لو كان بكسينسكي شاباً عربياً... حوار مع الرسام التونسي حسام الدين سعاف

السبت 24 فبراير 201811:05 ص
فنّ الرسم وسيلة تمكّن الفنان من التعبير عما يختلج في صدره من مشاعر وما يدور في ذهنه من أفكار. ويبدو أنّ هذا التعريف غير كاف لوصف الرسام التونسي حسام الدين سعاف الذي تعتبر لوحاته انعكاساً لفلسفته في الحياة ونظرة خاصّة للوجود تمتزج فيها روح الرسام وصرامة الأكاديمي. في حوار مع رصيف22، يكشف سُعاف تفاصيل أعماله وموقفه من مسألة تموضع الرسام ودوره داخل المجتمع. حدّثنا عن البداية، كيف دخلت عالم الرسم؟ علاقتي مع القلم بدأت مبكرة. منذ طفولتي كنت قد وقعت في إغراء الأشكال والخطوط المحيطة بي. وأعجبت جداً بقدرة القلم على إعادة صياغتها وربطها معاً. لا أدري طبيعة هذا النزوع حقاً ولكنني أدرك أنه تمكنّ منّي ودفعني شيئاً فشيئاً إلى الالتصاق بهذه الأجوبة الصغيرة وجعلها إصبعي الحادية عشرة. لقد أبهرتني قدرة رصاصه على تقديم نقطة كثافة استطعت من خلالها تكوين محيطي من جديد. وهو أمر احتجته كثيراً في تلك الفترة. لم أكن أعي هذا كله طبعاً، حينها، ورغم ذلك أعلم الآن أن الابهار الذي أثاره في نفسي هذا القلم قادني إلى فقدان الاهتمام بالكثير من الأشياء التي يُفترض على أي تلميذ في الأساسي تعلمها: الخط مثلاً. خلال هذه الفترة، لم أجد أي رغبة في التعامل مع الرسم بطريقة جدية. كنت أملك قلماً واحداً من تلك الأقلام التي يبيعونها للأطفال، وكنت لا أرهقه كثيراً. هكذا حتى بلغت العشرين من عمري، وعصفت الحياة ريحها بشراسة، فألقت بي وسط ورقة بيضاء تريد أن تُملأ بكل إصرار. لم أكن قادراً على الكلام، فقررت الرسم. هكذا، اشتريت مجموعة أقلام وبدأت تعلم الرسم، فعلياً. أنت باحث في الأنثروبولوجيا، هل يؤثّر ذلك على أعمالك؟ لاحظت بالفعل أن أثر دراسة الأنثروبولوجيا بدأ بالظهور سريعاً في ما أرسم، إذ إن مجموعة من المخلفات الأثرية والرموز التي استعملها البشر في التعبير عن إشكالياتهم الوجودية الأولى مثل الولادة والموت، أثارت في نفسي نوعاً من الذهول، فاستبطنتها وتسللت إلى مخيلتي وحازت لنفسها مكاناً على الورقة البيضاء. أنا معجب بالرموز التي صاغها البشر قبل بداية التاريخ، قلْ من بداية الباليوليتي الأعلى إلى نهاية النيوليتي. إذ يبدو لي أن ما أنتجه الذهني البشري خلال هذه الفترة هو الأكثر أصالة في التعبير عن قلقه وذهوله أمام العالم. أذكر مثلاً «فينوس الباليوليتية» الأنثى التي تلد بدون تخصيب. على كل حال، يتشكل مخيال الأشخاص ضرورة من خلال الحقل الرمزي الذي يتحركون فيه، ومن المؤكد أن الأنثروبولوجيا ستجد موطئ قدم في ما أرسم، بإذني أو بدونه. العديد من الرسامين يقرّون أنّ قراءاتهم لا تؤثّر على أعمالهم في حين يؤكّد آخرون العكس. ما رأيك؟ لا أظن أن الرسام يستطيع تجنب أثر قراءاته والتركيب الذي ينضاف إلى فكره ووجدانه بعد كل كتاب جديد، حتى إذا أعلن عكس ذلك. إذا كان محترفاً ويرسم مقابل المال، فهذا حديث آخر. أما إذا كان يريد حقاً قول شيء ما، فإن مطالعاته ستقوده دائماً إلى إشكالات جديدة، تبحث لها عن انفلاتات وتعبيرات ما في فضاء الورقة. في ما يخصني، أتذكر جيداً أن قراءة دستوفسكي وهيدغار كانت ذات أثر بالغ في نفسي، و قد ساهمت في إظهار ما حولي بطريقة مختلفة ومستجدة، فصار يبدو لي العالم كعلاقات أكثر منه كأشياء منفصلة ومنقطعة. هذا ما مكنني من إدراك ديناميكية جديدة في شبكات المواضيع المنتشرة حولي ورسمها بطريقة مختلفة. كما قلت، كل شخص يعي نفسه وما حوله انطلاقاً من شبكة معانٍ ورموز يتنقل بينها، كلما أضاف إليها ثراءً جديداً فذلك سيدفعه نحو المزيد من الأشكلة والبحث عن الإجابات. حتى ولو لم تعلن هذه الاشكالات نفسها لصاحبها، فإنها ستحفر لنفسها داخل عواطفه وستتسلل إلى اللوحة في كل الأحوال.

لماذا كلّ هذا التركيز على اللّون الأسود في لوحاتك؟ هذا سؤال صعب يا صديقي (يضحك). أنت تدفعني إلى تأويل نفسي وذلك أمر حساس جداً. سأحاول الإجابة متسللاً بين مخاطر تأويل صاحب العمل عن طريق الإشارة إلى هاجسين. أولاً، في ما يخص أغلب المُشاهدين، الذين ينزعون إلى البحث عن أي لمحة تقودهم إلى كشف قصد صاحب العمل واختزال ما انجزه إلى ما يقوله ويفصح عنه مباشرة. وهذا، كما يقول «غادامير»، ينافي قوانين اللعبة الفنية، باعتبارها لعبة يقدم «الفنان» نصفها بعمله، بينما يضيف المتلقي النصف الآخر عن طريق تأويله، فيكون في النهاية المعنى الأخير هو محصلة تعاون الطرفين. أنا لا أحب كثيراً التصور الرومنسي للفنان، باعتباره خالقاً لعوالم ذاتية غامضة لا يستطيع سبر أغوارها إلا هو. أما في ما يخص الهاجس الثاني فذلك يعنيني أنا، إذ انني أكره أن يُختزل ما أرسمه إلى مجرد تمظهر سيكولوجي يقع تحليله نفسياً في محاولة فهمي وتمثل شخصيتي. فيُهمش بذلك العمل الذي أقدمه ذلك. الأسود بالنسبة لي هو الغياب، هو مضاد للحضور والحركة. ولكنه في نفس الوقت كثافة من الإمكانات، يفتقدها الأبيض باعتباره تَعّيناً وظهوراً. الأسود، كما أفهمه، يمثل الما قبل وكل سابق للحضور، وهو إمكانية لظهور شيء ما، غير متوقع. وهذا ما يجعله موضع رهبة. لهذا اظن أنه قادر دائماً على اختراق ما أرسمه، فهنالك دائماً ما يُمكن أن يقال، وهذا الممكن أمر لا يستطيع استيعابه إلا الأسود. المتمعّن في العديد من رسوماتك يلاحظ حضوراً لتقنية استغلال الفراغات والمراوحة بين المساحات البيضاء والتدرج في اللون الواحد وهو الأسود. هذا ما يعكس سوداويّة لا يمكن أن تخطئها عين المتلقي. هل هذا متعمّد؟ كيف تفسّر ذلك؟ لا يتعلق الأمر فقط بالجمالية، فالمسألة واضحة، العالم صراع ثنائيات، يتخللها بعض التدرجات. إن الأبيض والأسود قادران على تجريد التفاصيل اللونية للعالم، ووضع جوهر الموضوع أمامنا. الأبيض والأسود لا يعتبران ألواناً بل درجات ضوئية، يمكن منطقهما على جميع الألوان، وهذا ما يجعلهما قادرين على استيعاب التفاصيل دون الوقوع في المنطق الاختزالي الذي يُنسينا الصورة الكبرى. لهذا فإن الانتقال بين الأبيض والأسود والإصرار على إظهار السوداوية أمر مقصود. وهو جزء من المواضيع التي أرسمها. هذا الانهمام بالفرد في محيطه وتصوير قلقه الوجودي تبدو ثيمة حاضرة بقوّة في جلّ اللوحات. هل هو تعبير عن وجهة نظر وموقف من الوجود أم مجرّد أفكار وافدة تجسّدها وتمرّ الى غيرها؟ لا يمكن لطالب أنثروبولوجيا أن يقبل هذا التصور عن الفرد باعتباره وحدة مستقلة عن المجموعة. وكأن ذاتيته تولّد له معاني داخلية، مشفرة، لا يمكن الولوج إليها. يقع استبطان هذه الأنساق الرمزية وترتيبها ذهنياً عن طريق السرديات التي تنظمها، فتنتج بالتالي الوعي بالذات وبالعالم. بالتالي، عند الحديث عن القلق الوجودي فالأمر يتحدد بتوفر ما قبليات نفسية وفكرية يجب على الفرد اكتسابها ليستطيع تمثل المشكل المطروح. لهذا فإن تناولي للقلق الوجودي يتعلق بالإنسان، باعتباره ممكناً، لا بالفرد باعتباره متعيناً. بالطبع هنا، وكمحاولة للإجابة الآن، فإن ما أرسمه هو موقف من العالم. لا أظن أنها مجرد نزوة عابرة وإعجاب مؤقت بهذه المواضيع. هنالك عدد من التناقضات التراجيدية القارة والثابتة في وجودنا البشري، لا أظن أن أي تغير اجتماعي سياسي أو اقتصادي قادر على تجاوزها. حتى الإيمان الديني يرفعها فقط ويحاول تأجيل البحث فيها إلى ما بعد. أنا احاول أن أتقبل هذه الإشكالات وأن أشكّلها في رسمة. وأعلم أنها لن تفهم إلا من خلال عين جربت وأدركت ما هي فيه. "فنّ الرسم كالبراز، لا يُحَسُّ ولا يُشَمُّ ولا يمكن أن نغامر بتفسيره". ما هو تعليقك على مقولة الفنان الفرنسي هنري دو تولوز-لوتراك، خاصّة أنّك لا تُعنون لوحاتك وتكتفي باقتراح عناوين مقطوعات موسيقيّة؟ هنا يظهر الإشكال في استعمال مصطلح تفسير مع الرسم. فلو فهمت أن الكاتب يريد التفسير بالمعنى الذي ذكرته فهذا أمر لا أهتم به ولا أود السماع عنه. هل يريد حق التعامل مع الرسم باعتباره خصائص كمية وسببية؟ سيكون ذلك ضرباً من الاختزالية التي لا يجيدها سوى أصحاب القفازات البيضاء. ولكن إذا قصد بذلك التأويل، فهذا أمر مبرر وأجد نوعاً من المتعة في المشاركة في حوار كهذا. بالمناسبة لعدم تسمية اللوحات فذلك لترك أكبر مساحة ممكنة للمشاهد في روية ما يريده. والموسيقى، على ما أظن، قادرة على تحفيز ذلك. مقولة هنري تقودنا للحديث عن مسألة الإلهام التي لطالما كانت محلّ نقاش بين الرسامين. ما رأيك في المسألة؟ إنّ أغلب الرسامين، والفنانين عموماً، لا يجيدون الحديث عن هذا الموضوع إلا داخل باراديغمهم الرومنسي الذي يدفعهم إلى تخيل أنهم يُخاطبون من وراء ستائر السماء. فهي تتشكل رغماً عنهم في ذهنهم وتفرض نفسها. إذا كان الرسام يتحرّك داخل نسق رمزي كثيف، فإن مخيلته ستكون أثرى وأكثر كثافة وسيركب صوراً ومعاني أكثر تعقيداً. هذا تصوري عن الإلهام، في الحقيقي هو درجة من درجات الذُهان ولا أدري كيف يستطيع الآخرون تقديم شيء ما وهم في أفضل الأحوال. من هم الرسامون الذين تعتبرهم مثلاً أعلى؟ سيكون الأمر مفاجئاً ولكنني لا أعرف الكثيرين من الرسامين، أو لعلي أميل إلى نسيانهم سريعاً. لا أدري لماذا. رغم ذلك فهنالك رسام لا يمكن أن أنساه. وقد مثل اكتشافه صدمة بالنسبة لي وهو «بكسينسكي Zdzisław Beksiński». أظن أنه يمثل مثلاً أعلى من ناحية أنه استطاع، كما أظن، التعبير على تراجيدية أصلانية. ما رأيك في الرأي القائل إنّ الالغاز وتجسيد المفاهيم والانشغالات الفلسفيّة في لوحات لا تسهّل الأمور على المتلقي، وهو ما يؤدّي إلى نفور العامة واعتبار الرسم فنّا نخبوياً؟ بالفعل، هذه الأمور تصنع النفور في نفس من لا يملك شروط إمكان الفهم. المسألة كما قلت سابقاً تتعلق بالاستعدادات الماقبلية  أي التي تسبق عملية الاحتكاك مع هذه النمط من المعنى-، ولا يتعلق بقدرة جوهرية تمنع العامة باعتبارها كذلك عن الفهم. الرسام، أو أي عامل في الفن والمعرفة، ليس مطالباً بمخاطبة الجميع وإلا فستتحول المسألة إلى الواقعية الاشتراكية ويقع إخصاء أي عملية إبداعية بدعوى عدم قدرة العامة على الفهم. الفن عموماً يتطلب تعقيداً ما لإدراكه وهو عملية حفر متواصلة في الألم البشري لتحويله إلى معنى مشترك. إذا لم يفهم هذا فلا فائدة من الحديث عن الأمر أصلاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard