حول "هجاس الوحدة وهوس الانتظام" ومستقبل الحراك الاعتراضي

الجمعة 24 أغسطس 201801:57 م

التكرار الأبدي

ثمة اكتشاف يعيد تشكيل نفسه عند نهاية كلّ تجربة سياسية تخوضها قوى الاعتراض في لبنان. وهذا الاكتشاف يستند أولاً إلى يقين لا وجود له إلا في أذهان قادة الرأي التغييريين أنفسهم، وثانياً إلى إفراط في الثقة بالقدرات الذاتية لناحية الجاذبية السياسية وحجم وقوة التأثير في الآخرين، وثالثاً إلى رغبة دفينة مكبوتة بالانتساب إلى نادي الفاعلين في اللعبة السياسية تفوق الرغبة في إحداث تغيير حقيقي. ليس عنوان هذا الاكتشاف المتكرّر سوى العبارة التالية الجدّ بديهية: "جمع قوى الاعتراض في حزب سياسي". والعَوْد الأبدي لهذا الاكتشاف إنما يأتي ضمن نمط يعيد نفسه هو الآخر في كلّ مرة: يجب جمع قوى الاعتراض في حزب سياسي تغييري، ثم بدء محاولات التأسيس، ثم فشل المحاولات، ثم تقاذف المسؤوليات والاتهامات، وهكذا... ولعلّ الوقت مؤات تماماً لأن نعترف بأن فشل هذا المشروع لا يلام عليه شخص أو جهة، إنما مردّه هو عدم جدوى الفكرة من أساسها، مما يحتّم التخلّي عنها.

هجاس الوحدة وهوس الانتظام

إذا كان التخلّي عن وسواس تأسيس الحزب المنشود ضرورياً، فثمة وسواس من جنس مشابه تعاني منه الحركة الاعتراضية اللبنانية وينبغي التخلي عنه أيضاً وهو ما سأسميه "هجاس الوحدة وهوس الانتظام". هذا الآخر هو عبارة عن محض نزعات عاطفية نحو هدف غير واضح وغير محدّد المعالم. نزعات عاطفية نحو ماهية ما في مكان وزمان ما، وتحت لواء فكرة ما، والفكرة هي الأخرى غير واضحة المعالم. وما كلّ ذلك سوى سعي يائس خلف السراب، خلف وهم لن يتحقّق، وفق مقاربة أفلاطونية تريد للواقع أن يمتثل، رغماً عن تنوعه وتناقضاته، إلى تصميم ما في ذهن "الموحِّدين". والسعي خلف السراب هو من العناصر الأساسية التي يجذّرها في أذهاننا السيستم السائد بمنطقه وبشروطه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولن يكون صعباً تهفيت فلسفة "الانتظام والوحدة" من خلال أربع حجج منطقية تثبت أنّ المصير المحتوم لهذه الاتجاهات هو الفشل المحتوم.

1- هدف قائم بذاته

فمن ناحية، سرعان ما سيتحوّل مشروع الوحدة وتحقيقه، ولاحقاً الحفاظ عليه، إلى هدف قائم بذاته تنصب نحوه معظم المجهودات من أجل صونه ودرء تفتته ومعالجة التناقضات السياسية الداخلية فيه قبل أن تتحوّل إلى شروخ عميقة. سيكون ذلك استنزافاً هائلاً للطاقات وكلّ ذلك على حساب الصراع الأساسي بمواجهة منظومة الحكم، كما أنه سيعترض انسيابية وعفوية العمل...

2- الخطيئة التي لا تغتفر

من ناحية ثانية، سرعان ما ستنبثق عن الجسم الجديد المنصهر والمتّحد أجسام أخرى، وسيكون عمادها أولئك الذين لم يجدوا لهم مكاناً ومكانة في الجسم الجديد. وسرعان ما ستكتظ ضفاف التيار التغييري بالحركات الصغيرة والمتوسطة: عودٌ على ذي بدء. وبالاستناد إلى شرعة التنوع والاختلاف التي يتسم بها عالمنا والتي تشكل أساس جدلية تطوّره الفكري، فإنّ فرض الوحدة هو خطيئة لا تغتفر. وإنّه حتى لو تمّ ارتكاب هذه الخطيئة غصباً عن الواقع، فإن الواقع لن يلبث أن يعيد فرض التنوع والاختلاف بما ينسجم مع دينامياته ومنطقه.

3- المتوسط الباهت

ولا يغيبنّ عن بالنا أنّه من مستلزمات تحقيق فلسفة "الوحدة والإنتظام" هو تخفيض سقف الخطاب السياسي وتقديم الكثير من التنازلات، أي باختصار: عملية البحث عن القواسم المشتركة التي في الغالب ستشكّل متوسطاً باهتاً للتحدّيات السياسية، وعموميات تعجز عن اجتذاب أحد وتخنق أية جدلية فكرية. ولسوف يحفّز هذا الأمر أيضاً الكثيرين على الخروج، فرادى ومجموعات، ممن لا يشفي غليلهم "المتوسّط الحسابي" السياسي المعتمد في الجسم المنصهر.

4- في مرمى النيران

بعد الحرب العربية الإسرائيلية الخامسة، لم تتوان قيادات الجيش الإسرائيلي عن القول بأن انتظام المقاومة الفلسطينية ضمن ما يشبه “جيشاً نظامياً" سهّل عليه عملية استهدافها. وفي كلّ صراع غير متكافئ، سوف يفضّل الطرف الأقوى من الصراع أن ينتظم خصمه بآلية تنظيمية واحدة وشكل ولون واحد بدلاً من حرب العصابات المرهقة. فإن ذاك الانتظام سيسهّل عليه استهدافه ومن ثمّ سحقه وإنهاءه بالكامل. وبإمكاننا أن نقدم على استعارة من العلوم العسكرية، أن نقوم بإسقاط على واقع الصراع السياسي والاقتصادي-الاجتماعي في لبنان الذي هو بجميع المقاييس حرب غير متكافئة. ثمة عدوان تشنّه المنظومة الحاكمة على الناس وعلى المتضررين من هذا الحكم، والمنظومة في كامل تجهيزها اقتصادياً وسياسياً. انتظام ووحدة المقاومة الشعبية سيسهّلان استهدافها، هذا فضلاً عن تضاؤل فرص تسامح الظروف مع ارتكاب الأخطاء: سيكون كلّ خطأ قاتلاً.

المجرّد والمحسوس

لعلّ أحدّ أهم عناصر القوة التي تتمتّع بها الأحزاب المهيمنة هي أنها نجحت في أن تكون تعبيراً عن شيء ما مادي محسوس، عن هوية ما مدوّنة في مكان ما بصرف النظر إذا ما كنا نتّفق مع شكل هذا التعبير وروحيته ومشروعيته. ولعلّ أحد أهم عوامل النجاح النسبي الذي حققته تجربة الحراك الشعبي الانتخابية في الشوف وعاليه، هو أنّ حملة "لِ حقّي"، التي تشكّل تجسيداً سياسياً انتخابياً للحراك الشعبي في هذه الدائرة، نجحت في أن تعبّر عن شيء ما مادي ومحسوس؛ نجحت في أن تكون مجموعة سياسية مناطقية تحاول التعبير عن هموم المتضررين من منظومة الحكم في تلك المنطقة على وجه التحديد. وهذا الأمر، فضلاً عن النهج التشاركي الذي اعتمدته الحملة واللامركزية الديمقراطية والانتشار الأفقي في البلدات والحرص على إشراك أكبر قدر ممكن من الناشطين في القرارات الأساسية، كلّ ذلك أسهم في تكوين رابط عاطفي حقيقي مع الحملة وشعور بالانتماء.
أحدّ أهم عناصر القوة التي تتمتّع بها الأحزاب المهيمنة هي أنها نجحت في أن تكون تعبيراً عن شيء ما مادي محسوس، عن هوية ما مدوّنة في مكان ما بصرف النظر إذا ما كنا نتّفق مع شكل هذا التعبير وروحيته ومشروعيته
إنّ بنية لحقّي والنهج غير التقليدي الذي اعتمدته الحملة، والذي ينطلق من أسفل إلى أعلى من دون مركز ولا رأس، يختلفان بشكل جذري عما يتم اعتماده في العادة. فالبنية والنهج المعتمدان تقليدياً ينطلقان من أعلى الهرم بهدف بناء أسفله، ومن المركز بهدف اجتذاب الأطراف. غير أن التجربة علّمتنا أن الفشل كان وسيكون دوماً ملازماً لهذه المقاربات. أولاً لأنها لا تعبّر عن شيء سوى عن أفكار مجرّدة في أذهان أصحاب هذه النزعات. وثانياً لأنّها سرعان ما ستتحول إلى عمل ضمن فقاعة غارقة في صدى أفكارها الذاتية وأوهام مغلوطة عن حجمها وتأثيرها الفعليين، أوهام مستمدة من بوست فيسبوكي من هنا، ومقالة من هناك. وثالثاً لأن الذين يناصرون هذه الاتجاهات في العادة هم أشخاص بصفات محددة جداً اجتماعياً وطبقياً، ممن لديهم رفاهية الافتكاك عن القوى الحاكمة اقتصادياً والتعبير السياسي الحر. ثمّ أنّه حتى لو كان ثمّة مناصرون من غير أصحاب هذه الرفاهية، فهم سرعان ما سيتخاذلون في يوم الانتخاب تحت إلحاح الشروط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتحكّمة، خارجين بشتى التبريرات والمسوغات المفخّمة. إذن نجحت لحقي في أن لا تكون بالوناً أو فقاعة. نجحت في أن تعبّر عن شيء ما محسوس وحقيقي. والحملة حقّقت شيئاً ما، واجتذبت عشرة آلاف صوت على الرغم من كل التحامل والتهشيم والافتراء والتزوير الكامل للحقائق الذي اعتمدته في وجهها اللوائح الخمس الأخرى التي إما تدور في فلك نادي قوى السلطة أو تسعى إلى الانتساب إليه.

وما العمل؟

انطلاقاً من كلّ ما سبق، فإن المهمة الأساسية المطروحة اليوم أمام قوى الحراك الاعتراضي وأمام جميع المتضررين والمتضررات من سياسات المنظومة الحاكمة هي ابتكار أسلوب ونهج وبنية جديدة وغير تقليدية من أجل خوض غمار الصراع السياسي بمواجهة المنظومة الحاكمة. ينبغي خوض غمار هذا الصراع بجميع أبعاده الفكرية والاقتصادية والاجتماعية، وأن تكون المواجهة بأجسام مادية لا بفقاعات؛ بأجسام تعبّر عن شيء ما محسوس، وفي الوقت نفسه تحاكي شرعة التنوع والاختلاف وتصونها ولا تحاول طمسها أو فرض وحدة "المتوسط الباهت". إنّ الاستفادة من تجربة لحقّي وتطويرها وتعميمها ستؤسس لتصوّر متكامل قد يحمل الحلّ المنشود. مجموعات مناطقية متلونة بعدة اتجاهات سياسية، ومتفقة على منطلقات مستمدّة من الحقوق الاقتصادية - الاجتماعية والسياسية للأفراد، ومن شرعة حقوق الإنسان، وذلك لمنع الانزلاق نحو الشعبوية الاعتراضية الفارغة. وفي الوقت نفسه تحفيز وشرعنة تيارات سياسية مختلفة عابرة للمجموعات المناطقية تشكّل عروقاً متشابكة ومتقاطعة تغذي وتخصّب تلك المجموعات، منظومة حيّة متحرّكة تشبه الحياة... أخيراً، ثمّة مهمة ملحة جداً ينبغي العمل عليها وهي القطيعة النهائية مع تسمية: "المجتمع المدني" الباهتة والضبابية والتضليلية. أقول ملحّة كونه في إمكاننا أن نتوقع سلوك الأحزاب في الفترة القادمة وجهودها لاحتواء ظاهرة المجتمع المدني. سيقومون بتبني القضايا الأساسية المطروحة وترشيح وجوه "مدنية" معروفة، ومن ثم القول: "أنظروا! المجتمع المدني على لوائحنا، وما سوى ذلك وهم وسراب وثلة من الفوضويين...".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard