الأحد. الإثنين. الثلاثاء. الأربعاء: هنا دمشق، هنا الحرب

السبت 24 فبراير 201810:46 ص
تبدأ مساء السبت أخبار التعزيزات العسكرية على تخوم الغوطة الشرقية، تتوارد. عشرات الأصدقاء يتبادلون صور أرتال وجنود وحشود غير مسبوقة عبر فايسبوك أو واتساب، ويحذرون من أيام صعبة آتية في دمشق. "ديروا بالكم. خففوا حركة. لا تطلعوا. خلوكم بأماكن مغلقة". أفكر دائماً في هذه العبارة التي أحبها كثيراً وتضحكني بالدرجة نفسها. "ديروا بالكم"، أي انتبهوا لأنفسكم بالعامية الدمشقية. "ديروا" أيضاً تصلح كتصريف لفعل "أدار" وهنا، غالباً ما نسأل على سبيل النكتة: "لوين (إلى أين) ندير بالنا؟". أشعر ببعض التوتر وأقرر نسيان تلك الأخبار. فما هي إلا شائعات. لا بد أن تحل الأمور سلمياً. من لا يزال قادراً على تحمل هذه الدماء كلها وجميع هذا الضجيج الصادر عن الأسلحة؟ أنا شخصياً تعبت. تعبت وأدمنت مسكنات آلام الرأس والكافيين الذي أحاول أخيراً استبداله بالبابونج، كمحاولة فاشلة للاسترخاء. يمر الأحد من دون أخبار تذكر. التوتر سيد الموقف. أرى في عيون المارة في شوارع دمشق، قلقاً وحيرة وترقباً. لا أحد يرغب في فصل جديد من الحرب من دون شك. آباء وأمهات خائفون على أولادهم من موت عشوائي لا يميز بين سوري وآخر. البعض يفكر في أقرباء أو أصدقاء ما زالوا يعيشون في الغوطة. عائلات تشبههم أجبرتها الحرب بشكل أو بآخر على الوجود في مكان قد لا ترغب فيه بالضرورة. أعتقد أن ذلك المساء شهد آلاف الدعوات المرفوعة إلى السماء، بطرائق مختلفة، وهي تتمنى ابتعاد شبح الموت والدمار المقبلين. أزور صديقتي صباح الإثنين. تحدثني عن مخاوفها من المنطقة التي نقطنها والقريبة من خطوط الجبهة. تفكر في الانتقال إلى منزل في الطرف الآخر من المدينة، وأخبرها بأن تتريث قليلاً لعل المفاوضات تنتهي بسلام. لكن الساعات التالية تعلن بدء المعركة. تشتعل السماء فوقنا، ويبدأ الناس يركضون إلى منازلهم، ولا شيء يوحدهم سوى الخوف. الكل يبحث عن ملاذ آمن له ولأولاده من حرب عبثية لم يعد معظمنا طرفاً فيها. ليل الإثنين يبدو كالجحيم. لا أعلم عن الآخرين، لكنني لم أعرف طعم النوم. كم هو مخيف صوت القصف في الليل! لا أعلم لماذا أخاله مرعباً أكثر منه في النهار. لعله في النهار يكون مصحوباً بضجيج الحياة، لكنه في الليل صافٍ، لا يعكره شيء. جاف. حاد. يخترق وحشة قلبي وأنا متلحفة، وأتمتم عبارات لا أدري ما إذا كانت صلوات أو أدعية، وأنا التي نسيت منذ زمن صلوات الطفولة كلها. يبدأ الثلاثاء كما انتهى سابقه. لا أدري ما إذا كان القصف توقف للحظة أم لا. أقرر الخروج لإتمام بعض الأعمال. تمنعني القذائف المتساقطة حول منزلنا، وأمضي الوقت في تصفح فايسبوك. أمنيات بانتهاء الحرب. دعوات إلى إبادة الطرف الآخر ومسحه من الوجود. صور لشهداء من طرفي الحرب. مناشدات لإغلاق المدارس ريثما تنتهي العمليات العسكرية. أنتبه إلى أنني أحدّث الصفحة كل عشر ثوانٍ، علّي أن أعثر على خبر جديد مختلف. لا شيء سوى الموت. أقرر الخروج. كالعادة، لا يخرج في أوقات الحرب سوى الفقراء، بعض المجانين مثلي، بائع جرات الغاز، نساء عند مشفى التوليد الحكومي المجاني، بائعي الخضار المنتشرين على البسطات، سائقي سيارات الأجرة والحافلات الصغيرة ومرضى باحثين عن علاج. وكالعادة، لا تقتل قذائف الهاون سوى الفقراء، ممن لا يملكون ترف العطلة أو التحصن في منزل منيع بعيد. أعود إلى منزلي القريب من خط الجبهة. تتلقى أمي عشرات المكالمات عبر الإنترنت من أقرباء وأصدقاء يعيشون خارج البلاد. تبدأ حديثها بـ "الحمدلله لساتنا عايشين". لا تمل من سرد حصيلة قذائف الهاون التي تساقطت اليوم مع ذكر أماكن سقوطها. تتحدث عن توقعات وتحليلات سمعتها من نشرات الأخبار، وتغلق وهي تقول: "آمين. آمين". لا ترغب أمي في الموت. ما زالت تريد أن ترى أحفادها وهم يكبرون أمام عينيها، وما زالت تحلم بلقاء حفيدها المسافر، والذي لم تره منذ أكثر من عام ونصف. أحلام تشبه أحلام كل أم سورية، في دمشق والغوطة وكل مكان. لعلّ المعاناة غير متساوية بين طرفي المدينة، لكن التألم والحديث عن الألم حق للجميع. هل هناك مقياس لدرجات المأساة؟ وهل يمكن تقييم معاناة الآخرين، ومنعهم من التعبير عنها إن كانت أقل مما نعانيه؟  أفخاخ يسهل السقوط فيها. "أنت عايش برا ما فيك تحكي". "بالشام وعم تحكي عن الموت؟ كلهم كم قذيفة هاون". "روحوا بالأول شوفوا شو عم يصير بالشمال". أحكام لا تزيد سوى من وطأة الموت اليومي. هذا المساء، أجلس إلى طاولتي. تتراكم أمامي عشرات المهمات التي يتعين عليّ إنجازها خلال الأيام المقبلة. أقلّب دفتري. أشعر بأن كل عمل ممكن سيكون خالياً من أي معنى. تتداخل الكلمات. كتابة مادة عن حفظ التراث السوري، وأخرى عن مركز يعتني باللاجئين السوريين في واحدة من بلدان الجوار. ترجمة بعض الصفحات. إكمال تقرير قديم ما زال يعاني من بعض الثغرات. التقديم للحصول على منحة زمالة في لندن. تقفز أمامي أوراق أسجل عليها بعض الكلمات الإنكليزية التي أصمم كل يوم على حفظها، كي لا تنتهي الحرب ويعود المغتربون ذوو الشهادات "الأجنبية"، لأشعر بأنني أدنى مستوى منهم. أكتشف أن الكلمات الثلاث هي ذاتها منذ أسبوع. لم أحفظها. ولم أضف أي كلمة جديدة إلى القائمة. يخترق الطيران الحربي الصمت وتعقبه أصوات عدة متفاوتة الشدة. أقرر أن أنهي يومي، وأنتظر آخر قد يكون أفضل. وأهمس لنفسي: "برداً وسلاماً".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard