كراكيب في حياة النازحين... لأنّ بعض الأغراض ينعش الأمل ويقتله

الأربعاء 22 أغسطس 201802:10 م
يوم 21 مارس 1947 اتصل رجل بشرطة نيويورك للإبلاغ عن رائحة كريهة بمنزل قديم عملاق عبارة عن 4 أدوار. وصلت الشرطة ولم تستطع الدخول، فالنوافذ محصنة بقضبان حديدية والمدخل ممتلئ بكومة من الخردة، صحف وصناديق وكراسي، لا يمكن اختراقها حتى أن الرجال الستة الآخرين الذين وصلوا إلى مسرح الأحداث لم يتمكنوا حتى من شق طريقهم في البداية. بعد نجاح أفراد الشرطة في العبور أخيرًا، استغرق بحثهم خمس ساعات ليجدوا جثة رجل صار معروفًا فيما بعد، هومر كولير الذي توفى إثر أزمة قلبية بسبب الجوع الشديد. تناقلت الصحف الخبر سريعًا متفقة مع المحققين في اتهام أخيه بقتله، وصار البحث عن القاتل ضروريًا، المفاجأة أن بعد نحو ثلاثة أسابيع عثر أحد العاملين على جثة لانجلي كولير في المنزل، وتبين لاحقًا أنه مات قبل هومر بحوالى أسبوعين. 130 طناً كان حجم الأغراض والكراكيب التي حواها بيت الأخوين، حيث احتفظا بذكريات والديهما، ولأن لانجلي كان يميل لشراء كم مهول من الكراكيب، ما ساعدهما على ذلك هو انعزالهما عن المجتمع الذي عاشا فيه، والذي بدأ يعج بالطبقات الفقيرة حولهما. لتلك الكراكيب في حياة اللاجئين حيالياً، رمزيةً أخرى، ولكن الثقل نفسه. فهي كل ما تبقى لديهم من ذكريات من بلدهم الأم.

وائل السايغ: مهجّر يتحسر على الحنين

ربما لم يعش غالبية العراقيين تجربة التهجير إلا بظهور تنظيم داعش في البلاد، وما ترتب على ذلك من تدمير تام للبنية التحتية للعديد من القرى والمدن، وعمليات تفجيرية بشكل شبه يومي، لكن وائل السايغ، 27 عامًا، عرف النزوح كما لم يعرفه غيره، لأنه تهجر مرتين، أولاهما عام 2008، إثر هجمات تعرض لها المسيحيون في الموصل، على يد جماعات مسلحة أسفرت عن مقتل العشرات، من بينهم ابن خالة وائل وزوج خالته. لم يعرف وائل أو غيره على الأرجح هوية تلك الجماعات، فيقول لـ"رصيف22" إن السيارات كانت تتوقف في حي الحدباء –الذي كان يسكن فيه وقتذاك- ويهددون من خلال ميكروفونات المسيحيين بضرورة ترك الموصل وإلا فسيقتلون، وبعد سنوات من الهجمات، تضارب الاتهام بين الأكراد وتنظيم القاعدة، دون معرفة من المسؤول. via GIPHY قرية كرمليس، الواقعة بمحافظة نينوى، كانت المحطة الثانية في رحلة "السايغ"، حيث استقر ست سنوات، نجح في تكوين علاقات عديدة هناك، وكان مرنمًا في كنيسة مار ادي الرسول، التي ما زالت تحتفظ بحنينه: "عندما أزور العراق، سأذهب أولًا إلى كرمليس وكنيسة مار ادي والأماكن التي عشت فيها"، حنين لم يكن له مكان وقت دخول تنظيم داعش. خرج وائل في الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل، بسبب تواتر الأنباء حول دخول داعش للبلاد، سيارتان بهما 11 فردًا يتوجهون إلى المجهول هربًا من عدو قد يصل إليهم في أي لحظة. يقول: "تعطلت السيارة في طريقنا إلى عنكاوا واضطررت إلى دفعها من الساعة الثالثة فجرًا إلى التاسعة صباحًا، حتى وصلنا إلى أربيل، لا أعرف كيف حدث ذلك لأن لياقتي البدنية بالأساس ضعيفة".
"لميت كل أغراضي، خدت صوري وإكسسوراتي وثيابي، خدت كل الحاجات من سوريا ولم أترك فيها أي ذكريات"
"لما خرجنا كنا فاكرين إننا خارجين لشهرين أو تلاتة والوضع هيهدى، كان الوضع مستقر شوية ساعتها وأخدنا أقل الأغراض، أخدت الثياب الصيفية وتركت الشتوية عشان كان عندي أمل إني هرجع"
الوصول لم يكن المحطة الأخيرة، بل كان بداية المعاناة، خمس عائلات بإجمالي خمسة وثلاثين فردًا يعيشون تحت سقف واحد لمدة شهر، وذلك بسبب استغلال أصحاب العقارات للأزمة التي خلفت الكثير من المهجّرين، والتي أدت لزيادة الطلب على شراء بيوت في أربيل ومغالاتهم بالأسعار، حسب قوله.

العودة من أجل لابتوب

لم يكن كل ما سبق هو الأسوأ في حياة وائل السايغ، فالسفر إلى فرنسا مطلع عام 2017 والعودة للعراق في مارس من نفس السنة، جلبت مرارة بطعم الحنين والحسرة في آن واحد. "لابتوب" حوى جل ذكرياته مع عائلته وأصدقائه، كان الهم الأول له لدى عودته، إضافة لألبوم صور وآلة عود، كانوا أهم شهود على فترة حياته في كرمليس التي ما زال يعتز بها. "رجعت فقط من أجل اللابتوب، ورغم الدمار الذي حل بالقرية، لكن كان عندي إيمان قوي بأني سأجده، للأسف، ما لقيت له أثر ووجدت فقط ألبومات الصور والعود، وأخذتهم على الفور، يظل هناك حسرة في القلب لكن المهم خرجنا بالسلامة". ويتابع وائل: "ما زلت أحتفظ بشهادة الابتدائية وشهادات التقدير التي حصلت عليها، بالطبع أحن إلى العراق ، لكن هذا الحنين لن يتغلب على مشاعر الاستقرار، لأني أريد التقدم في حياتي".

جويرية تحمل ذكريات سوريا معها

تقول "جويرية"، اسم مستعار، 22 عامًا، إنه لدى خروجها من سوريا مع عائلتها، يوم 15 يوليو 2012، كانت تعتقد أنها ذاهبة إلى مصر من أجل السياحة و"تغيير الجو"، وأن الرحلة لن تستغرق أكثر من شهرين، قبل العودة مجددًا إلى الوطن. "لميت كل أغراضي، خدت صوري وإكسسوراتي وثيابي، خدت كل الحاجات من سوريا ولم أترك فيها أي ذكريات". هكذا تحكي جويرية لرصيف22 عن اللحظات التي سبقت السفر إلى مصر، مشيرةً إلى أن أهلها تعجبوا من كمية الأغراض الكثيرة التي أخذتها، باعتبار أن العودة لسوريا لن تطول. ربما كان هذا أفضل قرار اتخذته، لأنها ظلت ولا تزال في مصر منذ ست سنوات، درست فيها الإعلام بجامعة القاهرة، أحبت شعبها، تشتاق إلى سوريا وكل الأماكن التي عاشت بها، لكن أغراضها التي حملتها معها، تذكرها بالحياة الماضية، والتي تثق أشد الثقة في أنها ستعود من جديد بعد انقضاء الأزمة. "عندما أعود إلى سوريا سأدعوك بالطبع لتزورنا بكفرسوسة في دمشق، كل هذا سينتهي وستعود سوريا كما كانت". بصوت يملؤه الود والثقة، تعدني جويرية بأنها ستستضيفني بمجرد عودة الاستقرار، وتكمل بلهجة مصرية وبنبرة حزن واضحة: "رجعت إلى سوريا من سنة وأول شيء شعرت به هو إحساس غريب جدًا بالغربة، لما دخلت سوريا حسيت إني من أهل الكهف وتساءلت هو إيه اللي حصل؟ كأني رحت مكان متعودة عليه وحسيت إني غريبة فيه". وتتابع: "الصدمة الثانية لما نزلت الأسواق وانصدمت بالأسعار، ولما قعدت في كافيه مع أصدقائي ووجدت الحساب 15 ألف ليرة".

كراكيب تبدد أمل العودة

قصة آية زكريا، 22 عامًا، تشبه قصة جويرية، في السفر إلى مصر، وفي سنة الخروج من سوريا، بل أنها خرجت بيوليو أيضًا، وكان لديها نفس الظن، بأنها ذاهبة إلى مصر لقضاء ثلاثة أشهر على الاكثر، إلا أن آية اختلفت جوهريًا في مسألة الأغراض، وفي آمال العودة، فلم تأخد سوى ملابسها الصيفية؛ ظنًا منها أن العودة لن تتأخر. يوليو 2012، بداية الخروج من حلب إلى "مصيف" القاهرة، كما تروي آية، قبل أن تصدم بأن الوضع ازداد سوءًا في سوريا منذ رحيلهم. via GIPHY "لما خرجنا كنا فاكرين إننا خارجين لشهرين أو تلاتة والوضع هيهدى، كان الوضع مستقر شوية ساعتها وأخدنا أقل الأغراض، أخدت الثياب الصيفية وتركت الشتوية عشان كان عندي أمل إني هرجع". وعن أكثر الأشياء التي اهتمت بإحضارها معها قبل السفر، تقول: "كنت طفلة نوعًا ما ففكرت أجيب الألعاب اللي تفضل معايا على طول لكن معرفتش عشان المساحة المخصصة للشنط، كان فيه كشكول بكتب كنت مصرة إني أجيبه ولسة معايا لحد دلوقتي". تبتسم آية على وقع ذكرى الكشكول، وتؤكد أن الفضول في قراءة ما يحويه قد زاد بعد فترة طويلة لم تستخدمه خلالها، لكنه فضول يبدد آمال العودة حسب رأيها. "وجود الأغراض مش بتديني أمل إني راجعة سوريا بس فكرة إن معايا حاجة كانت هناك وعشت ذكرى معاها، بتخلي الموقف بتاع هناك حاضر معايا"، هكذا تروي آية، مستشهدةً ببعض الملابس التي ترتديها في مصر وتجعلها تشعر بالسعادة لأنها كانت تلبسها بسوريا. وعن  شعورها لحظة خروجها تقول: "قمة الحيرة مش عايزة أسيب المكان خالص ولا أسافر، ليه أسيب بلدي؟ عشان فيها حرب يعني؟" وتضيف: "أصعب حاجة في الحياة إن الواحد يمشي من غير هدف وهو مش قادر يحدد الهدف عشان الظروف اللي قدامه مخلياه ميشوفش أي حاجة، بس لازم يمشي دلوقتي". لم تترك آية الكثير من الذكريات في سوريا، لأنها أحضرت معظمها معها لاحقًا خلال إقامتها بمصر، وهو ما جعل أملها في العودة يتلاشى تدريجيًا، تقول:" الأمل بيختفي أكتر عشان مسيبتش حاجات هناك تخليني أرجع". بعض الأغراض قد تقتل حاملها، كما عرفنا في قصة الأخوين كولير والبعض الآخر يكون بمثابة رمز ودافع للحياة لدى أصحابها؛ لأنه يذكرهم بالوطن الذي لا يغيب عن البال، سواء كانت هذه الكراكيب تنعش أمل العودة لجويرية، أو تفقده حسب رأي آية، أو تضيف مزيجًا من الحسرة والاعتزاز بما عاشه وائل في العراق.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard