"القوات الشعبية" السورية تدخل عفرين... هل عاد أكراد سوريا إلى حضن النظام؟

الاثنين 19 فبراير 201808:35 م
بعد إعلان مسؤولين أكراد أن الجيش السوري سيدخل إلى منطقة عفرين، قالت وكالة أنباء "سانا" السورية الرسمية إن مجموعات من "القوات الشعبية" هي مَن سيدخل إلى المنطقة التي تواجه منذ 20 يناير الماضي هجوماً تشنه القوات التركية وحلفاؤها من بعض فصائل الجيش السوري الحر. ويطرح هذا الاتفاق غير المستغرب، والذي كانت بشائره تلوح منذ عدة أيام، تساؤلات كثيرة حول تغيّرات في تموضع وحدات حماية الشعب الكردية في المعارك الدائرة على الأراضي السورية.

مخرج لأنقرة؟

يأتي هذا الاتفاق ليعيد رسم بعض التوازنات الميدانية بين روسيا وتركيا وإيران، الثلاثي الذي يرعى عملية تخفيف التصعيد في بعض مناطق سوريا، بموجب آلية آستانة، وبين هذا الثلاثي الذي يشكل ما يشبه التحالف من جهة وبين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى. فرغم أن العلاقة بين النظام السوري وإيران وبين القوات الكردية قد توترت بشكل كبير في الأشهر الأخيرة، على خلفية تمدد الأخيرة في شمال شرق سوريا، ووصلت إلى حد صدور تهديدات علنية من طهران، ترافقت في الفترة الأخيرة مع تحركات ميدانية تصدّت لها الطائرات الأمريكية، إلا أن الطرفين أبديا امتعاضهما من عملية "غصن الزيتون" التركية. وقد أعلنت الحكومة السورية مراراً أنها تنتهك سيادة الأراضي السورية وأنها خطوة هدفها دعم التنظيمات الإرهابية، لا بل هدد بعض وجوهها بإسقاط الطائرات التركية، والإيرانيون كرروا نفس الكلام ولكن بدون تهديدات. ويعني التمدد التركي في عفرين بالنسبة إليهما، وبالنسبة إلى روسيا أيضاً، سيطرة أنقرة على مساحات جديدة من الأراضي السورية تزيد من نفوذها في البلاد وترفع أسهمها في عملية صياغة الحل السوري وفي قطف الثمار من ملف إعادة الإعمار الذي سيليه. لذلك، عرضت روسيا على الأكراد، قبل بدء التحرك العسكري التركي ضدهم في عفرين بيومين، صفقة تقترح أن يسلموا عفرين للنظام السوري مقابل تفادي النيران التركية. وعندما رفض الأكراد الاقتراح، سحبت روسيا قواتها المنتشرة في المنطقة وأعطت الضوء الأخضر لأنقرة. حينذاك، كان الأكراد يراهنون على أن واشنطن، حليفهم في شمال شرق البلاد، لن تتعاطى معهم بـ"المفرّق" وستمنع الأتراك من مهاجمة ثالث كانتوناتهم، إلا أنها خذلتهم وفرضت عليهم معادلة اقتصار حلفهما على كانتوني الجزيرة وكوباني والمناطق التي حرروها من داعش شرقي الفرات. وعندها بدأ الأكراد علناً بمطالبة القوات السورية بـ"الدفاع عن أرضها" في عفرين. الأتراك، في تعليقهم على هذ المستجد، خرجوا بتصريحات لحفظ ماء الوجه: نقبل بدخول القوات السورية إذا كان هدفها محاربة وحدات حماية الشعب ولكن إذا كانت الخطوة لحمايتها، "لا أحد يمكنه إيقافنا"، حسبما أعلن وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو. ولكن الأتراك يعرفون أن هذه الخطوة سيعقبها سحب موسكو للضوء الأخضر الذي سبق أن منحتهم إياه، ما سيضطرهم إلى وقف هجومهم. عملياً، يفيد دخول القوات السورية أنقرة من ناحيتين: الأولى، يمنحهم مخرجاً من معركة عفرين التي لم يحققوا فيها أي إنجاز كبير رغم مرور 30 يوماً على فتحها، والتي شرّعت عليهم أبواب انتقادات دولية كثرة؛ والثانية، يحقق لهم الغرض الاستراتيجي من عمليتهم ألا وهو منع الأكراد من الاستمرار في الانفراد بالسيطرة على كانتون عفرين المعزول والأقرب إلى البحر الأبيض المتوسط، ما يعني إجهاض أي طموح مستقبلي لتأسيس دولة كردية متصلة بالبحر.
التمدد التركي في عفرين يعني بالنسبة إلى دمشق وطهران، وبالنسبة إلى روسيا أيضاً، سيطرة أنقرة على مساحات جديدة من الأراضي السورية تزيد من نفوذها في البلاد
سيرتبط مستقبل عفرين بمستقبل صراع الأكراد مع مثلث الحكومة-طهران-موسكو، والذي وصل بعد تحرير الرقة إلى أسوأ مراحله
كما أن انكفاء أنقرة عن عفرين سيطلق يدها في أرض جبهة النصرة-محافظة إدلب، وسيهدئ من قلقها واقع أن شريطاً من الأرض التي تفصل بين عفرين وبين الكانتونين الكرديين الآخرين يقع تحت سيطرة حلفائها، وهو من إنجازات عملية "درع الفرات" التي أطلقتها في أغسطس 2016. وسيفتح إنهاء هذا الملف الميداني العالق لأنقرة الباب أمام تحويل نيرانها وتحويل حلفائها السوريين نحو منبج، وهي هدف آخر لتحركاتها في الداخل السوري وكانت قد أعلنت نيتها طرد وحدات حماية الشعب منها. [caption id="attachment_137390" align="alignnone" width="1000"] مقاتل كردي سوري[/caption]

تعاون سابق

في الأسابيع القليلة الماضية، عبّرت الحكومة السورية والقوات الموالية لإيران، ميدانياً، عن اعتراضهم على العملية العسكرية التركية، من خلال فتح الطريق بين حلب وعفرين أمام الأكراد لإدخال مواد إغاثة ومقاتلين وأسلحة. وتحيط بكانتون عفرين من الشمال والغرب تركيا، ومن الجنوب مناطق خاضعة لسيطرة فصائل معارضة سورية تناصب الأكراد العداء، ومن الشرق مناطق خاضعة لـ"درع الفرات". وإمكانية تواصله الوحيدة مع الخارج، بعيداً عن ذلك، هي عبر شريط يصله بشمال غرب حلب الخاضع للنظام السوري، مروراً بقريتي نبّل والزهراء الخاضعتين لسيطرة ميليشيات موالية لإيران. وهذا يعني أن اتصال عفرين بخارجها يقتضي موافقة طرفين: الحكومة السورية والميليشيات الموالية لإيران. ومنذ عام 2011، عام اندلاع الثورة السورية، كانت المعارضة السورية والمعارضون الأكراد يتهمون حزب الاتحاد الديمقراطي، الواجهة السياسية لوحدات حماية الشعب، بالارتماء في أحضان النظام السوري من خلال عقده صفقة معه، تحت غطاء إيراني، تقضي بتحييد مناطق الأكراد عن مجريات الثورة في باقي المناطق السورية، وبقمع أي تحرك كردي مخالف لهذا التوجّه العام. ويستشهد هؤلاء دائماً بحادثة مهاجمة العسكريين الأكراد لتجمع كردي معارض في عامودا في يونيو 2013، أسفرت عن مقتل ستة مدنيين. ورغم أن قواعد الجيش السوري بقيت قائمة في مناطق انتشار الأكراد، إلا أن العلاقة بين الطرفين شهدت بعض التوترات، واندلعت بينهما اشتباكات محدودة نوعاً ما للسيطرة على بعض الحواجز. ولعلّ أبرز المواجهات بين الطرفين، الاشتباكات التي اندلعت في مدينة الحسكة في يناير 2015، وكانت الأولى، وتلك التي اندلعت في أغسطس 2016 وشملت عدة أحياء في المدينة نفسها، وكانت الأوسع. إلا أن العلاقات بين الطرفين لم تنقطع يوماً وبقيت حركة تبادل البضائع بين المناطق التي يسيطران عليها قائمة. [caption id="attachment_137392" align="alignnone" width="1024"] قوات سورية[/caption]

مستقبل عفرين

حتى الآن، لم تتضح طبيعة الاتفاق بين الأكراد والحكومة السورية. فالأكراد يقولون إن الجيش السوري سينتشر في نقاط حدودية، وإن الاتفاق عسكري ولا يتضمن ترتيبات سياسية، والقضايا السياسية والإدارية سيتم التفاوض عليها لاحقاً مع دمشق. ومصادر الأخيرة كانت تقول إنها اشترطت لدخولها تولي السيطرة على المنطقة بالكامل. على الأرجح، سيكون الاتفاق وسطاً بين رغبتي الطرفين، لأن القوى الضالعة في صياغته ستقبل بهذا الوسط لأن الصراع على النفوذ في سوريا يدور أيضاً بين حلفاء دمشق. فالقوات التي ستدخل بدايةً، هي "القوات الشعبية" شبه النظامية والتي سبق أن فاخر قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري بأنها تضم 100 ألف عنصر وبأن بلاده شاركت في تأسيسها. والروس الذين ينافسون طهران على مكتسبات إعادة إعمار سوريا بعد انتهاء الحرب سيدفعون نحو نوع من توازن قوى على الأرض لا يسمح لها بالسيطرة الحاسمة على المنطقة. وسيرتبط مستقبل عفرين بمستقبل صراع الأكراد مع مثلث الحكومة-طهران-موسكو، والذي وصل بعد تحرير الرقة إلى أسوأ مراحله، وتجلّى في اتهام الرئيس السوري بشار الأسد لهم في ديسمبر الماضي بـ"الخيانة" لأنهم يعملون "لصالح الأجنبي... ضد الجيش السوري"، وهو ما ردّت عليه قوات سوريا الديمقراطية باتهامه بـ"الخيانة" و"الطائفية" و"فتح أبواب البلاد أمام جحافل الإرهاب الأجنبي... وأطلاق كل الإرهابيين من سجونه". وأتى ذلك على خلفية التوتر الذي نجم عن تعاون الأكراد مع الأمريكيين في معارك ضد داعش في الرقة وبعض ريف دير الزور، وسيطرتهم على شرق الفرات الغني بالنفط، بغطاء أمريكي، وتلميح واشنطن بأنها ستستخدمهم للعب دور على الحدود بين سوريا والعراق، وهو ما يعني ضمنياً تحدّي خط اتصال طهران البري بدمشق. المرحلة المقبلة مفتوحة على سيناريوهات كثيرة تبدأ من محاولة الأكراد اللعب على حبلين: حبل واشنطن وحبل موسكو-طهران دمشق. وبما أن اللعب على هذين الحبلين معاً صعب بسبب توترات كثيرة قائمة بين المحورين، قد يكون على الأكراد قريباً المفاضلة بين الارتماء تماماً في حضن واشنطن التي لم تغطِّ سيطرتهم على أحد كانتوناتهم الثلاثة، وهو ما قد يفتح على احتمال انقسام كردي-كردي داخل وحدات حماية الشعب الكردية، وبين الارتماء في حضن موسكو التي تستطيع تأمين صفقة شاملة لهم مع النظام السوري تطال مصير كانتوناتهم الثلاثة.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard