من قصص الأنبياء إلى تأسيس الدول: كيف دخلت تيمة الهجرة في تشكيل السرد الشعبي والملحمي؟

الخميس 1 مارس 201807:00 م
"لا كرامة لنبي في وطنه"، و"زمار الحي لا يُطرب". بتلك الجمل وبغيرها، خلدت الحكمة الشعبية مسألة الهجرة والتغرب والانتقال من مكان إلى آخر، كواحدة من أهم الملامح والسمات التي تميز سير وقصص الأبطال والقادة العظام الملحمية، تلك التي تم سردها من خلال الأساطير والتاريخ والفلكلور. دراسة الهجرة والغربة والتغرب لا بدّ منها في محاولة فهم ودراسة وتحليل الملاحم الإنسانية الكبرى، والتي تتصدرها بطبيعة الحال قصص الأنبياء والرسل والملوك. الهجرة التي نقصدها هنا، هي التي يترك فيها الفرد محيطه الاجتماعي، وينطلق في رحلة غير معلومة وغير محددة، حيث تتدافع به الأقدار يميناً ويساراً حتى يصل في النهاية إلى المكان الذي يشهد البداية الحقيقية لمجده. في هذا المقال، نتناول موضوع الهجرة والتغرب، كما صاغته القصيدة العربية، والأساطير والقص الديني، والتواريخ التي تحولت إلى ملاحم

الهجرة في الشعر العربي: تجربة شخصية، ونوع من أنواع "العبور"

في الثقاقة العربية الكلاسيكية، عبّر الشعر، وبالتحديد القصيدة الكلاسيكية، عن الهجرة كتجربة شخصية في ثلاثة أبعاد، ومن هنا لا بدّ من الوقوف عندها قبل الحديث عن الهجرة في تواريخ الشرق. في دراستها لبنية القصيدة الكلاسيكية في التاريخ العربي، قدمت الباحثة الدكتورة سوزان ستيتكيفيتش منهجاً يقارب القصيدة من خلال "طقوس العبور"، كما صاغها الأنثروبولوجي فن جنب. وتعرّف طقوس العبور على أنها "تلك الطقوس التي تعبر عن انتقال شخص أو مجموعة أشخاص من مكانة اجتماعية معينة إلى مكانة اجتماعية أخرى معينة أيضاً... كالولادة والزواج والموت... والعتميد والختان والعرس والجنازة". أشهر هذه الطقوس وأوسعها انتشاراً، كما تضيف ستيتكيفيتش، هي تلك التي تسمى بطقوس الانتماء، التي تتكون من ثلاث مراحل: أولها الفراق، أو انقطاع العابر من مكانته السابقة في المجتمع. وثانيها الهامشية، أو العتبية، أي طور انتقال يقضيه العابر على هامش المجتمع. وفي هذه المرحلة لا يملك العابر أية مكانة اجتماعية، بل يعيش خارج المجتمع.

الفراق والتهميش، الرحلة والتغرب، ثمّ العودة والاستقرار، مراحل تعكس رمزية الموت والبعث وطقوس التدنيس والتطهير

هذه المرحلة التي تتميز بكونها "ما بين بين"، تتسم بعدم الاستقرار والقلق والترحال، والتعرض للخطر والموت. والمرحلة الأخيرة هي العودة إلى المجتمع وإعادة الاندماج فيه، حيث يكتبسب العابر مكانة ثابتة. ولا تغفل ستيتكيفيتش تطابق هذه المراحل مع فكرة "الابتلاء" والامتحان، التي أيضاً تتماهى مع عملية الموت والبعث الرمزية، وطقوس التدنيس والتطهير. تتابع المقالة كيف تنعكس رمزية هذه الأفكار بصيغ مختلفة، في تواريخ الشرق، من العهود القديمة حتى العصور الوسطى.

في أساطير الشرق الأدنى القديم: التغرب والسلطة

نستطيع أن نؤكد على أن فكرة الهجرة والتغرب، كانت ذات حضور شبه دائم في أساطير بلاد الشرق الأدنى القديم. في مصر، تظهر فكرة التغرب بهدف الوصول للقدرة على المواجهة وإعادة رسم حدود السلطة، وذلك في أسطورة حورس التي تواتر ذكرها في العديد من المصادر التاريخية المصرية القديمة. بحسب تلك الأساطير فإن ست استطاع أن يخدع أخاه أوزيريس، وأن يقتله لينفرد بالعرش والسلطة، ولكن إيزيس زوجة أوزيريس، تتجه بعيداً إلى أحراش الدلتا في شمال مصر، وبالتحديد في مدينة بوتو، التي أضحت فيما بعد عاصمة الوجه البحري قُبيل عصر التوحيد. في تلك الأحراش الغريبة النائية، تتم ولادة حورس، وينشأ هناك وقد تعهدته أمه بالرعاية والحماية، حتى يبلغ أشده فيعود مرة أخرى إلى منف بعد أن ينتصر على عمه ست، ويتقاسم معه حكم البلاد. التغرب كسبيل لتغير سياقات توزع السلطة، يظهر أيضاً في الحضارة الفارسية القديمة، كما يبدو ذلك واضحاً في الأساطير المرتبطة بنشأة الملك الفارسي كوروش العظيم. رغم أن كوروش هو شخصية تاريخية حقيقية، كان لها نصيب وافر في صناعة الأحداث المرتبطة بتأسيس الإمبراطورية الفارسية الكبرى في القرن السادس قبل الميلاد، إلا أنه مثله مثل غيره من الأبطال، قد ارتبطت سيرته بعدد من الأساطير والمبالغات. من تلك الأساطير، التأكيد على أنه بعد ولادته، حملته إحدى النساء إلى الصحراء بعيداً عن أعين استياجس ملك ميديا، وفي تلك الصحراء بدأ كوروش يُعد العدة ويجهز حشوده من الفرس للثورة على الميديين. المثير أن أغلب الأساطير القديمة التي تناولت مسألة الهجرة أو التغرب، جعلتها نقطة أساسية في سيرة البطل نفسه، وخلقت من خلالها فرصة "العودة"، أي عودة البطل مرة أخرى لوطنه الرئيس، بحيث لا تكتمل القصة إلا بالعودة للمكان الأول الذي تركه البطل في البداية. هل من الممكن تفسير الأمر بالخصوصية الجغرافية للأماكن والمناطق التي ظهرت فيها تلك الأساطير؟ حيث كانت سمات التحضر والاستقرار والثبات والسكون ملامح مشتركة في كل من مصر وفارس، مما جعل السياق الروائي الملحمي يتجه دائماً في اتجاه عودة البطل لبلده وموطنه.
لا تكتمل قصص الأنبياء وهجراتهم إلا بالعودة للمكان الأول الذي تركوه في البداية
ما سرّ محورية تيمة الهجرة والتغرب في القصيدة العربية وفي الأساطير والقص الديني والتواريخ والملاحم؟
كيف اعتمدت أسفار العهد القديم فكرة الترحال الدائم والشتات المستمر في تدوين قصص أبطاله؟

أبطال العهد القديم: حركة لا تهدأ وتغرب وشتات دائمين

إذا ما انتقلنا لدراسة ظاهرة الهجرة والتغرب في العهد القديم، لوجدنا أنها ذات حضور طاغي في أغلب الأسفار، كما أنها كانت سمة أساسية في سيرة أغلب الأنبياء والبطاركة الأوائل. في سفر التكوين، يأتي الحديث عن هجرة النبي إبراهيم من بلاد الرفدين إلى حوران، ثم انتقاله إلى مصر، واستقراره في نهاية المطاف بفلسطين. وكذلك تطالعنا أخبار النبي يعقوب، الذي فر من غضب أخيه العيسو، وولى وجهه تجاه خاله لابان بن بتوئيل حيث عاش في كنفه سنين عديدة وتزوج من بناته هناك، قبل أن يعاود أدراجه فيما بعد. النبي يوسف أيضاً تغرب -رغماً عنه-في أرض مصر، قبل أن يستقدم أهله جميعاً إليها في واحدة من أهم الهجرات الجماعية في السردية الكتابية. أما في سفر الخروج -والذي يشي اسمه بالحدث الأبرز فيه-فإن بني إسرائيل يتجهون إلى فلسطين، ولكنهم يعصون أمر يهوه، فيُحكم عليهم بالتغرب في التيه لمدة أربعين سنة متواصلة. فكرة التغرب والهجرة في العهد القديم إذاً، ليست سمة فرعية أو عابرة، بل إنها -على العكس من ذلك-تيمة رئيسة في كل الأحداث، بحيث دخلت في خلق قصص وسير أغلب شخصيات العهد القديم. بالإضافة إلى ذلك، فإننا نلاحظ أن الهجرات التي وردت في العهد القديم، كثيراً ما تكون جماعية، وهو الأمر الذي يعكس الخصوصية البدوية لقبائل بني إسرائيل، ذلك أن تلك القبائل كانت تعتمد (الترحال) كأسلوب حياة، فهو ليس مجرد حالة طارئة شاذة كما هو الحال عند الشعوب المستقرة.

نلاحظ أن الهجرات التي وردت في العهد القديم، كثيراً ما تكون جماعية، فهل يعكس ذلك الخصوصية البدوية وشيوع الترحال؟

وربما كان من أهم الشواهد على ذلك، اسم العبرانيون الذي عُرف به الإسرائيليون، والذي يدل على الهجرات المتواصلة التي قامت بها تلك الجماعات في العصور الغابرة. أحد أهم الأدلة على محورية فكرة الهجرة في سردية العهد القديم، هو أن أسفاره تمتلئ بالمسميات الجغرافية التي قد تتضارب مع بعضها البعض في الكثير من الأحيان، وهو ما يعبر عن الطريقة التي دخلت بها فكرة الترحال الدائم والشتات المستمر في تدوين قصص أبطاله. كما يوضح أن القصة التوراتية لم تركز أبداً على البقعة الجغرافية بقدر ما ركزت على شخوص أبطالها وتأثيراتهم في جماعاتهم وقبائلهم.

رسل العهد الجديد: التغرب في سبيل التبشير

أما في العهد الجديد، فلا نستطيع أن نميز صفة الهجرة بالشكل نفسه الذي كان موجوداً في العهد القديم، ذلك أن المدنية والاستقرار اللذين اتصف بهما الشعب اليهودي في وقت كتابة الأناجيل وأعمال الرسل، قد تركا أثراً كبيراً في الابتعاد عن فكرة التغرب بمفهومها البدوي الرعوي القديم. ومع ذلك نستطيع أن نلحظ فكرة الاغتراب والهجرة بهدف نشر المسيحية والتبشير بها في أسفار أعمال الرسل، فبولس مثلاً يسافر إلى الغرب لتعريف الوثنيين بالطريق القويم، وبطرس يدشن الكرسي البابوي في روما، أما مرقص فيكرز بيسوع المسيح في الإسكندرية. السمة الغالبة في تلك الحالات، أنها كانت جميعها تعتمد على الشكل الفردي، وتبتعد عن الحالات الجماعية. كما أنها جميعاً لم تشهد عودة المهاجرين إلى وطنهم الأم في فلسطين، بل كانت نهايتهم -في الغالب-تقع بشكل مأساوي مؤسف، وهو ما يتوافق مع طبيعة الرسالة الروحية للمسيحية من جهة. ويتماشى مع تقديم المسيحية لنفسها على كونها دين تبشيري عالمي، غير منغلق على نفسه، ومفتوح على العالم كله من جهة أخرى.

في الإسلام: عندما كانت الهجرة وسيلة للوصول للسلطة وإقامة الدول

أما إذا تناولنا موضوع الهجرة والتغرب في السياق التاريخي الإسلامي، لوجدنا أنه يتمايز كثيراً في العديد من النقاط عما سبقه. في هذا السياق تحديداً، تظهر الهجرة كوسيلة مثالية للتخلص من الضغوطات الاجتماعية والسياسية التي تتم ممارستها ضد البطل من جهة، كما أنها تبدو كسبيل الوصول للسلطة والحكم من جهة أخرى. أشهر وأهم حوادث الهجرة التي وقعت في التاريخ الإسلامي، كانت تلك التي قام بها رسول الإسلام من مكة إلى المدينة، لينهي بذلك ثلاثة عشر عاماً كاملاً من الاستضعاف والقهر الاجتماعي الذي تعرض له المسلمون في مكة، وليدشن بمجرد وصوله لدار هجرته لمرحلة تاريخية مفصلية جديدة، شهدت ارتباطاً وتماهياً ما بين الدين والسياسة. الحقيقة أن تجربة الرسول الكريم لم تكن مثالاً غريباً عن السياق الإسلامي العام، فقد تكررت حادثة الوصول للسلطة عقب الهجرة في الكثير من الأحيان والمواقف، حتى أضحت بمثابة التيمة التي لا يمكن التغاضي عنها في تحليل وفهم أحداث تاريخ العصور الوسطى عند المسلمين. في 132هـ/ 750م، يفلت الأمير الأموي عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، من قبضة أعدائه من العباسيين الذين وصلوا للسلطة في المشرق الإسلامي، ويتغرب الأمير الصغير، وينتقل من مكان إلى آخر، حتى يصل في نهاية الآمر إلى الأندلس، فيحكمها ويؤسس دولة جديدة قوية بها.

ارتبط تأسيس الدولة الفاطمية ودولة الموحدين، بشكل وثيق بمسألة الهجرة والامتحان والتغرب

أما إدريس بن عبد الله العلوي، فقد فر من معركة تعرض فيها العلويون لهزيمة قاسية في موقعة فخ 169هـ/ 785م، ليولي وجهه غرباً ناحية بلاد المغرب، ويتحالف مع عدد من القبائل البربرية القوية فيها، مؤسساً لدولة الأدارسة. الدولة الفاطمية هي الأخرى، ارتبطت قصة تأسيسها بمسألة الهجرة والتغرب، ذلك أن مؤسسها وأول خلفائها عبيد الله المهدي قد مر بفترات طويلة من التغرب والتخفي في بلاد الشام هرباً من السلطات العباسية التي تلاحقه في كل مكان. ثم انتهز فرصة تمكن الداعية أبو عبد الله الشيعي من استقطاب قبيلة كتامة، فهاجر إلى بلاد المغرب وشيد دولته بها في 297هـ/ 910م. نستطيع أيضا أن نجد تيمة مختلفة بعض الشيء فيما يخص موضوع الهجرة، وهي تلك التي لا تربط ما بين التغرب من ناحية والفرار من الضغط والاضطهاد من ناحية أخرى، بقدر ما تربطه بالرحلة في سبيل طلب العلم، والذي يفضي في نهاية المطاف إلى الوصول إلى السلطة.

من أشهر النماذج المعبرة عن تلك التيمة، نموذجي الحسن بن الصباح ومحمد بن تومرت

ابن الصباح، الذي عاش في إيران في القرن الخامس الهجري، سافر إلى مصر للعمل في خدمة الفاطميين، وتلقى أصول المذهب الإسماعيلي على يد أهم وأشهر علمائه وقتها. ثم خرج من عاصمة الفاطميين ليطوف بالعديد من المدن الإسلامية، حتى وصل إلى مدينة كاشغر على حدود الصين، ثم استقر في نهاية تلك الغربة في قلعة ألموت الحصينة، حيث كون جماعة الحشاشين. أما بن تومرت، الذي عاش في بلاد المغرب الأقصى، في نهايات القرن الخامس وبدايات القرن السادس الهجريين، فيعد هو الأخر نموذجاً معبراً عن ارتباط الهجرة بالعلم ودورهما معاً في السعي للنفوذ السياسي. ابن تومرت الذي بدأ حياته العلمية كفقيه متواضع، سافر في رحلة طويلة إلى الأندلس وبلاد المشرق الإسلامي. وبعد ما يقرب 10 أعوام من التحصيل والدراسة، رجع الفقيه إلى وطنه وقد حمل معه من العلوم والمعارف ما أدهش قومه من أهل السوس الأقصى وأثار اعجابهم، فاقبلوا على الانضمام في دعوته بعد أنْ أعلن عن كونه المهدي المنتظر في 515هـ/ 1121م.

هجرة بني هلال: التغريبة الأشهر التي خلدتها السير الشعبية

لعل واحدة من أشهر الهجرات الجماعية التي تمت في التاريخ الإسلامي، كانت هي تغريبة قبائل بني هلال النجدية، عندما انتقلت من شبه الجزيرة العربية إلى صعيد مصر، ثم انتقلت بعدها لتونس لتغزو أراضيها وتستقر بها في القرن الخامس الهجري.

من أحداث تاريخية، وظروف مادية ومذهبية متشابكة، تحولت هجرة بني هلال إلى سيرة شعبية ملحمية

تلك الهجرة العظيمة التي عُرفت باسم التغريبة الهلالية، وقعت في الحقيقة بسبب ظروف سياسية ومادية واضحة، حيث استخدم الفاطميون، قبائل بني هلال في تقويض سلطة المعز بن باديس، الذي انشق عن السلطة الفاطمية وأعلن عن تبعيته للخليفة العباسي في بغداد. ومع أن رحلة بني هلال قد احتشدت بها العديد من المواقف والأحداث التاريخية، إلا أن الثقافة العربية الفلكلورية قد اختارت أن تستبدل خطوطها العريضة، بخطوط ملحمية متخيلة. حيث تم اختلاق سيرة أسطورية لبعض الأبطال من أمثال أبي زيد الهلالي والزناتي خليفة وذياب بن غانم وغيرهم، في شكل واضح من الأشكال التي توضح كيف دخلت تيمة الهجرة والتغريب في تشكيل القصص الشعبي والملحمي في الثقافة الإسلامية.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard