هل تصلح الأشعرية لمواجهة السلفية؟ وهل يمكن أن نبني عليها خطاباً دينياً مواكباً للعصر؟

الخميس 20 ديسمبر 201807:02 م
بعد أكثر من قرن على "حركة النهضة"، تعود دعوات تجديد الخطاب الديني الإسلامي إلى الواجهة، وتُسلَّط الأضواء على أكبر مؤسسة دينية إسلامية، "الأزهر"، ليقود المسيرة. يؤكد الأزهر على وسطيته، انطلاقاً من منهجه القائم على العقيدة الأشعرية. ولكن تساؤلات كثيرة تُطرح حول نجاعة الأشعرية نفسها في مواجهة التطرف والجمود، وفي صياغة خطاب ديني مواكب للعصر.

ما هي العقيدة الأشعرية؟

تحمل الأشعرية اسم مؤسسها وهو الإمام أبو الحسن الأشعري (874-936) وكان معتزلياً في بداية حياته، لكنّه تحوّل في فترة متأخرة من عمره، وحاول التوفيق بين المعتزلة والحنابلة. ويقول أستاذ الفلسفة في جامعة طنطا أحمد سالم إن الأشعرية ظهرت "للدفاع عن عقيدة السلف بالحجة العقلية، وهذا ليس معناه أن للعقل أولوية عند الأشعري، فالعقل لا يجاوز النص عنده". ويضيف لرصيف22 أن اختلاف الأشعرية عن السلفية هو اختلاف في المنهج، واختلاف محدود في العقائد، ففي المنهج وسّع الأشاعرة دائرة العقل، ولم يتقيّدوا حرفياً بالنص في بعض الأحيان، أما السلفية فمجّدت النص، لكنهما اتفقا في مجمل العقائد. ويشير محمد بنتاجة في دراسة منشورة بعنوان "إسلام أصحاب الحديث: جدل العقائد بين الأشاعرة والمجتهدين الحنابلة" إلى ضرورة التفريق بين الأشعرية الكلامية والأشعرية الحديثية. وبرأيه، فإن الأشعري بعد أن ترك الاعتزال لفّق مذهباً بين مذهب أهل الحديث والاعتزال، وأقامه على أسس جدلية كلامية. ولكن في نهاية حياته كتب كتاب "الإبانة عن أصول الديانة" وفيه رجع إلى مذهب المحدثين متفقاً معهم على إمرار الصفات الخبرية الإلهية بدون تأويل. وإذا كان البعض يربط بين صلاحية الأشعرية لمواجهة الجمود وبين أن يكون لدى الأشاعرة فكر مخالف للسلفية، فإن كثيرين يؤكدون عدم وجود هذا الرابط. ويقول سعيد بنسعيد العلوي في كتابه "الخطاب الأشعري: مساهمة في دراسة العقل العربي الإسلامي": "وكأن أبا الحسن يتبع في كتابه ‘الإبانة عن أصول الديانة’ ما سطره أحمد بن حنبل في كتابه ‘الرد على الزنادقة والجهمية’ خطوة خطوة". هناك عدة قضايا يمكن من خلالها الحكم على قدرة الفكر الأشعري على قيادة خطاب تجديد ديني أبرزها نظرة الأشاعرة إلى السلطة السياسية، والتكفير وقبول الآخر، وحرية الإرادة الإنسانية، وتشجيع المنهج العلمي.

الأشعرية والسلطة السياسية

يشير الأستاذ أحمد سالم إلى أن معظم الخلفاء العباسيين والسلاطين والملوك كانوا يُرسّمون المذهب الأشعري مذهباً رسمياً للدولة لأنه يدعو إلى الصبر على الحاكم ولو كان ظالماً مستبداً، ولذا كرّست الأشعرية على المستوى السياسي الاستبداد واستمرار الظلم، بعكس الخوارج الذين دعوا إلى الخروج على الحكام الظالمين. وقبل الأشعرية، لم تكن مسألة الإمامة القائمة على الاختيار قضية أصلية عند أهل السنة، لكنهم جعلوها أهم أصول الدين، وذلك في مواجهة المعارضة الشيعية التي تجعل مسألة الإمامة القائمة على النص أهم ركن في المذهب، يتابع سالم. وكان الهم الإيديولوجي حاضراً عند الأشعري، لذا هدف إلى تأليف موقف سنّي منسجم وموحد، يتم الإجماع فيه على حدود دنيا من القول الواضح، في مواجهة معارضة الشيعة الباطنية. وتكرر الموقف مع الإمام أبي حامد الغزالي في كتابه "فضائح الباطنية"، وأوضح أنه كتبه شكراً للخليفة العباسي المستظهر بالله، وهو ما يحمل دلالة على أن أحد أهداف التأليف كان خدمة السلطة العباسية، بمهاجمة أهم خصومها، وفق ما ذكره العلوي.

الأشعرية والتكفير

يعارض أستاذ الفلسفة أحمد سالم ادعاء خلو الأشعرية من التكفير ويؤكد أنها، على مستوى مدونات علم العقائد، من أكثر التوجهات التي تكفّر الآخرين. ويقول: "لو عدنا إلى مؤلفات عبد القادر البغدادي الأشعري، وكتاب الملل والنحل للشهرستاني، ومؤلفات الملطي، وغيرهم من أعلام الأشاعرة، سنجد أنهم يكفّرون الشيعة والمعتزلة والخوارج، وكل الاتجاهات المغايرة لأهل السنة، فيما يمجدون عقيدة الأخيرين، وعلمائها، وبالتالي كانت كتب الأشاعرة أكثر المدونات إقصاءً للفرق المغايرة".

هل للإنسان إرادة حرة؟

يرى المعتزلة أن أول شروط العدل الإلهي هو الحرية، حرية الإنسان الفاعل الذي يكون الفعل صادراً عنه ومتعلقاً به، حتى يستحق الحساب على أفعاله، حسبما يذكر العلوي. ويشرح سالم مسألة حرية الإرادة بقوله: "تقول الجبرية إن الإنسان لا إرادة له، وهو فاعل بالمجاز لا على الحقيقة، أما المعتزلة فقالت إن الفعل من خلق الإنسان باعتباره حراً ومسؤولاً عن أفعاله". وحاول الأشاعرة صياغة مذهب وسط، فقالوا إن الفعل من خلق الرب وكسب العبد (نظرية الكسب)، وهنا نحن أمام قدرتين: الله والإنسان، وربطوا قدرة الإنسان بمشيئة الله، فأصبح للفعل فاعلان قريب وبعيد، القريب هو إرادة الإنسان، والبعيد هو الله المانح للقدرة على الفعل، بعكس المعتزلة القائلين إن الانسان قادر على الفعل، وعلى معصية الله ولذا يستحق العقاب أو الثواب، يشرح سالم. لكن مَن أحدث هذه القدرة؟ فإنْ أحدثها العبد رجعنا إلى قول المعتزلة الذين يقولون بخلق العباد لأفعاله، وإنْ أحدثها الله، يبقى العبد تحت وطأة الجبر الذي يروم الأشعري نفيه عنه وإثبات حريته، يقول بنتاجة. وبرأي سالم، ظن الأشاعرة أنهم توسطوا إلا أنهم في حقيقتهم جبرية، والفعل البشري لديهم جبري في جوهره، "فلو أراد الله أمراً مختلفاً لما استطاع الإنسان تجاوز إرادته، ولذا لا إرادة للإنسان عندهم".

نفي السببية في الطبيعة

يُنكر الأشاعرة مبدأ السببية، ويرون أن وصف النار بالفاعلية أو القدرة على الحرق يُعدّ تجاوزاً في حق الله، الفاعل الوحيد على الحقيقة، لذا فإن فاعل الإحراق هو الله، أما احتراق القطن بالنار مثلاً فهو على سبيل العادة والاقتران، يشرح العلوي في كتابه مستعيداً بعض حجج الغزالي في ردّه على ابن رشد.
هناك عدة قضايا يمكن من خلالها الحكم على قدرة الفكر الأشعري على قيادة خطاب تجديد ديني أبرزها نظرة الأشاعرة إلى السلطة السياسية، والتكفير وقبول الآخر، وحرية الإرادة الإنسانية، وتشجيع المنهج العلمي
يؤكد الأزهر على وسطيته، انطلاقاً من منهجه القائم على العقيدة الأشعرية. ولكن تساؤلات كثيرة تُطرح حول نجاعة الأشعرية نفسها في مواجهة التطرف والجمود، وفي صياغة خطاب ديني مواكب للعصر
وبحسب الأشاعرة، نزع الله الحرارة من النار، في قوله تعالى {يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم} (الأنبياء: 69)، وبالتالي الله قادر على سلب الأشياء طبائعها، وكذا الحال في معجزات موسى وعيسى. وخطأ الأشاعرة هو أنهم أخذوا من الخاص حكماً على العام، فاستبدلوا سنة الكون الإلهية بمنطق المعجزات، وقالوا إن ما يحكم الأشياء في الكون ليس منطق الضرورة بل منطق العادة، وجعلوا كل شيء جائزاً في الكون، والجواز هو منطق الكسالى، وبقولهم هذا انتفت الحكمة الكونية، ولم نعد بحاجة إلى البحث العلمي لكشف علاقات الأشياء ببعضها، يتابع سالم. يحمل نفي السببية في ظواهر الطبيعة تقويضاً للعلم الذي يُعدّ مبدأ السببية ركناً أساسياً فيه، ويؤدي إلى "أن الموجودات جميعها تتساكن وتتجاور فلا يكون بينها تأثير ولا تأثر، ولا تعلق لأحدها بالآخر، ولا صلة له به، ويعني هذا أن العلاقة التي تقوم بين الأجزاء المنفردة هي الانفصال، أي أنه لا قوانين فيزيائية يمكن أن تفسر الكون، بل كل شيء يعود لله، وما نلاحظه من انتظام يرجع للعادة"، يقول العلوي.

هل تصلح الأشعرية لتجديد الخطاب الديني؟

في كلمة في مؤتمر عن تجديد الخطاب الديني عام 2015، أوضح شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب أن الأزهر يتبنى المذهب الأشعري، وفيه العلاج الناجع لأمراض الفكر الديني، ووسيلة لإعادة مجد الإمة الإسلامية، وطوق نجاة من التكفير، وأكد أن الأشعري لم يخترع مذهباً بل تابع ما قاله الصحابه والتابعون، على خلاف المذاهب الأخرى مثل الاعتزال وغيرها التي تصطدم بنصوص الكتاب والسنة. كلام الطيب هو عين ما تقوله الجماعات الإسلامية المتطرفة، وربما يعود الخلاف بينهم إلى موقع كل منهم من السلطة. يمنح الأشاعرة للنقل سلطة أعلى من العقل، سواء كان النقل لفظًا لغوياً أو إجماعاً أو خبراً لم يكن له سوى راوٍ واحد، يقول العلوي في كتابه. وعلى مستوى الأحكام الفقهية يلتزمون بالمصادر التقليدية للأحكام وهي: القرآن والسنة والإجماع والقياس، حسبما يذكر العلوي. ومعروف أن عدم تجديد هذه المصادر هو أحد علل الخطاب الديني الإسلامي. وسبق أن نادى الشيخ عبد المتعال الصعيدي في كتابه "تاريخ الإصلاح في الأزهر" بتفكيك مركزية المذهب الأشعري، كشرط لبداية الإصلاح.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard