخرج من جفني تسربت إلى حلقي وملأته فلم أعد قادرة على ابتلاع شيء. تحت، أخذت سيكارة من زائرة وقداحة من زائر. لا أحمل خاصتي معي من زمان حتى أتفادها، إلا أن خطواتي نحو حياة صحية تبقى متعثرة. عبث. 
ولد أبي يوم الاستقلال تماماً ويتفاخر كل سنة مع الاحتفال كأن المدينة تحيي عيده هو. أظنه، منذ تعلم المشي، لم يجلس ولا مرة طيلة الثلاث أرباع القرن الفائت.
فيلم شخصي جدا وغير شخصي أبدا عن بيروت قبيل اجتياح 1982 حتى العام الحالي، بلمعانها وغبارها، فقرها وغناها، هزائمها الكاملة وانتصاراتها المعلقة، ثقافتها وبعدها عن التحضر، كل هذا واكثر أحيانا، وأقل أحيانا أخرى.
يمضي النهار وطيف أبي يرافقني. يترك جسده الذي يتهالك، يضمر في السرير، ويخرج ليسليني. يعرف أني مثله: أضجر من البقاء طويلا في مكان واحد، أحوص، فأبرم وادور. أسترجع دون قصد حياته، بالأحرى ما شاركته به خلال حياة منحني إياها. هي فيلم شخصي جدا وغير شخصي أبدا، عن بيروت قبيل اجتياح 1982 حتى العام الحالي، بلمعانها وغبارها، فقرها وغناها، هزائمها الكاملة وانتصاراتها المعلقة، ثقافتها وبعدها عن التحضر، كل هذا وأكثر أحيانا، وأقل أحيانا أخرى. هي مرآته وهو مرآتها، فقط يحدث أو يقتربان من بعض.  يأتي أصحابه العتاق يزورونه. "هيك ستيلهم"... لا يطولون هنا، حديثهم معه مختصر مفيد، ولكل واحد تخصصه: هذا للسياسة، ذاك للخبريات، وتلك عن من مات ومن خلف… يخرجون بعد أن يعدونه بالعودة لاحقا. يقطعني عن كتابة هذا النص ليسالني: "قديش الساعة؟" ارد: "١٠ ونص". "اوووووف قديش الوقت طويل!"، يرد. ولد أبي يوم الاستقلال تماماً ويتفاخر كل سنة مع الاحتفال كأن المدينة تحيي عيده هو. أظنه، منذ تعلم المشي، لم يجلس ولا مرة طيلة الثلاث أرباع القرن الفائت.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard