"الكابالا" أو "التصوّف اليهودي"... طريق يجذب عرباً إلى جامعة بن غوريون الإسرائيلية

الثلاثاء 20 فبراير 201801:14 م
من زبير الجزائري، ومترجمة تونسية، إلى أنور وبراق من تركيا، وألينا من باكستان، وشابة من إيران رفضت الكشف عن هويتها... طلاب من دول عربية وإسلامية يشاركون في دورة للتعليم عن بُعد في جامعة بن غوريون الإسرائيلية تدرّس "الكابالا"، وهي معتقدات وشروحات روحانية فلسفية تفسّر الحياة والكون ويعتبرها البعض نوعاً من "الصوفية اليهودية". بعض المشاركين دفعه الفضول، وبعضهم الآخر أراد التشبع بتلك الروحانيات. مفارقات كثيرة حملتها قصص هؤلاء العرب، بدءاً من ملابسات انضمامهم إلى دورة أكاديمية إسرائيلية يعتبر مراقبون أنها جزء من نشاطات تستخدم فيها إسرائيل القوة الناعمة لاجتذاب شباب الدول العربية والإسلامية نحو التطبيع.

بين طلب العلم والسياسة

من بين الدارسين العرب للكابالا طالب جزائري يُدعى زبير، يبلغ من العمر 67 عاماً. لم يمنعه التقدم في السن من الالتحاق بالدورة التعليمية الإسرائيلية، فهو لن يعاني من مشقة الانتقال من بيته إلى أي مكان، بحسب ما كتبه على صفحة التعارف التابعة للدورة، ونقلته صحيفة ماكوريشون العبرية. رغم تخصصه طيلة حياته في لغة الأرقام والحسابات (الرياضيات)، إلا أنه بات مهتماً بالعلوم الروحانية، ولا يرى مانعاً في أن يدرسها في جامعة إسرائيلية، أو في غيرها من جامعات دول العالم. طلب العلم، كما يقول زبير على صفحته، لا يعترف بحدود أو سياسة. وتشارك في الدورة أيضاً مترجمة تونسية رفضت، بحسب الصحيفة العبرية، الكشف عن هويتها، لكنها قالت: "التحاقي بمؤسسة تعليمية إسرائيلية لدراسة الكابالا ليس الأول من نوعه. سبق والتحقت منذ أربع سنوات بمؤسسة "بني باروخ"، المتخصصة في تدريس التخصص ذاته. وقتها كنت في بداية اهتمامي بهذا النوع من العلوم، لكن مناهج المؤسسة لم ترُق لي، فقررت الانسحاب". وفي حديثها عن نفسها، ذكرت: "أنا متزوجة، ولدى ثلاثة أبناء. لا أدري شيئاً عن دوافعي لدراسة الكابالا. ولا أعرف أيضاً ما الذي حفزني على الاستعانة بها. ربما للحصول على أجوبة عن علامات استفهام عديدة في حياتي. الآن، وبعد فترة انقطعت فيها تماماً عن الاهتمام بهذا العلم، شعرت برغبة بالعودة إليه من جديد. أنا على يقين بأن الكابالا هي الطريقة التي لا يمكن أن أعيش حياتي من دونها".

لا طريق آخر؟

من دول إسلامية غير عربية يدرس الكابالا أنور وبراق من تركيا، ألينا من باكستان، بالإضافة إلى إيرانية، اكتفت بتعريف نفسها بأنها "طالبة". جميعهم يدرسون الكابالا عن بُعد في جامعة بن غوريون. وتؤكد الإيرانية أنها لم تجد طريقة لدراسة اليهودية، لا سيما علم الكابالا، إلا من خلال التسجيل في دورة الجامعة الإسرائيلية. وتضيف، بحسب ما نقلته عنها ماكوريشون: "الحصول على الكتب من الخارج أمر صعب جداً في إيران، بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد. وبعيداً عن ذلك، بدأت الاهتمام بإسرائيل والدراسة في جامعاتها عبر دورات الديجيتال وأنا في مرحلة الدراسة الثانوية. درست تاريخ اليهود الحديث، بالإضافة إلى تاريخ المحرقة النازية". وتحرص إسرائيل عبر الكابالا على خلق قنوات تواصل غير رسمية مع الإيرانيين. فخلال يناير المنصرم نظمت مؤتمراً استمر ثلاثة أيام في العاصمة الليتوانية فيلنيوس، حضره عدد كبير من الإيرانيين المقيمين في أوروبا، من بينهم سعيد جاهر، وهو شاب يقيم في النرويج. وخلال فعاليات المؤتمر، نقل عنه موقع "والا" العبري عن الشاب الإيراني قوله: "حينما ولدت في إيران نشبت الحرب، فهاجرت إلى أوروبا، وعشت منعزلاً. كان ذلك مؤلماً جداً، لكن الحياة أصبحت أفضل بكثير، حينما اكتشفت منذ أربع سنوات الكابالا. منحتني حالة من التوازن والأمل في المستقبل".
تعمل إسرائيل عبر تعليم "الكابالا" على خلق قنوات تواصل غير رسمية مع مواطنين من دول عربية وإسلامية...
طلاب عرب ومسلمون تسجّلوا في دورة بجامعة بن غوريون لتعلّم الكابالا على أساس أنها مذهب صوفي عالمي، وتفاجأوا حين علموا بمدى التقارب بينها وبين الشريعة اليهودية...
"الفضول والرغبة في التعرف على الكابالا" ساقا الباكستانية ألينا للانضمام إلى جامعة بن غوريون، حسبما كتبت على صفحة التعارف الخاصة بالدورة. أما التركي أنور، فأكد أنه أراد منذ فترة ليست بالقصيرة دراسة الكابالا، لكن أدوات الوصول إلى الهدف لم تتوفر في مكان إقامته. وأضاف: "أتطلع إلى التعرف على أصدقاء جدد، وأن أعرف الكثير عن الكابالا"، بحسب ما كتبه على صفحة تعارف الدورة.

"شيء مثير وممتع"

يبدي البروفيسوران الإسرائيليان بوعز هوس ويوعاد قدري، وهما القائمان على التدريس في دورة جامعة بن غوريون، دهشتهما من إقبال طلاب دول عربية وإسلامية على دراسة الكابالا في جامعة إسرائيلية. وتنقل ماكوريشون عن الأول قوله: "شيء مثير وممتع تحقق من خلال اللقاء والحوار بين الثقافات المتعددة، بعيداً عن أية تدخلات سياسية". ويضيف: "حتى الآن قمت بتدريس طلاب إسرائيليين وأمريكيين وأوروبيين، وكانت لديهم خلفية كافية عن اليهودية. حينما التقيت هذه المرة طلاباً ليست لديهم هذه الخلفية، استمعت إلى أسئلة من طلاب يتحدرون من خلفيات مختلفة، كان اللقاء ممتعاً جداً". واتضح من خلال الأسئلة انعدام خبرة طلاب الدول العربية والإسلامية بالتقارب بين الكابالا واليهودية، كما أن وصايا الكابالا عند شرحها كانت جديدة عليهم، وفوجئوا جداً بعد الوقوف على حقيقتها. وبحسب هوس، "تعتقد الأكثرية على مستوى العالم بأن الكابالا مذهباً صوفياً وطريقة روحانية عالمية، تفتح أبوابها أمام أي شخص. لكن هؤلاء يعرفون الكابالا بمفهومها المسيحي، وووفق الحركات الباطنية في عصرها الجديد. لا تعرف الأكثرية التقارب الوثيق بين الكابالا ونمط الحياة والشريعة اليهوديين". أما قدري، فيشرح طبيعة دورة جامعة بن غوريون، ويقول إنها تتكون من تسعة دروس، يجرى خلالها تدريس المفاهيم الأساسية للكابالا، وهي الطريقة التي يستطيع بها الإنسان تحقيق الألوهية في ذاته، عبر الانتقال تدريجياً إلى عملية التناسخ، والكابالا العملية، ونظيرتها الخاصة بالتنبؤ، ثم الانكشاف على التجليات الصوفية. بعد دراستهم للكابالا، وانعكاساتها على حياة الإنسان، بات عدد كبير من النجوم والمشاهير مثل مادونا وآشتون كوتشر نموذجاً للتهافت الحديث على الكابالا. وحفّزت شعبية هؤلاء النجوم معجبيهم على البحث عن ذاك المذهب الصوفي، ما أدى إلى انتشار مدارسه في عدد ليس بالقليل من المراكز في الولايات المتحدة وأوروبا، فضلاً عن إسرائيل.

كينونة إلهية في كل موجود

يعرّف البعض الكابالا بأنه التصوف الذي يضرب بجذور عميقة في الفكر اليهودي، وصولاً إلى التصوف العبري القديم. واشتهر هذا العلم وتبلور في جنوب فرنسا، وفي شمال إسبانيا وبلاد الشرق، في أواخر ونهاية القرنين الثاني والثالث عشر. ويرتكز علم الكابالا على تلبية تطلعات المتصوف، للتوحد باطنياً مع الإله، وزيادة خبرته ووعيه لاكتساب الصفات الألوهية التي تقلص الفجوة بين العالم المادي المغروس فيه من جهة، وبين الإله من جهة أخرى. هكذا يصير المتصوّف ينظر إلى الواقع المادي والظواهر التي تتخلله كمجرد منظومة رمزية، تجسد انكشافات الله على العالم. وعبر التأمل يحاول كشف الكينونة الإلهية المتخفية في كل موجود، وإعادة روحه إلى جذورها الإلهية العليا، والاندماج في الألوهية، بحسب ما كتبه البروفيسور الإسرائيلي، خبير علم الكابالا، ميخائيل ليتمان على موقعه الإلكتروني. ويرى ليتمان أن الكابالا ليست حكراً على نوعية معينة من البشر، وإنما تنفتح وتخاطب الجميع بغض النظر عن جنسهم أو ديانتهم أو عمرهم. ويؤكد أن منظمة "الكابالا للشعب"، وهي إحدى المنظمات المعنية بتدريس الكابالا في إسرائيل، يدرس فيها ما يربو على مليوني شخص من مختلف دول العالم عبر التعليم عن بُعد.

استقطاب الشباب العربي

يبدي المفكر الأمني، مدير إدارة مكافحة الصهيونية السابق بجهاز الأمن الوطني المصري، العميد حسين حمودة، اعتراضاً على ما وصفه بـ"حيلة إسرائيل لاجتذاب الشباب العربي بداعي الدراسة في الجامعات الإسرائيلية". ويقول لرصيف22: "تسعى إسرائيل من وراء ذلك إلى كسر الحاجز النفسي بينها وبين العرب، لا سيما في أعقاب نجاحها في تفعيل نظرية ‘تبادل الأعداء’ التي سبق ووضع نواتها الأولى أفراييم سنيه، وهو سياسي وطبيب أسنان إسرائيلي وعميد متقاعد في الجيش الإسرائيلي، وتدور حول التقارب الإسرائيلي مع دول ما يُعرف بالمعسكر السني". ويعتبر حمودة أن دراسة العرب عن بُعد في الجامعات العبرية مدخل عملي لتطبيعهم مع إسرائيل، بالإضافة إلى أنها تحمل بُعداً آخر أكثر خطورة، وهو "تجنيد واستقطاب الشباب العربي لصالح إسرائيل"، لا سيما أنها مهدت لدراسة الكابالا في جامعاتها عبر الترويج لها من خلال نجوم ومشاهير العالم مثل مادونا وشاكيرا وغيرهما. وأضاف لرصيف22: "إسرائيل اختارت وسيلة ناعمة لمخاطبة الشعوب العربية والإسلامية، تقوم على التسامح، وصفاء النفوس، فضلاً عن وجود الصوفية في الإسلام، وانطلاق الأديان الإبراهيمية من مصدر واحد، وهو ما اعتمدت عليه في عملية الترويج للكابالا".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard