منظمة التحرير الفلسطينية و"الخمينيون"... تعاون عسكري سابق على الثورة الإيرانية

الأحد 25 فبراير 201802:27 م
كثيراً ما ردّد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، حينما كان معقل قواته الرئيسية في لبنان في سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي، عبارات تشير إلى أن عمق الثورة الفلسطينية الاستراتيجي يبدأ من قم. كان عرفات يرى في سقوط نظام الشاه في إيران بعداً إيجابياً لصالح القضية الفلسطينية. وكانت منظمة التحرير الفلسطينية من الجهات القليلة التي دعمت الثورة الإسلامية الإيرانية ضد نظام الشاه، قبل انتصارها عليه.

"نور خرج من إيران"

يوضح عضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية نبيل عمرو لرصيف22 أن حركة فتح دعمت الثورة الإيرانية لتوظيف الإمكانات الإيرانية لصالح الثورة الفلسطينية، وخاصة أن نظام الشاه كان يوصف بأنه أكبر حليف لإسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، وبأنه "قلعة الإمبريالية الأمريكية". ويضيف: "كان نجاح الثورة الإيرانية بمثابة انتصار للثورة الفلسطينية حينها، ووصفها الزعيم الراحل ياسر عرفات بـ’نور خرج من إيران وأضاء كل ما حوله من بلدان’". ولفت عمرو إلى أن أغلب قيادات العمل العسكري في الثورة الفلسطينية كانت في حيرة من مبادرة عرفات بتوجيه أنظاره لصالح المعارضة الإيرانية وتساءلوا: إلى ماذا يهدف؟ وبعد فترة، تفاجأ العالم بثورة شعبية في إيران قلبت كافة الموازين، ورُفعت صور عرفات وأعلام فلسطين في ساحات التظاهر المليونية للشعب الإيراني.

دعم قوات الثورة الفلسطينية لإيران

"مواقع الثورة الفلسطينية كانت ميداناً تدريبياً للثوار الإيرانيين". هذا ما يقوله لرصيف22 عضو المجلس الاستشاري لحركة فتح والقائد العسكري السابق اللواء مازن عز الدين. ويذكر بشكل خاص موقع قوات بدر في الأردن وموقع قوات عين جالوت في مصر، وموقع القادسية في العراق وكافة المواقع التابعة لحركة فتح في جنوب لبنان، بالإضافة إلى معسكرات الثورة الفلسطينية المختلفة في سوريا مثل معسكر دوما، "حيث تم تدريب أكثر من 15 ألف إيراني"، بحسب تصريح لعضو المجلس الثوري لحركة فتح وأول سفير لفلسطين في إيران هاني الحسن، أثناء أول زيارة رسمية لمنظمة التحرير إلى إيران عقب نجاح الثورة. بمجرد انطلاق أول حراك شعبي إيراني في منتصف الستينيات من القرن الماضي، وصل صيت اهتمام منظمة التحرير بالثورة الإيرانية إلى مسامع قادة المعارضة الإيرانية وعلى راسهم روح الله الخميني الذي التقى بعرفات في العراق عام 1968، واتفقا على تنشئة جيل ثوري في إيران يقتلع نفوذ الاحتلال من منطقة الشرق الأوسط، وجرى تدريب أول جماعة من المعارضة الإيرانية في معسكرات حركة فتح بالأردن عام 1969.
"مواقع الثورة الفلسطينية كانت ميداناً تدريبياً للثوار الإيرانيين"، و"تم تدريب أكثر من 15 ألف إيراني"... عن علاقات منظمة التحرير الفلسطينية بمعارضي الشاه قبل انتصار الثورة الإيرانية
حركة فتح دعمت الثورة الإيرانية عسكرياً، قبل سنوات من انتصارها، "لتوظيف الإمكانات الإيرانية لصالح الثورة الفلسطينية"
وبعد خلافات وقعت بين حركة فتح والنظام الأردني وأسفرت عن معركة قاسية انتهت بطرد قوات منظمة التحرير من الأردن، في أحداث عُرفت بـ"أيلول الأسود"، نقلت فتح معسكراتها إلى سوريا ولبنان، واعتمد ياسر عرفات معسكرات العراق وسوريا ميداناً خاصاً بتدريب ثوار إيرانيين، منذ عام 1970. وكان القائد الفلسطيني خليل الوزير (أبو جهاد) هو مَن يتولى مهام تدريب الإيرانيين والقبول بأسماء المتدرّبين، حسبما أوضح اللواء مازن عز الدين. وبحلول عام 1973 قام أبو جهاد بتعيين محمد منتظري (رجل دين إيراني ومن مؤسسي الحرس الثوري الإيراني وقُتل عام 1981) بإدارة القوات الإيرانية التي تتدرب في معسكرات حركة فتح في سوريا والعراق.

كثيرون درّبتهم فتح

في الحقيقة، كثيرون تلقوا تدريبات على أيدي قيادات الثورة الفلسطينية مثل عناصر تنظيم حركة أمل الشيعية اللبنانية وشخصيات كثيرة أسست لاحقاً حزب الله اللبناني. فقد كان القيادي العسكري في حزب الله عماد مغنية قائداً في حركة فتح لسنوات طويلة، وتلقى أمين عام حزب الله حسن نصر الله تدريباً مع قوات صغيرة كانت محيطة به، على يد القائد بحركة فتح خليل الوزير. وتلقت أغلبية قيادات الثورة الإيرانية تدريبات على يد فتح، ومنها محمد منتظري والجنرال جلال الدين الفارسي، وغيره من الإيرانيين الذين تولوا مناصب في الجمهورية الإيرانية عقب انتصار ثورتهم، حسبما أوضح عز الدين. ويقول نبيل عمرو: "بعد إعلان الزعيم عرفات تبني فكر الثورة الإيرانية تم تحويل مراكز نفوذه في بيروت إلى منبر إيراني، كما أنه أحيا لهم مناسبات مختلفة، وخاصة حفل تأبين ملهم الثورة الإيرانية علي شريعتي والذي أقامته منظمة التحرير في بيروت بشكل علني بحضور جميع زعماء الثورة الفلسطينية عام 1977"، مضيفاً أن عرفات فتح للإيرانيين مخازن السلاح بأنواعه. ويتابع أنه بعد نجاح الثورة الإيرانية عام 1979 وسقوط نظام الشاه، عاد الخميني من منفاه الباريسي إلى بلاده، و"تبعه أكثر من 50 ضابطاً من قوات الثورة الفلسطينية ساهموا في إنشاء قوات الحرس الثوري الإيراني على الأرض الإيرانية، وتدريبهم على الأسلحة السوفييتية، لمواجهة تهديدات مناصري الشاه".

نشأة الخلافات

اتسمت العلاقات الإيرانية الفلسطينية بالإيجابية على كافة الأصعدة والمستويات، فكان عرفات أول زعيم في العالم تحط طائرته على الأراضي الإيرانية بعد الثورة بأسبوع واحد، وكان في استقباله كبار زعماء الثورة الإيرانية، وعلى رأسهم أحمد الخميني، نجل الخميني، الذي رافقه من المطار إلى مقر والده.
وبعد ذلك، أنزل الإيرانيون العلم الإسرائيلي عن السفارة الإسرائيلية، وتسلم عرفات مفاتيح هذه السفارة لتصير سفارة لمنظمة التحرير الفلسطينية. وكانت هذه المرة الوحيدة التي يتم فيها إغلاق سفارة إسرائيلية لصالح الفلسطينيين، وكانت تلك أولى ثمرات الثورة الإيرانية التي تصب لصالح فلسطين، كما أوضح عمرو. ولكن، ما كادت تنتصر الثورة، حتى دخلت إيران في حرب مع العراق استنزفت طاقاتها واستمرت من عام 1980 حتى عام 1988. عن تلك المرحلة، يروي عمرو: "لعب الرئيس عرفات دور الوسيط بين الجهتين، وظل لشهور طويلة دائم التنقل برياً بين إيران والعراق لوضع حد لوقف نزيف الدم من قبل الطرفين. وبعد تعثر جميع الحلول لوقف الحرب، أعلن عرفات وقوفه في صف العروبة بقيادة العراق في حربها على إيران، فكان ذلك أول بذور نشأة الخلافات بين منظمة التحرير الفلسطينية والجمهورية الإيرانية". وعلى الرغم من ذلك، فإنه عندما شنّت إسرائيل حرباً على منظمة التحرير الفلسطينية وصلت إلى احتلال بيروت عام 1982، تفاجأ الفلسطينيون من الصمت العربي تجاه المجازر التي نُفّذت بحقهم، ولم يتدخل أحد من العرب لنجدتهم، في وقت تلقوا عرضاً من إيران بإرسال قوة كبيرة من جيشها للوقوف معهم، وقد يكون عرضاً قدّموه لمعرفتهم باستحالة تنفيذه على أرض الواقع. فبحسب عمرو، تلقى جيش التحرير الفلسطيني اتصالات من إيران تفيد بعزمها إرسال 100 ألف جندي من القوات الإيرانية للدفاع عن الشعبين الفلسطيني واللبناني، فقامت المنظمة حينذاك بالتواصل مع القيادة العراقية لتسهيل عبورهم عبر أراضيها، فتلقت رداً من العراق يفيد بأنه جاهز لذلك إن كانت لدى الإيرانيين النية فعلاً للقيام بهذه الخطوة، و"ظل الأمر على ما هو عليه حتى رحلت منظمة التحرير من لبنان وتشتت في كافة بقاع الوطن العربي".

ما بعد الخلافات

بعد انتصار الثورة الإيرانية، استمر التعاون العسكري بين الطرفين ولكن تحوّل الإيرانيون من مدعوم إلى داعم. ويتحدث اللواء مازن عز الدين عن دور إيران في تسليح قوات الثورة الفلسطينية في سوريا ولبنان عقب قيام الجمهورية الإسلامية، حتى بعد نشأة الخلافات بينهما، وكذلك خلال حرب 1982، في ما يعتبره "عملية رد الجميل للفلسطينيين". وبعد تمركز منظمة التحرير الفلسطينية في تونس، عقب خروجها من بيروت عام 1982، عقدت أول قمة لها هنالك، وُصفت بالحدث التاريخي، وحاول عرفات إشراك إيران فيها، إلا أن العداء العالمي للثورة الإيرانية حال دون حدوث ذلك، كما يروي نبيل عمرو. تعقّدت العلاقات بين منظمة التحرير الفلسطينية وإيران لاحقاً، ودخلت فيها عناصر كثيرة منها تفضيل إيران دعم فصائل خارج المنظمة وبناء علاقة خاصة معها، ولكن الخلافات بين الطرفين لم تصل إلى حد القطيعة النهائية. فالسفارة الفلسطينية في طهران ما زالت قائمة، والتعاون العسكري أعادت إسرائيل استحضاره حين اتهمت إيران بتسليح السلطة الفلسطينية خلال انتفاضة الأقصى عبر سفينة "كارين إي" التي سيطرت عليها القوات الإسرائيلية في عرض البحر الأحمر، وهي في طريقها إلى غزة، وكانت أحد الأسباب المباشرة للحرب الإسرائيلية على السلطة الفلسطينية ضمن عملية "السور الواقي".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard