مصر الفارسية... حقبات مجهولة في تاريخ وادي النيل

السبت 24 فبراير 201803:20 م

سيطرت مصر القديمة ما بين القرنين الـ16 والـ11 قبل الميلاد على المنطقة الممتدّة من أعالي نهري دجلة والفرات، وسط الأناضول، إلى الشلال الخامس وسط إفريقيا، كما يشير الأثري المصري سليم حسن في الجزء الـ13 من كتابه موسوعة مصر القديمة. ولكن مع ظهور أمم فتية لديها طموحات سياسية، بالتزامن مع بدء التوترات السياسية داخل الإمبراطورية المصرية، شهدت مصر بداية من عصر الأسرة الـ22 اضمحلالاً عاماً لم ينتهِ إلا بوصول الفاتح اليوناني الإسكندر الأكبر إلى سواحلها. وبحلول عام 550 ق.م.، أسس الملك قورش الكبير الإمبراطورية الأخمينية، بعد إخضاعه ما يُعرف اليوم بإيران والعراق وآسيا الوسطى وأجزاء من الشام إلى حكمه، ثم احتل ابنه قمبيز مصر.

الغزو الأول... قمبيز يدخل منف

لعل المؤرخ اليوناني هيرودوت أول مَن كتب تاريخ هذه المرحلة، ثم قام سليم حسن في كتابه بجمع مصادر أخرى لتتبع خيوطها. زحف قمبيز إلى الحدود المصرية ووصل إلى منطقة بيلوسيوم، شرق الدلتا المصرية، على بعد 30 كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي من بورسعيد الحديثة، وهنالك تقابل الجيشان عام 525 ق.م. وهزم قمبيز الملك المصري بسماتيك الثالث فانسحب الأخير إلى منف، الحصن العسكري لمصر وقتذاك. ولكن قمبيز حاصر منف ودخلها وأسر العاهل المصري وأرسله مكبلاً بالأغلال إلى فارس.

. تاريخ هيرودوتس, ترجع للقرن الثاني الميلادي[/caption] قتل قمبيز عقب استسلام منف ما لا يقل عن 2000 مدني رداً على شدة المقاومة الشعبية، ولكنه قرر لاحقاً تغيير سياسته وراح يتقرّب من الكهنة المصريين، رغم ديانته الزرادشتية، الديانة الرسمية للإمبراطوريات الأخمينية والبارثية والساسانية. ولكن أوامره بإخراج جثمان الملك أحمس الثاني، والد بسماتيك الثالث، وحرقه، على ضوء تلاسن جرى بينهما عبر مراسلات قبل الغزو، كانت سبباً في فض التعاطف بين الشعب المصري وملك الفرس. أمر قمبيز بهدم معابد هليوبوليس وحرقها وبتدمير بعض مسلات طيبة وانتهكت قواته حرمة بعض الأماكن التي كان المصريون يقدسونها في طيبة والتي كان يُحظر على غير الكهنة دخولها. سعى قمبيز لاحقاً إلى إرسال حملة إلى نبتة، حيث حكم محلي في النوبة أو مملكة الكوش. وللتمويه، قرّر الزحف عبر الصحراء الشرقية بعيداً عن وادي النيل. ولاحقاً، انقضّ من الصحراء على طيبة، وهنالك اختار 50 ألف جندي من جيشه من أجل تجريد حملة ثالثة على واحة سيوة حيث معقل كهنة أمون وآخر مصادر التمرد على الأراضي المصرية. وبعد قرابة الخمسين يوماً في صحراء النوبة الواقعة اليوم شرق السودان، نفذت مؤن الجيش الفارسي دون الوصول إلى المملكة النوبية، فقرر قمبيز الاعتراف بفشله والعودة إلى منف.

أراد قمبيز الاستقرار في مصر، ولكن تمردات وثورات اندلعت في الأقاليم والمستعمرات الفارسية دفعته للعودة إلى فارس، وأثناء بدء رحلته للعودة توفي في مصر عام 522 ق.م. وأثيرت قصص كثيرة عن وفاته وعن فقدان جثمانه، كما أثيرت قصص كثيرة عن جيش قمبيز الذي هلك في صحراء مصر الغربية ولم يعد إلى منف ولم يصل إلى واحة سيوة. وأشار هيرودوت إلى أن قمبيز بينما كان يعتلي جواده، غرس نفسه بنصل سيفه عن طريق الخطأ وتلوث جرحه ومات. انتظر العالم قرابة 2500 عام حتى يكشف أولاف إ. كابر من جامعة لايدن (أقدم جامعة في هولندا) عام 2015 عن تاريخ مرحلة مجهولة من تاريخ مصر، استناداً إلى بعض الآثار والبرديات الموجودة في متحف اللوفر والتي ظلت مهملة لما ظنه البعض من عدم ثرائها لأنها تنتمي إلى مرحلة الاحتلال الفارسي.

غزت فارس مصر وحكمتها خمس مرات... ولكن تلك السنوات كانت فقيرة في تاريخ بلاد النيل، وعامل الفرس الشعب المصري بخشونة وعنف لم يشهدهما على يد المستعمرين الآخرين
قاد النبيل المصري بيتوباستيس الثالث جيشاً وطنياً وقام بالثورة الأولى ضد الاحتلال الفارسي، عام 522 ق.م. وسحق جيش الفرس غرب مصر
 يقول كابر في كتابه "بيتوباستيس في واحة الداخلة... أدلة جديدة حول التمرد المبكر ضد الحكم الفارسي وقمعه في الذاكرة السياسية" إن نبيلاً مصرياً هو بيتوباستيس الثالث، من نسل الأسرة الـ23، قاد جيشاً وطنياً قام بالثورة الأولى ضد الاحتلال الفارسي، وقام هذا النبيل بجيشه بسحق جيش قمبيز غرب مصر. ولم ينتهِ الأمر هنا، بل اندلعت ثورة شاملة في مصر عام 522 ق.م. أدت إلى تولي بيتوباستيس الثالث حكم مصر حتى عودة الفرس بجيش قوي مرة أخرى وإعادة احتلال البلاد مجدداً في زمن الملك الفارسي داريوش الأول، الذى وصل إلى منف العاصمة عام 520 ق.م. قتل الفرس الملك بيتوباستيس الثالث ومحوا كافة آثار حكمه، ما تسبب في محو هذه الثورة من الذاكرتين المصرية والفارسية، ويفسر هذا الأمر اللغز الغامض حيال وفاة قمبيز واختفاء جيشه في الصحراء الغربية وغياب الحكم الفارسي عن مصر ما بين عامي 522 و520 ق.م. لم يكن بحث كابر الأول من نوعه. ففي دراسة أكاديمية صدرت عام 2003 بعنوان "تاريخ الشرق الأدنى القديم 3000 – 323 قبل الميلاد"، أشار عالم المصريات مارك فان دي مييروب إلى أن قمبيز قُتل على يد جيش مصري قاد ثورة ضد الاحتلال وأشار إلى اسم الملك بيتوباستيس الثالث. وتحدث العالم الفرنسي جان يويوت عن هذا الملك وثورته وحكمه في كتابه "بيدوباست الثالث" عام 1972، كما أشار اليه العالم الألماني هيرمان رانكي في كتابه "الأسماء المصرية القديمة" عام 1935. وهكذا، يتضح لنا أن الحقيقة التي ظلت مهملة في اللوفر تعززها دراسات أخرى في أزمنة مختلفة.

الثورة المصرية الثانية ضد الفرس

في دراسة نشرها العالم الأمريكي يوجين كروز – أوريب عام 1980 بعنوان "اكتشاف بسماتيك الرابع" أشار إلى بسماتيك الرابع باعتباره قائداً لثورة حررت مصر من حكم الفرس عام 490 ق.م.، في الأيام الأخيرة لحكم داريوش. وتطرّق أنثوني جون سبالينغر في كتابه "بسماتيك الرابع والخامس والسادس في معجم علم المصريات" الصادر عام 1982، إلى هذه الثورة وهذا الملك المصري وعصره. كما أشار إلى الأمر أولاف إ. كابر، في قراءته لما أهمل في اللوفر. وقد حكم بسماتيك الرابع حتى عام 484 ق.م. وكان داريوش الأول قد توفي عام 486 ق.م. وتولى ابنه خشایارشا الأول الحكم بعده. عيّن خشايارشا أخاه هخامنش حاكماً لمصر وهو الرجل الذى استطاع أن يقضي على الثورة المصرية ويسقط الملك بسماتيك الرابع. كما أسس جيشاً وأسطولاً قوياً من المصريين شارك مع الأسطول الفارسي في محاولة الغزو الفارسي الثانية لليونان بين عامي 480 و479 ق.م.

الثورة المصرية الثالثة ضد الفرس

يشير المؤرخ الأمريكي جون راي في كتابه "مصر ما بين عامي 525 و404 قبل الميلاد" إلى أن الثورة المصرية الثالثة التي اندلعت بين عامي 460 و459 ق.م. كانت بقيادة إيناروس، ابن بسماتيك الرابع، وقد تلقت دعماً من اليونانيين، واشتبك الأسطول اليوناني مع الأسطول الفارسي على مقربة من السواحل المصرية بينما كانت الثورة مشتعلة في الداخل. نجح إيناروس في قتل الحاكم الفارسي لمصر هخامنش عام 459 ق.م، وإمعاناً في التحدي، أرسل جثمانه إلى البلاط الفارسي. ولكن الفرس استطاعوا بعد استتباب الأمر في فارس أن يعودوا بجيش قوي مرة ثالثة إلى مصر. وفي عام 454 ق.م.، اجتاحوا مصر مجدداً وأسروا الملك إيناروس وصلبوه في فارس. ويشير عالم المصريات بجامعة كوبنهاعن الدنماركية كيم ريولت في كتابه "الغزو الآشوري لمصر في التقليد الأدبي المصري" إلى أن أغلب خبراء التاريخ يخلطون بين الملك الثائر إيناروس والأمير الليبي إيناروس الذي ثار ضد الآشوريين قبل قرنين من زمن الاحتلال الفارسي لمصر.

الثورة الرابعة... أمير تايوس محرر مصر

ثم تأتي الثورة الرابعة، والتي رصدها هيرودوت وغيره من المؤرخين الكلاسيكيين، ولم يقدر الاحتلال الفارسي على محوها من الذاكرة لأنها ثورة انتصر فيها المصريون. بدأ النبيل أمرتيوس (أمير تايوس) عام 411 ق.م في حشد جيش ضخم وأطلق الثورة المصرية الرابعة، مستغلاً اضطرابات سياسية في البلاط الفارسي. وبالفعل في هذا العام تحررت مصر من الغزو الفارسي.

الاحتلال الرابع لمصر

فشل آخر ملوك الأسرة الثلاثين نخت أنبو في الدفاع عن مصر أمام الشاه أردشیر الثالث الذي احتلت قواته منف عام 343 ق.م، ليبدأ الاحتلال الفارسي الثاني لمصر بحسب الكتابات القديمة، والرابع بحسب الاكتشافات الحديثة. وبحسب سليم حسن، فإن أردشیر قام بنهب مصر من أجل تعويض خسائر فارس الاقتصادية ومن أجل التصدي للصعود السياسي للإغريق، كما دمر أسوار منف وفرض ضرائب باهظة على الناس، ومارس بحقهم اضطهاداً دينياً إذ تمت مصادرة الكتب الدينية ومُنعت الصلاة. وبحلول عام 332 ق.م، أي بعد أقل من عشر سنوات، وصل اليونانيون إلى السواحل المصرية، لتبدأ مرحلة سيطرتهم على مصر. ولكن الاكتشافات الحديثة تكشف لنا عن ملك مصري مجهول. فقد ذكر العالم الفرنسي هنري غوتييه (1877 – 1950) الملك سنن ست ابن بتاح في موسوعة "كتاب ملوك مصر، الجزء الرابع"، باعتباره قائد ثورة مصرية ضد الاحتلال. وقد حكم هذا الملك مصر بين عامي 338 و335 ق.م.، قبل ثلاث سنوات فحسب من غزو الإسكندر عام 332 ق.م.

الفرس يعودون من جديد... مصر الساسانية

انتقل الحكم في مصر من البطالمة إلى الروم ثم البيزنطيين، كذا الحكم في بلاد فارس حتى قيام الإمبراطورية الساسانية (226 – 651). [caption id="attachment_137510" align="alignnone" width="700"] الحرب الساسانية البيزنطية[/caption] وعلى أثر الحروب الساسانية البيزنطية، استغلت الدولة الساسانية الوهن البيزنطي بالتقدم إلى مصر، فدخل القائد شاهرباراز إلى الإسكندرية، عاصمة مصر، عام 619 بعد غياب الفرس لمدة 951 عاماً، لتبدأ حقبة فارسية جديدة لم تستمر أكثر من 10 سنوات إذ انتهت عام 629. وأيضاً لم تستتب سيطرة البيزنطيين على مصر إذ دخلها عمرو بن العاص عام 642. والملاحظ في هذه الحقبات، سواء حقبة مصر الساسانية أو مصر الأخمينية، هو غياب محاولات المزج الحضاري كتلك التي قام بها اليونانيون ثم الروم، بالإضافة إلى أن الاضطرابات كانت تعم الدولة الأم في بلاد فارس ومصر، فلم تكن محطات استقرار للبلدين بأي حال من الأحوال. بالإضافة إلى ذلك، هنالك غياب للمنجز الأثري أو العلمي، فقد كانت تلك السنوات فقيرة في تاريخ مصر، وعامل الفرس الشعب المصري بخشونة وعنف لم يشهدهما المصريون على يد المستعمرين الآخرين. كما أن تقسيم هيرودوت للأسرتين الفارستين اللتين حكمتا مصر، سواء الـ27 أو الـ31 بحاجة إلى إعادة نظر، بعد اكتشاف الحكام المصريين الذين طمر تاريخهم وتاريخ ثوراتهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard