أملاك كنائس القدس... من قضية بيع عقارات ليهود إلى أزمة إقفال كنيسة القيامة

الاثنين 5 مارس 201811:48 ص
ثلاثة أيام كانت كافية لانتهاء الأزمة. أعادت كنيسة القيامة في القدس فتح أبوابها، بعد أن كانت قد أُغلقت، في خطوة نادرة الحدوث، اعتراضاً على سياسات ضريبية جديدة تطال عقاراتها وعلى مشروع قانون إسرائيلي جديد يطالب بمصادرة ممتلكات كانت البطريركية اليونانية الأرثوذكسية قد باعتها إلى شركات خاصة. وكانت كنائس الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك والأرمن قد قرّرت في 25 فبراير إغلاق الكنيسة "حتى إشعار آخر"، إلى حين تراجع إسرائيل عن سياساتها الجديدة. ولكن مساء 27 فبراير، اتخذوا قراراً بإعادة فتح أبوابها، بعد قرار إسرائيلي بتعليق الإجراءات التي تعترض عليها. وجاء في بيان الكنائس: "نشكر الله على البيان الذي صدر في وقت سابق من جانب رئيس الوزراء (الإسرائيلي بنيامين نتانياهو) ونعرب عن امتناننا لجميع مَن عملوا من دون كلل للحفاظ على الوجود المسيحي في القدس". وهذه الكنيسة هي أكثر الكنائس قداسة لدى المسيحيين في العالم، إذ شُيّدت في موقع دفن المسيح قبل قيامته، حسبما يعتقد المسيحيون، وتشرف على إدارتها وتنظيم الطقوس الدينية فيها الطوائف الثلاث المذكورة.

الأزمة... وحلّها

بخصوص السياسة الضريبية الجديدة التي أثارت غضب الكنائس، طالبت بلدية القدس بتسديد ضرائب (مسقوفيات أو "الأرنونا") مترتبة على 882 عقاراً تمتلكها هذه الكنائس، وهي ضرائب لم تكن الكنائس تدفعها بموجب ترتيبات الوضع القائم التي يُعمل بها منذ احتلال إسرائيل للقدس الشرقية، عام 1967. وبحسب رئيس البلدية نير بركات، من غير المنطقي استمرار الإعفاء الضريبي عن ممتلكات تجارية للكنائس تضم فنادق وشركات تجزئة، مع التأكيد على أن أماكن العبادة ستظل معفاة من الضرائب. وأشار بركات في بيان إلى أنه يتعيّن على الكنائس دفع متأخرات مستحقة عن ‏الأصول العائدة لها بقيمة نحو 700 مليون شيكل (نحو 190 مليون دولار‎). وقامت بلدية القدس بالحجز على أملاك وحسابات لبطريركية القدس الأرثوذكسية بقيمة 30 مليون شيكل (حوالي ثمانية ملايين دولار) بحجة عدم دفعها لهذه الضرائب. وأمام حالة الاعتراض الواسعة، أعلن نتانياهو تعليق إجراءات بلدية القدس، وجاء في بيان صادر عن مكتبه أن بلدية القدس ستُعلّق إجراءات التحصيل التي اتخذتها في الأسابيع الماضية، كما سيتم تعيين "فريق مهني" للتوصل إلى حل بالنسبة إلى مطلب جباية الضرائب. أما بخصوص مشروع القانون الذي كان من المقرر أن تنظر لجنة وزارية إسرائيلية فيه في 25 فبراير، ولكن تأجّل النظر فيه، فهو مشروع تقدّمت به النائبة راحيل عزاريا، ويسمح باستملاك أراضٍ كانت قد باعتها الكنيسة لشركات خاصة منذ عام 2010. ويقول معدّو المشروع إن هدفه هو حماية مستأجري منازل مشيّدة على هذه الأراضي من احتمال عدم تمديد الشركات الجديدة لعقود إيجاراتهم. في المقابل، تعتبر الكنائس التي تملك أراضٍ واسعة في القدس أن هذا القانون سيؤدي إلى إبعاد المستثمرين في المستقبل عن شراء عقارات جديدة منها، وتقول إنه قد يؤدي لاحقاً إلى مصادرة أملاك تابعة لها، ولهذا تعترض عليه. وبخصوص هذه القضية، قال البيان الصادر عن مكتب نتانياهو إنه سيتم تجميد النظر في مشروع القانون، مشيراً إلى تشكيل "طاقم مهني برئاسة الوزير تساحي هنغبي وبمشاركة كل الجهات المعنية من أجل إيجاد حل". وردّت الكنائس في بيانها بالقول إن "الكنائس تتطلع للعمل مع الوزير هنغبي وجميع مَن يحب القدس لضمان بقاء مدينتنا المقدسة، التي لا يزال وجودنا المسيحي فيها يواجه تحديات، مكاناً تعيش وتنمو فيه الديانات التوحيدية الثلاث".

انتصار الكنائس؟

فتح باب حلّ للأزمة اعتبره كثيرون انتصاراً للكنائس في مواجهة السلطة الإسرائيلية وذكّر البعض بأزمة البوابات الإلكترونية التي انتهت إلى حلّ يُرضي الفلسطينيين. وقال رئيس التجمع الوطني المسيحي في الأراضي المقدسة ديمتري دلياني إن "الكنائس انتصرت على الاحتلال في هذه المعركة في إطار الحرب الإسرائيلية ضد كل مَن هو غير يهودي". وكان زعماء الكنائس المقدسية الثلاث قد أشاروا في بداية الأزمة إلى أن الخطوات الإسرائيلية الجديدة "هجوم ممنهج لم يسبق له مثيل على المسيحيين في الأرض المقدسة". وقال بطريرك الروم الأرثوذكس ثيوفيلوس الثالث وبطريرك الأرمن نورهان مانوجيان وحارس الأرض المقدسة المطران فرانشيسكو باتون إن السياسات الإسرائيلية "محاولة لإضعاف الوجود المسيحي في المدينة"، مبدين قلقهم من "الهجمة الممنهجة ضد الكنائس والأقلية المسيحية في الأراضي المقدسة من خلال خرق واضح للوضع القائم". كما قالت الحكومة الفلسطينية إن فرض السلطات الإسرائيلية ‏ضرائب على الكنائس يشكل "عدواناً جديداً يستهدف مدينة القدس". وأعلن وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي وقوف بلاده مع الكنائس المسيحية في القدس "في رفضها إجراءات إسرائيل التي تستهدف ممتلكات الكنائس ودورها وتفاقم تهديدات الاحتلال للوجود المسيحي في المدينة المقدسة".

فتح سجال العقارات

في ما يتعدى النقاش حول خصائص الأزمة وطبيعة حلّها، أعاد موضوع عقارات الكنائس فتح السجال حول سياساتها في بيع أراضٍ تمتلكها إلى يهود. وطالب عضو المجلس المركزي الأرثوذكسي في الأراضي المقدسة (فلسطين والأردن) عدي بجالي الكنائس بالكشف لرعاياها عن كل تفاصيل اتفاقيات بيع الأراضي.
يتهم البعض البطريركية اليونانية الأرثوذكسية بأنها تعمل على تلميع صورة ثيوفيلوس الثالث وإظهاره بمظهر رجل الدين الوطني لتغيير صورته كمتواطئ مع إسرائيل يبيع أراضٍ فلسطينية ليهود
الخطابات "الوطنية" الحامية طغت على التصريحات التي تحدثت عن أزمة إغلاق كنيسة القيامة... ولكن البعض استغل الأزمة الحالية للتذكير ببيع البطريركية اليونانية الأرثوذكسية في القدس أراضٍ تمتلكها إلى يهود
وهاجم بجالي قادة الكنائس المسيحية ووصفهم بـ"السماسرة" واتهمهم بتسريب الأوقاف الكنسية للاحتلال وبالتطبيع معه بهدف الحصول على تصاريح، وبطاقات للتنقل بين المناطق، دون أية اعتبارات دينية أو وطنية. والبطريركية اليونانية الأرثوذكسية هي ثاني أكبر مالك عقارات في الأراضي المحتلة عام 1948، مباشرة خلف "سلطة الأراضي" الإسرائيلية. وقامت هذه البطريركية ببيع عقارات كثيرة إلى شركات يهودية، في القدس وفي أماكن أخرى، كما باعت عقارات إلى جمعيات تنشط في مجال الاستيطان. وكانت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" قد نشرت تقريراً مطولاً عن بيع البطريركية اليونانية الأرثوكسية في القدس وتأجيرها أراضٍ لشركات أجنبية يرأسها مستثمرون يهود. وكشف التقرير أن المساهم الرئيسي الذي يقف وراء عدد كبير من الشركات التي اشترت أراضٍ من الكنيسة أو استأجرتها هو رجل الأعمال اليهودي المقيم في لندن دافيد صوفر، الشريك الرئيسي في شركة "كرونتي للاستثمارات المحدودة" التي اشترت مساحات واسعة من العقارات، وخاصة في القدس. كما كشف أن الملياردير الأمريكي اليهودي المقيم في نيويورك مايكل شتاينهاردت، اشترى أرضاً من الكنيسة تحت اسم شركة "أورانيم المحدودة". وتحت اسم شركة "أس أم أس المحدودة"، حصل صوفر وشتاينهاردت على عقود إيجار لأرض كنيسة في مجمع "المحطة الأولى" في القدس، كما امتلكا تحت اسم شركة "أبو طور العقارية المحدودة" عقد إيجار لقمة تل في حي أبو طور. ويرتبط صوفر وشتاينهاردت بعلاقات وثيقة مع ثيوفيلوس الثالث منذ انتخابه بطريركاً عام 2005، فقد ساعداه في سداد ديون موروثة للبطريركية بلغت نحو 160 مليون شيكل (45.5 مليون دولار)، وكانت الحكومة الإسرائيلية حينذاك لا تزال ممتنعة عن الاعتراف بتعيينه، قبل أن تفعل ذلك أخيراً عام 2007. وشرح التقرير أن ما يثير الجدل بالنسبة لليهود الإسرائيليين هي الصفقات المتعلقة ببيع أراض في القدس تضم مبان سكنية، في أحياء غيفعات أورانيم (التي تملكها الآن "أورانيم المحدودة")، وفي أبو طور (تملكها "كرونتي للاسثمارات المحدودة")، وفي الطالبية ورحافيا ونايوت (تملكها شركة تُدعى "نايوت كوميميوت للاستثمارات" ولا علاقة لصوفر وشتاينهاردت بها). فعلى هذه الأراضي تسكن 1500 أسرة في منازل وشقق مستأجرة. وبسبب بيع العقارات، لم يعودوا يعرفون هوية ملاك الأرض الجدد، ولا إذا كانوا سيقومون بتجديد عقود الإيجار، ولا بأي ثمن. ومن هنا، تقدمت النائبة راحيل عزاريا بمشروع قانون يطالب باستملاك الدولة لهذه الأراضي مقابل تعويضات، وأيدتها وزيرة العدل إيليت شاكيد.

أزمة البطريركية المالية

وشرح تقرير "تايمز أوف إسرائيل" أن البطريركية التي تمتلك نحو 20% من أراضي بلدة القدس القديمة تكمن مشكلتها في أن لديها القليل من الدخل النقدي في حين تحتاج شهرياً مداخيل كبيرة لدفع الرواتب وتمويل المؤسسات التربوية وصيانة عدد كبير من الكنائس والأديرة التابعة لها. وهذه البطريركية مستقلة عن اليونان ولا تحصل على دعم مالي من الحكومة اليونانية كما غيرها من البطريركيات الأرثوذكسية اليونانية، ولا أحد يدعمها بعكس الكنيسة الكاثوليكية التي يقف الفاتيكان وراءها. ومنذ نشأة إسرائيل، تدهور وضع هذه البطريركية المالي بسبب هجرة أتباعها، إذ يقيم حالياً في القدس فقط 3000 أرثوذكسي من أصل 10 آلاف مسيحي. ولذلك، راحت البطريركية تموّل أنشطتها من خلال بيع أو تأجير ممتلكاتها. ويحتج العرب بشكل خاص على قضية بيع عقود إيجار فندقي البتراء وإمبريال، ويقعان بين باب الخليل وبين المدخل إلى سوق القدس القديمة وفيهما 22 محلاً تجارياً ومبنى معروف بـ"بيت المعظمية"، لمدة 99 عاماً، لثلاث شركات وهمية، تقف وراءها منظمة "عطيرت كوهانيم" اليهودية اليمينية، وهي منظمة تلتزم بتوطين يهود في جميع أنحاء البلدة القديمة. [caption id="attachment_138475" align="alignnone" width="700"] فندق إمبريال[/caption] ووقّع "صفقة باب الخليل" المذكورة سلف ثيوفيلوس، البطريرك إيرنيوس وتنحى بسببها، عام 2005. ووصلت هذه القضية إلى المحاكم، وصدر حكم في أغسطس 2017 بإقرار الصفقة رغم مطالبة الكنيسة بإلغائها بسبب تلاعبات ورشاوي، وهو ما اعتبره ثيوفيلوس الثالث في تصريحات صحافية اعتداءً خطيراً. ولكن الباحث الفلسطيني لشؤون الأوقاف الأرثوذكسية أليف صباغ عثر على وثائق من "ويكيليكس"، تشير إلى تدخل أمريكي لدى إسرائيل للاعتراف بالبطريرك ثيوفيلوس الثالث مقابل التزامه بصفقة "باب الخليل". فبحسب وثيقة، قال ثيوفيليوس الثالث للملحق السياسي الأمريكي، في 18 ديسمبر 2007، إن "البطريركية ستحترم جميع الاتفاقات السابقة مع الحكومة الإسرائيلية وستتعامل مع قضية الأملاك الأرثوذكسية اليونانية في القدس الشرقية، التي باعها البطريرك السابق إيرنيوس للإسرائيليين، كمسألة قانونية". ويحتج العرب بشكل عام على كل بيع لممتلكات كنسية إلى يهود ويتهمون البطريرك بالفساد وببيع ممتلكات عربية ليهود، وأبرز المجموعات المحتجة هي "المجلس المركزي الأثوذكسي".

فساد؟

تضيّق إسرائيل على الكنائس من خلال قيامها بتصنيف عقارات تابعة لها على أنها أراضٍ مخصصة للزراعة أو الصناعة، لتمنعها من البناء عليها. ويقول معارضو البطريركية الأرثوذكسية إنها تبيع العقارات ليهود بأسعار بخسة. ولكن مصادر كنسية تنفي ذلك وتقول إن قيمة العقارات التي باعتها منخفضة بسبب وجود عقود إيجار طويلة الأمد لهذه العقارات، أي أن المشترين لن يستفيدوا منها قبل انتهاء عقود الإيجار هذه. على سبيل المثال، باعت البطريركية حوالي 430 دونماً في قيسارية لشركة "سانت فنتشرز" مقابل 1.5 مليون دولار فقط. والسبب أنها كانت قد وقّعت مع السلطات الإسرائيلية عام 1974 عقداً لتأجيرها هذه الأراضي لمدة 135 عاماً، عدا أن جزءاً منها يقع داخل حديقة عامة وجزءاً آخر مخصص للاستخدام الزراعي فقط. وقصة تأجير البطريركية اليونانية الأرثوذكسية لعقارات إلى يهود ليست جديدة. فقد أجّرت منذ عام 1951 أراضٍ للصندوق القومي اليهودي. ولكن الجديد في القضية هو تعامل البطريركية مع جهات خاصة وليس مع مؤسسات رسمية إسرائيلية إضافة إلى الأهم وهو بيعها للأراضي وليس تأجيرها، ما يخرجها تماماً من أيديها. والآن، يتهم البعض البطريركية اليونانية الأرثوذكسية بأنها تعمل على تلميع صورة ثيوفيلوس وإظهاره بمظهر رجل الدين الوطني لتغيير صورته في ذهن الفلسطينيين، وهي صورة رجل الدين المتواطئ مع إسرائيل والذي يبيع أراضٍ فلسطينية ليهود.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard