تحوّل فكري أم براغماتية؟ لماذا رشّحت حركة النهضة التونسية يهودياً للانتخابات؟

الخميس 22 فبراير 201804:11 م
أثار قرار حركة النهضة القاضي بترشيح مواطن يهودي على رأس قائمة انتخابية في الاستحقاق البلدي القادم، جدلاً واسعاً في تونس. ولم يكن تلقي المهتمين بالشأن العام في البلاد للقرار أقل إثارة من القرار نفسه، فقد اختلفت التعليقات بين ترحيب كبير ورفض وحذر. الناطق الرسمي باسم حركة النهضة عماد الخميري قال إن الحركة قررت ترشيح التونسي اليهودي سيمون سلامة، ضمن قائمتها للانتخابات البلدية في المنستير (شمال شرق) وإنها بصدد استكمال جميع الإجراءات القانونية المطلوبة لذلك، مشيراً إلى أن النهضة "منفتحة على المستقلّين" وأن "مشاركة مواطن يهودي مستقل سيمنح إضافة مهمّة للحركة". [caption id="attachment_137877" align="alignnone" width="700"] المرشح التونسي اليهودي سيمون سلامة[/caption] أما أنصار الحركة الإسلامية، فقد اعتبروا الخطوة دليلاً إضافياً تقدّمه حركتهم على النهج الجديد الذي سارت فيه منذ مؤتمرها الأخير في مايو 2016، والذي أعلنت خلاله الفصل بين "الدعوي والسياسي". في المقابل، اعتبر القيادي السابق في حركة النهضة، الشيخ خميس الماجري، ذو التوجهات السلفية، أن القرار من "باب تولية يهودي على المسلمين وهو أمر مخالف للشريعة الإسلامية خاصة، وتزداد الاسترابة في أمر هذا الحزب أنه يمتنع عن تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني ثم يرشّح يهودياً لتولية أمر المسلمين".
/?hc_ref=ARQX9DVSaL9_Hi-zbu3wYVlwpOshlDOOrkItF9aHlA_wq5TCIFAgap8DY3f3EHsWh-8&pnref=story أما الناشط اليهودي، جاكوب بيريز، فقد اعتبر القرار شجاعاً. وقال: "الذين مارسوا كل أنواع الترهيب ضد اليهود هم الحداثيون واليساريون والبورقيبيون والقوميون والعلمانيون، أما النهضة فقد ردّت لنا الاعتبار وهم ناس شجعان".
?pnref=story

ردود فعل علمانية حذرة

في المقلب الآخر، أتت ردود أفعال النخب العلمانية حذرةً من الخطوة. واعتبر الكاتب والباحث التونسي أنس الشابي أن الحديث حول "قرار غير مسبوق لتمكين المواطنين اليهود من مواقع في الحكم" غير صحيح من الناحية التاريخية. وأشار لرصيف22 إلى أن "هذا القول مغالط ويصدر عن جهل بطبيعة الحكم والتعيينات فيه، ففي العهدين السابقين لم يكن هنالك إقصاء عن التعيين بسبب الدين أو الجنس أو اللون ولكن النظام كان ملتزماً بجملة من الضوابط أهمها أن يكون المرشّح للتعيين منضبطاً لخيارات القيادة السياسية، وهي قيادة فردية". وتابع: "لم يكن لليهود مشاركة سياسية لافتة للنظر داخل المنظومة الحاكمة وحضورهم في الفضاء السياسي كان محدوداً، وإن كنا نقدر تقديراً عالياً دورهم في فترة الكفاح من أجل الاستقلال، وفي ما بعد في معارضة حكم الزعيم (الحبيب) بورقيبة لأنهم عوملوا تماماً كما عومل رفاقهم من المسلمين، وهو ما أضعف من إمكانية تعيينهم في المناصب القيادية العليا". ويشير الشابي هنا ضمنياً إلى عدد من الذين ناضلوا في صفوف تنظيمات وأحزاب يسارية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ضد نظام الحزب الواحد، ومن أشهرهم، القيادي في الحزب الشيوعي والنقابي جورج عدة والمعتقل السابق، الكاتب اليساري جلبير نقاش، الذي كان عضواً في تنظيم آفاق اليساري. ويرى الشابي أن ترشيح النهضة ليهودي على رأس قائمة بلدية في ولاية المنستير، والتي تعتبر معقل البورقيبية، وليس فيها حضور كبير للجهور الانتخابي للحركة الإسلامية، "فيه نوع من المخاتلة، لأنها تعلم علم اليقين أنها ساقطة في المنستير"، ووضع القرار في إطار تكتيك تتبعه "حتى تخفي هزيمتها وتوجد مشجباً تتذرع به غداً عند سقوط القائمة أمام جماعتها وحلفائها".
لم يكن تلقي المهتمين بالشأن العام في البلاد لقرار حركة النهضة التونسية القاضي بترشيح مواطن يهودي للانتخابات المقبلة أقل إثارة من القرار نفسه، فقد اختلفت التعليقات بين ترحيب كبير ورفض وحذر
"منفتحة على المستقلّين" أو "نوع من المراوغة"؟ لماذا رشّحت حركة النهضة التونسية اليهودي سيمون سلامة على إحدى قوائمها الانتخابية؟
أما الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، هادي يحمد، فكان أكثر تفاؤلاً، إذ اعتبر القرار من حيث المبدأ إيجابياً ومشجعاً، دون الحاجة إلى الدخول في نوايا الحركة الإسلامية الخفية من خلفه. وقال يحمد لرصيف22: "بلا شك يُعَدّ إدماج حركة النهضة لتونسي من ذوي الديانة اليهودية في أحد قوائمها الانتخابية البلدية مؤشراً إيجابياً. لكنها في الحقيقية لم تأتِ بسابقة، لأن تاريخ الدولة الوطنية منذ الاستقلال حافل بتمثيل اليهود التوانسة في الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية". وأضاف: "يكفي أن نذكر أن مؤسس دولة الاستقلال الحبيب بورقيبة، عيّن وزيرين يهوديين هما ألبير بسيس، وزيراً للإسكان، وأندري باروخ وزيراً ونائباً لغرفة التجارة. وكان يهود تونس عنصراً أساسياً في بناء الدولة الوطنية رغم المعاداة التاريخية للسامية وتلك قصة أخرى. وطوال عقود ساهم يهود كُثر في ازدهار الحياة الثقافية والفنية وساهموا في إرساء قيم المواطنة والمساواة".

حركة النهضة والأقليات الدينية

كانت علاقة حركة النهضة بالأقليات الدينية في تونس، منذ نشأتها في سبعينيات القرن الماضي باسم الجماعة الإسلامية، علاقة تقليدية بين حركة إسلامية تعمل من أجل إقامة دولة إسلامية وأقلية غير مسلمة، إذ كان يحكمها العقل الفقهي الذي يقسم الأفراد دينياً إلى مواطنين مسلمين من درجة أولى وآخرين من درجة ثانية يُسمّون أهل الذمة، ويدفعون ضريبة تُسمّى الجزية مقابل تمتعهم بالأمان وحماية الحاكم. وهذا التقسيم هو الذي سار عليه مؤسس الحركة راشد الغنوشي في كتابه "حقوق غير المسلم في المجتمع الإسلامي". وإن لم يرفض فيه بإطلاق فكرة تولّي "ذميين" وظائف في الدولة، إلا أنه كان معارضاً لتولي غير المسلم للإمامة والمناصب العسكرية، على حد قوله. وبعد أن عادت الحركة إلى النشاط داخل البلاد، في أعقاب سقوط زين العابدين بن علي عام 2011، عارضت الحركة من داخل المجلس التأسيسي، الذي كانت تحوز فيه أغلبية ساحقة، فكرة فتح المجال أمام غير المسلمين للترشح لمنصب رئاسة الدولة، ليبقى حكراً على المسلمين فقط، كما يشير إلى ذلك الفصل 74 من الدستور التونسي: "الترشح لمنصب رئيس الجمهورية حق لكل ناخبة أو ناخب تونسي الجنسية منذ الولادة، دينه الإسلام". وقد شاعت أخبار عام 2012 عن رفض مجلس شورى الحركة تعيين ريني الطرابلسي، وهو رجل أعمال يهودي ونجل رئيس الطائفة اليهودية في جزيرة جربة، في منصب وزير السياحة، بعد أن تم ترشيحه من أحد حلفائها في الائتلاف الثلاثي الحاكم حينذاك. وتم إسقاط اسم الطرابلسي لتولي نفس المنصب، عام 2014، في التشكيلة الحكومية التي انبثقت عن الحوار الوطني. لكن بعد عام 2016، أصبحت الحركة أكثر مرونة في التعاطي مع المخالفين لها دينياً وفكرياً، وأكثر نفعية وذرائعية في التعامل مع الواقع، حتى أنها ضمت شيوعياً سابقاً إلى مكتبها السياسي والكثير من النساء غير المحجبات إلى عضويتها. لكن البعض لا يعتبر ذلك تحولاً فكرياً في منهج الحركة، بقدر ما هو براغماتية وتسويقاً لصورتها كحركة منفتحة في الداخل وخاصة في الخارج.

يهود تونس والعلاقة مع السلطة

لعب اليهود في تاريخ تونس الحديث دوراً هاماً، قياساً بعددهم مقارنة بالمسلمين. ويعود ذلك إلى امتلاكهم المال. فقد مكنتهم الرساميل التي اكتسبوها من التجارة من انتزاع مكانة في المجتمع وقرّبتهم من دوائر السلطة، لكن هذا القرب لم يمكّنهم من أن يكونوا داخل دائرة صنع القرار، إلا في مرات قليلة. ويرى المؤرخ، رضا بن رجب في كتابه "يهود البلاط ويهود المال في تونس" أن صعود عائلات ونخب يهودية، اقترن بوصول حمودة باشا إلى حكم البلاد (1782 -1814). فقد انتهج سياسة لإزاحة النفوذ التركي من مراكز السلطة والثروة، وفي هذا المناخ نجح اليهود في تولّي مواقع هامة في المجتمع اقتصادياً وإدارياً. ونشأت في ذلك الوقت ظاهرة عائلات يهودية ذات حظوة لدى السلطة، بينها عائلة عتال، وأشهرها عائلة شمامة التي ينحدر منها نسيم شمامة، قائد الطائفة اليهودية، والذي شغل منصب قابض عام الدولة التونسية عام 1852، وهو منصب وزاري. لكن مساره الوظيفي انتهى بفراره عام 1864 إلى فرنسا بعد اختلاسه ملاين الفرنكات من أموال الدولة. ويشير بن رجب إلى أن "قانون عهد الأمان" الذي سنه أحمد باشا، أمير تونس في العام 1857، والذي أقرّ إلغاء وضع الذمة قانونياً، أدى إلى تطور مسار النخب اليهودية في تونس بالانخراط أكثر في شبكة العلاقات التجارية والسياسية. وبعد استقلال البلاد، حاول بورقيبة منذ البداية تعيين مواطنين يهود في مواقع حكومية. لكن ومع منتصف الستينيات بدأ النظام يأخذ شكلاً أحادياً وطبيعة سلطوية، حُرم خلالها أغلب التونسيين، مسلمين ويهود، من تقلد المناصب، باستثناء أعضاء الحزب الدستوري الحاكم. فلم يكن إقصاء اليهود عن المناصب نابعاً عن تمييز ديني، بقدر ما كان سياسة منتهجة ضد جميع المعارضين. كما عمّق الصراع العربي الإسرائيلي حساسية السلطة تجاه تعيين المواطنين اليهود في مواقع داخل الدولة، خوفاً من ردة الفعل الشعبية، خاصة بعد حرب حزيران 1967 والغضب الشعبي الذي طال بعض المواطنين اليهود ومعابدهم. وحاول بورقيبة في أعقاب ذلك إصلاح الوضع بخطاب قال فيه: "إنّ عداءنا لإسرائيل ليس مصدره أيّ نوع من أنواع التعصب الديني أو العرقي ولطالما رفضنا الخلط بين مشكلة إسرائيل ووضع اليهود المقيمين في تونس ويبقى إظهار القضية الفلسطينية على أنها قضية عرقية أو دينية، ليس فقط أمراً ظالماً، لكنّه خطأ تكتيكي أيضاً".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard