كيف فقدت عذريتي III: "نسوةُ الأبدِ الساخرات"!

الاثنين 20 أغسطس 201807:58 م
لطالما كان الحديث في المنتديات السريّة للذكور يدور حول الفتيات، ماذا يردن وكيف السبيل إلى إيقاعهن في حفرنا المزروعة بالرماح؟ كيف نصل إلى تلك الزهرة الفوّاحة، (وردة الأطراف الأربعة كما كتب صديقي جميل حلبي، وردة الدانتيلا السوداء كما كتب الشاعر أمجد ناصر)، لمسها باليد، بطرف اللسان، تشمّم رائحتها النضرة الشبيهة برائحة المزارات البعيدة والاحتفاظ بها أكثر ما يمكن. مثل كل المراهقين، كان سبيلنا الوحيد إلى عالم الفتيات هو انتظارهن على باب المدرسة إذ لا نوادي ولا تجمعات مختلطة، كنا غرباء عنهن وهنّ غريبات عنا. كنا نراقبهن يتهادين في ثياب الفتوّة، نعضّ على شفاهنا ونمسك أعضاءنا التي تكاد تنفجر ونتحسّر، ومن أسعفه الحظ بجارة حارّة أو قريبة مثيرة كان عرضة للحسد والأسئلة: هل تغير ثيابها أمام النافذة المفتوحة، هل تملك كيلوت مخرّم، هل تحلق شعر تلك المنطقة أم تتركه كدغل كثيف؟ ما هو شكل تلك المنطقة أصلا؟؟ كانت خيالاتنا تخلط بين مذيعات التلفزيون وممثلات السينما والقريبات والجارات ومعلمات المدرسة، بحيث رأيت في أحد مناماتي الجنسية مدرّستي في الصف الأول تترك حبيبها (محمود ياسين) باكيا على السرير في فيلم (امرأة مطلقة) وتهرع لتقبيلي بشغف. كان عالما مجهولا بالنسبة لي وربما أكثر إرعابا من الضلعين الباقيين في الثالوث المقدس، فبينما استطعت مبكرا اتخاذ موقف واضح من الدين والدولة عبر التجديف المستمرّ وشتم الحكومة، بقي الجنس عنصرا مخيفا وغابة مظلمة.
عندما انتهيت ارتميت في فراغ الرضا الهائل، الممتلئ، الواثق، وقعت على ظهري كديك مذبوح يبتسم من فرط الارتعاش
كنت دوما معجبا بقدرة النساء على الحب، على التهوّر، على اللحاق باحتمال السعادة الضئيل إلى الجحيم
كنت أحلم بالقبلة الفرنسية كما يقال لها، لكن حلمي كان يقف عاجزا أمام جهلي بكيفية القيام بالأمر، كانت تمارين التقبيل بادئ الأمر تتخذ من السبابة والوسطى شكلا شبيها بشفتي المرأة ثم أبدأ بمص إصبعي على غرار ما أشاهد في أفلام السينما، لكن الأمر بقي مبهما فالأصابع لا تتفاعل. حتى اقترحت على صديقي في المدرسة الإعدادية ماهر أن نقوم بالأمر من باب المعرفة وليس من باب الرغبة، كانت التجربة نصف مرضية، إذ أني تساءلت كثيرا وأنا أقبّله وأعضّ شفته التحتانية المليئة فيم إذا كان قد غسل فمه بعد الغداء، فقد سرت في فمي رائحة ثقيلة لبصل نيئ وبندورة مطبوخة، بعد أن انتهينا من التمرين قال لي: كان غداؤك رزاً ببندورة؟ أجبت: نعم وكان غداؤك باذنجاناً مقلياً وبصلاً؟ في صف العاشر الإعدادي كانت أول علاقة حب حقيقية لي، أي تتوفر بها شروط الإعجاب والبوح والموافقة من الطرفين، كانت فتاة سورية/فلسطينية، سمراء وممتلئة كرمّانة ناضجة، جريئة حد التهوّر، معها عرفت أن من الأفضل للمرء ألا يكون وحيدا، كانت عائلتها متحرّرة إلى حد ما وهذا يعني أن تبقى برفقتي ربما حتى منتصف الليل، وعندما رآنا أخوها نقطع الشارع يدا بيد، ابتسم فقط ولم يذكر لها الموضوع أبداً. قبلتنا الأولى كانت في بلكونة جدتي ريما، وجدتي ريما امرأة فاتنة أخرى من عصر آخر، عصر يتقدّس فيه الحب ويُحتفى فيه بالمحبوبات، عندما كنت أزورها برفقة لمى كانت تستعير السجائر من علبة خالي وتضعها لي تحت غطاء السرير ثم تتحجّج بزيارة عاجلة إلى مكان ما وتغادر المنزل بعد أن تصنع لنا شراب التوت. قبّلتُ لمى في تلك الشرفة المطلة على طريق الشاطئ، في غسق مذهل ونحن نجلس على الأرض كي لا نظهر للمارّة، كانت الشمس تغوص في البحر وكان لخيوطها الخفيفة الساقطة على شفتي لمى طعم سحري يضاهي بسحره طعم شفتيها، كتبت لها بعد ذلك: قبّلتُ الشمس في شفتك السفلى.

أعتذر لخيانتي حين كتبت: إن ضحكتِ أضحك وإن متِّ أموت...ها قد متِّ ومازلت أنا حيّا كسلحفاة، أعتذر لهذا.

انتهى حبّي الأول بطريقة مأساوية بعد ثلاث سنوات، إذ ماتت لمى فجأة محترقة في حمّام البيت، ربما يكون انتحاراً أو حدثاً مأساويا فقط، لكني لم أعد نفس الشخص بعد هذا أبداً، وهنا يجب أن أوجّه تحية إلى روحها الناعمة التي أودّ أن تكون قد رافقتني خلال السنين الماضية: حبيبتي لمى، لن أشعر يوما بفقد مماثل حتى أفقد روحي، أعتذر لخيانتي حين كتبت: إن ضحكتِ أضحك وإن متِّ أموت...ها قد متِّ ومازلت أنا حيّا كسلحفاة، أعتذر لهذا.

وجبة كاملة من المتعة غير المشروطة

كانت جامعة تشرين الجديدة في مدينة اللاذقية قد بدأت بالتوسع حين انتميت إليها، أشبه بمدينة صغيرة، تحتوي كل المباهج التي يرغبها طالب فقير ومتعطش للأصدقاء مثلي، قبل أن تحشيها الدولة بالمخبرين وأنصاف المتعلمين من خرّيجي جامعات الاتحاد السوفييتي بعلب المارلبورو والجوني ووكر، الكافتيريات رخيصة والأبنية ممتلئة بالزواريب الخفية والصفوف بالأشخاص غريبي الأطوار من كل المحافظات. والأهم من هذا أنها تحوي سكناً جامعياً، أي فتيات يستطعن النوم خارج السكن، أي كنزاً من الاكتشافات والمرح، كنت أبحث عن شيء لا أدري ما هو، ربما صادفته ولم أعرف أنه ما أريد. لكن ما يهم هنا هو تلك الأوقات المسروقة في غفلة عن الإدارة والأهل والأديان ولائحة الممنوعات، لكنها علاقات غير مكتملة، بل نوع من الاحتيال على غشاء العفة بطرق عديدة، لكنها في ذلك الوقت كانت تفي بالغرض، إلى أن جاءت تلك الفتاة المعجزة وألقت جانباً بكل ما آمنت به: الشعر!! لا أهتمّ فعلا، لكنّي أهتم أكثر بحركة أوراكك.. كانت رحلة عظيمة تتضمن كل الأشياء التي لم أظن أني سأعرفها قبل عدة سنوات، قدّمت لي وجبة كاملة من المتعة غير المشروطة، بتنوعاتها المنحرفة، معها عرفت أن الجنس تجربة تتضمّن كل الحواس، وأن للشوكولا طريقة أكل بعيدة كل البعد عن تغطيس البسكويت. كانت فتاة مجرّبة وكنت فتى غرّا، أحمق، يستعجل تحقيق انتصارات وتسجيل النقاط، قبضتْ علي بيد الرغبة المتصاعدة وأدخلتني مغارة الأطايب، سلّمتها نفسي بكل ما فيها من قيء وكراهية وخوف وحقد وخجل من ثيابي الداخلية الممزقة وجهل بآداب التعامل مع النساء. بحيث عندما انتهيت ارتميت في فراغ الرضا الهائل، الممتلئ، الواثق، وقعت على ظهري كديك مذبوح يبتسم من فرط الارتعاش، لم تخلّصني من الحماقة تماما إلا حين همستُ في النهاية: أحبّك، فأجابت: دع الحب للسيدة والدتك، أنا هنا لأسلبك براءتك الغبية.  كنت دوما معجبا بقدرة النساء على الحب، على التهوّر، على اللحاق باحتمال السعادة الضئيل إلى الجحيم، لا تتحطم قطارات الشحن إلا إذا اصطدمت بامرأة تركض للقاء حبيبها، تتحدّث إحدى قصص ألف ليلة وليلة عن مارد يغار على حبيبته ويخاف أن تحب غيره، فيقوم بحبسها في صندوق يحمله باستمرار على ظهره، ولكن في كل ليلة، حين يغفو، تجد الحبيبة طريقة لإغواء عشاق جدد، تمارس الجنس معهم وتأخذ منهم خواتمهم لتضمن أنهم سيحفظون سرّها. وبالرغم من أن القصة تأتي في معرض التدليل على الخيانة إلا إني أجد فيها دلالة أكثر أهمية: المرأة تتبع حبّها ولو كان الثمن باهظاً بينما يستسلم الرجال بسرعة، لطالما أذهلتني هذه المقدرة لديهن ولطالما حسدت النساء على وهمهن هذا وشجاعتهن المجنونة. كانت الرفيقة زويا تتسلّى بالانحناء خلفي وترفع طرف الكنزة ثم تمدّ لسانها وتلحس ظهري فأدوخ دوخة علم وطني وأفقد الوعي في الاجتماع الحزبي بحيث أتساءل بعد انتهائه ماذا يفعل الأمين العام للحزب الشيوعي السوري في مؤتمر بازل أو في معركة واترلو. وكانت كنانة تمدّ يدها لتداعبني في منتصف محاضرة عن تاريخ الأفكار والوقائع الاقتصادية فأخلط آدم سميث بعمرو دياب وماركس بسعيد صالح.. أولئك النسوة الفاتنات اللواتي طبعن حياتي بأسمائهن وعلمنني أن أحترم رغباتهن، أن أعرف رغباتي، اللواتي دللنني ومنحنني وقتا ومشاعر واهتماما، اللواتي حرصن دوما على ترميم النقص في داخلي وعملن على إظهاري بمظهر اللطيف الأنيق الساحر ولم أكن هكذا دوما. اللواتي قمن بتمديني وتجميلي وتهذيب ذكوريتي الفجّة، أرغب بذكر أسمائكن نجمة نجمة مع قبلة على اليد، أنا أنتنّ جميعا، محصّلة أرواحكن العامرة بالرقة والهبات المجّانية. في بعض المرّات وبعد حفلة حب طافحة أقول: أستطيع الآن أن أموت بسعادة ورضا وهذا ما جعلني أكتب: مرقصاتُ الفجرِ على لهوهنّ الأسود أقنية ُالتهتّكِ الرائعِ، موسِعاتُ الوقت ِ بلمعةِ آباطهنّ، كراتُ التوتّرِ، مرجّفاتُ اليقينِ هاضماتُ القنوطِ، ميتّماتُ الحقيقةِ مبدّداتُ النِعَم ِالمصونةِ سافحاتُ المصيرِ الأشدّ تماسكاً. نسوةُ الأبدِ الساخرات وصلن. الحياةُ تسجّلُ لحظةً ثمَّ نموتُ

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard