دردشة سعودية حول "رؤية 2030"... بحثاً عن "السياسة"

السبت 17 فبراير 201804:32 م
اتصل بي صديقي يذكّرني بلقاء الأربعاء الأسبوعي، قائلاً: الليلة هنالك جلسة يحبها قلبك، سيزورنا صاحبك من الرياض. وعندما سألته عمّن يقصد، أجابني بأنه صاحبنا الذي يحترف عالم المال والاستثمار والذي يعيش في العاصمة، التي إلى كونها عاصمة المملكة، صارت عاصمة التحوّل الكبير. التقينا حول طاولة مستديرة. فناجين القهوة وحبات التمر تدور بيننا. قرّر عريف الاجتماع، وهو صاحب البيت طبعاً، الجلوس خارج الخيمة. إنها بداية فصل الربيع القصير العمر. لم نعترض. وافقنا سريعاً. وافتتح العريف الحوار سائلاً الزائر من الرياض عن العاصمة وأحوالها. ذهب الصديق يصف وتيرة التغيير الحاصلة في قطاعات الدولة. كيف أن القطاع العام أصبح يستقطب كفاءات في المناصب القيادية، وأن برامج متكاملة تقود الوزارة لا أشخاصاً ووعوداً، مضيفاً أن فوق كل برنامج ومسؤول عملية تقييم دورية لتنفيذ الخطط، عملية تقيّم أداء المسوؤل والنتائج، أو كما يقول الأمريكيين: شيكس إند بالنسس. ومضى في شرح التغيّر في حركة العمل، وكيف أن هناك عزيمة وإصراراً على الإنجاز، وبأسرع وقت، وأن الطموحات كبيرة بحجم الجبال، ويبقى الوقت العامل الوحيد الذي لا يملكونه، وهو العامل الذي يمكن التحكم به بمضاعفة عدد الأفراد. قاطعت سيل الكلام بملاحظة اعتراضية: كلنا نعلم أن مدة حمل المرأة هي تسعة أشهر، يعني حتى لو جئنا بتسع نساء فكل واحدة منهن تحتاج تسعة أشهر للولادة، وعلينا التفريق بين الوقت والتوقيت. اتفق الصديق معي. وشرح أنه لا يشك في أزمة نقص الكوادر السعودية، مضيفاً أن هناك برنامجاً زمنياً لكل خطوة ومرحلة من الرؤية. ثم نقل الحوار إلى تجارب ولقاءات له مع بعض الجهات الحكومية، مستدلاً بتعيين عدد ممن عمل معهم في الموقع المناسب. وبينما هو يهم في أخذ حبة تمر، توجّه بسؤال للجميع: ما رايكم بالرؤية 2030؟ حاولت الالتفاف على السؤال مشغلاً نفسي بالهاتف المحمول، ذلك أنني لم أقرأ برنامج الرؤية كاملاً، غير أن العريف كان بالمرصاد، وتوجّه إلي مباشرة طالباً التعليق. الموضوع هنا مركب، قلت. نحن أمام رؤية. وصحيح أنها، أي الرؤية، لا تغطي كل المجالات وذلك لأنها ببساطة رؤية! لكن هنا القيمة. في السابق، كنا نشتكي من غياب المشروع، غياب مادة يمكن مناقشتها نقداً أو مدحاً. أما اليوم، فقد انتقلنا من حالة الركود إلى النقاش وهذا، كما يصفه المثقفون، تغيير نوعي في التفكير. والحديث هنا أيضاً مركّب. تختلط فيه المشاعر بالمنطق. فالرؤية وتوابعها تضعنا في حالة سيكولوجية فاقدة للتوازن. وأمام هذه الحالة، لا يمكن الركون للطرق التقليدية في التحليل. من جهة، كنا نعيش من دون قيادة المرأة للسيارة واليوم قيادتها مباحة. صدقني هناك فئات في المجتمع علينا حضنها وحضن نفسيتها للعبور إلى أهداف الرؤية.

قيمة أخرى

كل ما جرى في السنوات الخمس عشرة الماضية، وتحديداً في السياسة يحتاج إلى طريقة التفكير المبتكر. التفكير خارج الصندوق. وهو ما عوّدنا عليه الأمير محمد بن سلمان. وإذا نظرنا من هذه الزاوية لا يمكن الاستنتاج أو التنظير من دون فهم الواقع الجديد. بمعنى أننا في عام 2030، نعرف كيف نريد أن نكون، لكن هل نعرف كيف سيكون شكل المنطقة التي نعيش فيها؟ فالسؤال هو أين رؤية 2030 السياسية؟ والرؤية فتحت الباب لمناقشة هذه الخريطة الجديدة. حسناً، للاقتراب من الموضوع، علينا الرجوع قليلاً إلى الوراء، إلى التاريخ. لا شيء يمكن أن يؤطر أي نظرة مستقبلية من دون فهم عميق للمكون التاريخي. والسياسة خصوصاً تُخاصم مَن يُسقط عامل الجغرافيا من حساباته أو خططه المستقبلية. لذا قصة الجزيرة العربية وموقعها مهم، وقليل من التاريخ وقليل من الجغرافيا لن يضرّا.

صفر مشكلات

في العصر الجاهلي، وقبل الإسلام، حكمت الجزيرة العربية أربع قبائل رئيسة. كانت لها إدارة شؤون المنطقة من بين باقي العرب: تميم في نجد كانت لها سيطرة على بلاد العارض واليمامة (عالية نجد وسافلها، منطقة الرياض وما حولها من القصيم وإقليم الوشم وحتى الخرج)؛ وأسد في الشمال، وهم غير أسد بن ربيعة الفرس بل أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر والتي ساقها الطموح لتشكل ما سُمّى بالحلف الأعظم وسكنت في جبال أجا وسلمى (منطقة حائل). أما الثالثة فهي قيس عيلان المضرية، وكل ما تناسل من عامرها وغطفانها وهوازنها، عبس وذبيان وشيبان وهلال وسليم وغيرهم (في العصر الحديث هم قبائل حرب وعتيبة وسبيع وسليم ومطير وغيرهم)؛ والأخيرة هي قريش في مكة، وقريش اسمه النضر ولُقّب بقريش من التقريش دلالة على القوة، وهي قبيلة عربية كنانية مضرية استقرت في مكة يوم جمعها قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. وإذا كبّرنا الصورة إلى الأطراف، وعلى تخوم الجزيرة تحديداً، سنجد ثلاث قوى إقليمية تحيطها، ولكل منها رافعة عظمى تدور في فلكها ونفوذها السياسي. دولة المناذرة في الحيرة (العراق اليوم) تتبع الفرس؛ والغساسنة في الشام تتبع لبيزنطية؛ وفي جنوب الجزيرة اليمن دولة حمير التي قاومت حتى تم إخضاعها للحبشة.
عاشت الجزيرة العربية فترة من الزمن يمكن وصفها بـ"العهد الذهبي للعصر الجاهلي". تحقق الأمن نسبياً، فانصرف الرجال عن الحروب وتوجهوا إلى الشعر والتجارة والتزاوج... وجهة نظر سعودية تتساءل إن كان على المملكة أن تنتهج سياسة صفر مشاكل؟
وجهة نظر سعودية حول رؤية 2030: "حتى لا نقع في فخ لحظة كوداك، فلنتخيل الصورة التالية... لنتخيل كيف سيكون شكل المنطقة لو صفرنا مشكلاتنا مع إيران والعراق وسوريا واليمن ومصر؟"
هكذا كان شكل الجزيرة لناحية التوزيع الجغرافي للعرب. أما شكلها سياسياً، فقد خيّم التنافس بين القوى المحيطة على علاقة القبائل في ما بينها، وهيمن على الحياة بكل نواحيها، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، كما عطّل عملية الرخاء والاستقرار. حروب طاحنة بين الفرس والبيزنطيين دفعت القبائل كلها إلى احتراف القتل واللصوصية (الإغارة على القوافل التجارية). التجأت كل من تلك القبائل إلى حكم مناطقها بالعرف. ولتفادي الصراع مع جيرانها نسجت تحالفات قبلية أشبه باصطفافات سياسية وأحزاب. تذكرنا هذه الاصطفافات بالانقسام الحاصل اليوم وإن بعناوين مختلفة (ممانعة واعتدال). تشكّل يومها حزبان عريضان بين القبائل هما شبابه وخندف (وما زالت هذه النخوة باقية إلى اليوم بين قبائل الجزيرة). وبالرغم من ذلك دارت بينهم صراعات وحروب بالوكالة، كداحس والغبراء والبسوس وغيرها مما ورثناه من قصص وملاحم. أفضت الصراعات المستمرة والطويلة بين الأحزاب القبلية (حرب البسوس استمرت أكثر من أربعين سنة) إلى فراغ كبير في القوة، رافقته تحولات في التركيبة الاجتماعية القبلية. وقد فاض التراث العربي بالشعر واصفاً هذه المرحلة. ومن أبرز من أنشد فيها شعراً الشاعر عمرو بن كلثوم في معلقته الشهيرة التي يصف فيها كيف انتقم من إهانة ملك الحيرة عمرو بن هند لأمه قائلاً: بأي مشيئة عمرو بن هند تطيع بنا الوشاة وتزدرينا، وأكمل: ألا لا يجهلن أحد علينا. وكنتيجة لاستمرار الحروب، تعطلت حركة السلع القادمة من الهند ووسط آسيا، وانقطعت البضائع في مناطق الصراع، وعانت الكثير من القبائل من حالة جوع وفقر، ما أثر سلباً على أمان القوافل التجارية وغير التجارية. وفي ما يخص الاقتصاد، لم تستطع أي من القبائل خلق دورة اقتصادية سليمة، حتى بمعايير ذاك الزمن. وكما في أي استثمار أو سوق تجاري، الاستقرار هو الأساس، ولا مساكنة بين المصالح والأسواق بدونه. فكان لكل منهم خياران: المواجهة أو الموالفة (من الإيلاف). لم يكن لأي من القبائل مركز حضاري أو عاصمة محددة، بل اتسمت مناطقها بملامح معيشية خاصة بكل قبيلة: قرى أو مضارب ومناطق تجمّع حول الماء. باستثناء قريش. فمدينة مكة لديها تميّز. مكة كان يزورها الجميع لرمزيتها الدينية. يزورونها للحج. وتشهد في الأشهر الحرم سوقاً محلياً تعرض فيه منتوجات كل قبيلة. غير أن تأثير الحروب كان واضحاً من موسم إلى موسم: تسرق القوافل وتقطع الطرق التجارية، ما أدخل اقتصاد مكة في دوامة، سنة حسنة وسنة سيئة لتصبح سنين متتالية سيئة. تميزت قريش عن باقي القبائل في الموقع. تفوقت عليهم بالجغرافيا. صحيح أن مكة محدودة الإنتاج، واد غير ذي زرع، إلا أنها تقع في منتصف طريق التجارة بين الشمال والجنوب والشرق والغرب. ميزة أدركها سيد قريش هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب (جد الرسول صلى الله عليه وسلم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم). وانطلاقاً من ذلك، برزت رؤية هاشم لتحويل مكة، اقتصادياً واجتماعياً. ولكن لنجاح هذه الرؤية، كان لا بد من إدراك شقها السياسي. وتلك قصة أخرى. أدرك هاشم أهمية موقعه الجغرافي. فهو يرعى قوافل العرب التي تأتي سنوياً لحج البيت. كل القبائل كانت تأتي لتبيت أياماً وأسابيع ثم ترحل إلى مضاربها. هنا قيمة. هذه الحركة المكثفة لا بد من تحويلها إلى عنصر استفادة، إلى سوق كبير أشبه بالسوق الأوروبية أو أسواق آسيا الناشئة في هذا الزمن. ولتحقيق ذلك، كان لا بد من صد انعكاس الصراعات الدولية على الجزيرة. فاتخذ هاشم من صفر مشكلات مع محيطه سياسة لرؤيته. وبحكم معرفته بأسواق الشام وذهابه إليها، سعى إلى توقيع اتفاق مع البيزنطيين. وبعد لقائه القيصر اقترح هاشم عليه أن يفتح أسواق الشام للتجار المكيين وإعطائهم حرية الحركة مع دفع مبالغ متفقة للمكوس (جمرك بمصطلح اليوم) في مقابل فتح السوق العربية وضمان حرية الحركة للبضائع البيزنطية وضمان سلامة تجارهم وطريقهم ذهاباً وإياباً. عاد هاشم من رحلته حاملاً اتفاقه ومصفراً مشاكله شمال الجزيرة. وعند مروره بكل قبيلة جيّر اتفاقه معهم، عارضاً عليهم أن تحمل القوافل الشامية فائض منتوجاتهم لتسويقها وبيعها في مقابل حمايتهم. وإن لم تكن للقبيلة من تجارة فلها مقطوع مادي كأجر حماية. حققت القبائل أرباحاً جديدة من جراء بيعها بضائعها في أسواق جديدة وبكفالة حضورية وغرمية متمثلة بالقوافل نفسها. انتعشت مكة اقتصادياً ومعها الطريق الرابط بينها وبين الشام، وكثرت زيارات التجار البيزنطيين إلى مكة في إشارة إلى أن القيصر كان يرى في الاتفاقية أكثر من شقها الاقتصادي. وتحوّلت مكة إلى مدينة اقتصاد وخدمات وإلى مركز تجاري لكل من يريد العمل أو المتاجرة في الشام. وبعد موت هاشم في إحدى رحلاته، أكمل إخوته مشروعه. واستمروا في سياسة صفر مشكلات. استمروا في الرؤية. فذهب شقيقه عبد شمس (أبو أمية، جد الأمويين) إلى الحبشة مقدماً العرض نفسه إلى حاكمها النجاشي الذي قبل العرض فاتحاً السوق الحبشية أمام التجارة المكية. وذهب نوفل إلى بلاد فارس عاقداً اتفاقاً مع كسرى فاتحاً السوقين العراقي والإيراني. وأيضاً، سعى أخوهم الرابع المطلب لأخذ العهود والمواثيق من زعماء القبائل اليمنية في مؤشر على إدراكه البيئة المتقلبة، حيث يطغى حكم الزعامات المحلية على السلطة المركزية. ومع كل تصفير لمشكلة، يذهب الإخوة لتأمين خط التجارة. ويسعون للاتفاق مع القبائل الأخرى. من هنا، أصبحت قريش مركز ثقل إقليمي. تخرج كل سنة رحلتان صيفاً وشتاء. الشام في الصيف واليمن في الشتاء (المشار إليهما في الآية القرآنية الكريمة برحلتا الشتاء والصيف)، فضلاً عن انتعاش الأسواق المحلية كسوق عكاظ. راحت القوافل التجارية تجوب العراق والشام واليمن ومصر محملة بكل البضائع: الصوف والأقمشة والأسلحة من أهل الجزيرة والعود والبخور من الهند والمنسوجات من مصر عدا عن خمور الشام الشهيرة، كخمر قرية بالقرب من دمشق اسمها الأندرينا التي جاء ذكرها في معلقة عمرو بن كلثوم: ألا هبي بصحنك وأصبحينا ولا تبقي خمور الأندرينا. هكذا عاشت الجزيرة فترة من الزمن يمكن وصفها بـ"العهد الذهبي للعصر الجاهلي". تحقق الأمن نسبياً، فانصرف الرجال عن الحروب وتوجهوا إلى الشعر والتجارة والتزاوج. وتحولت مكة إلى عاصمة إقليمية، منصّبة قريش سادة بين العرب، إذ أصبحوا وسطاء عند حدوث الخلافات بين التجار والقبائل، وجدار عزل ودرعاً للجزيرة عند المنعطفات السياسية الكبيرة. نشطت أيضاً الحركة المالية وأعمال الصيرفة مع رصد تداولات للعملتين الفارسية والبيزنطية. وارتفعت جراء ذلك حركة التجارة في موانئ البحر الأحمر كميناء جدة.

الدعوة المحمدية

ظهرت الدعوة المحمدية. نادى النبي محمد بالمساواة بين البشر، وبأن لا فرق بينهم إلا بالتقوى. عندها تعطلت الإدارة في العاصمة بسبب المعارضة الشرسة للدعوة من قبل سادة قريش. إثر ذلك، تراجعت الأحوال عن وضعها السابق. حاول سادة قريش إحياء الأمور حين عرضوا على النبي الصفقة الشهيرة: هم يقبلون بعبادة إله واحد وهو يلغي مبدأ المساواة. جاء الرفض المحمدي حاسماً. لم يكن ذلك ليفيد حتى لو وضعوا الشمس والقمر بين يديه. من هنا يتضح سبب معارضة قريش للدعوة الإسلامية. فالمعارضة خصوصاً من كبار مكة كانت تعبيراً عن خوفها من خسارة مكتسباتها السياسية والاجتماعية. وبعد أن انتصرت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، استقرت الإدارة وبدأ القطاع الخاص بالازدهار، وفاض بيت مال المسلمين بعد النجاح الباهر للفتوحات الإسلامية التي شكلت دورة اقتصادية غير مسبوقة ومن ضمنها حروب الردة حتى مقتل الخليفة عثمان بن عفان. دب الخلاف بين الصحابة، لتتعطل نواحي الحياة من جديد. هنا، كانت فترة من اللا استقرار وجد فيها الرومان فرصة للتدخل ومعهم الفرس، لتنتهي تلك الحقبة بأحداث دموية تركت في وجدان الإسلام والمسلمين جروحاً عميقة، أحداث طبعت بدمائها المجتمع والثقافة وتفسير الشريعة الإسلامية حتى يومنا هذا. أما سياسياً، فقد انتقلت عاصمة الخلافة من الجزيرة إلى الشام، لتغرق القبائل في الجزيرة العربية مرة أخرى في صراعاتها، وترجع إلى اصطفافاتها القديمة بعناوين جديدة: يمانية وقيسية؛ عربية وشعوبية؛ رجعية وتقدمية في أواخر القرن العشرين. ولمحبي نظرية حركة التاريخ، لم تسترجع الجزيرة العربية مكانتها في السياسة العالمية إلا بعد أكثر من ألف سنة تقريباً (منذ انتقال العاصمة السياسية للعرب والإسلام إلى دمشق وبداية العهد الأموي)، وتحديداً عند توحيدها على يد الملك عبد العزيز آل سعود الذي ما أن أطلق المملكة العربية السعودية ـ الدولة في العام 1932 حتى استعاد سياسة صفر مشاكل مع المحيط، لتخرج الرياض كالمارد، كمركز طاقة وعاصمة عربية إسلامية. وفي هذا السياق، لنا أن نستنتج أن الرياض السياسة التي ولدت من رحم الحرب العالمية الأولى وتبلور دورها في خضم الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة (الصراع بين الأمريكيين والسوفيات)، تموضعت في المعسكر الغربي. وأما في الإقليم، فقد سعت كعاصمة وكمركز إقليمي لتجنيب المنطقة تداعيات وتأثير الصراع بين القوى العظمى. طبعاً، التاريخ أعمق من القفز بين أحداثه وسنواته. هذا صحيح. وقد يقول البعض إن اجتماع هاشم بن عبد مناف مع قيصر بيزنطية لم يحصل، وهذا دقيق، وإن هناك مشاريع إسلامية وعربية سجلت في صفحات الكتب وساماً لتقدم العرب الحضاري، وهذا أكيد. لكن المقصود هو تاريخ تبوّؤ الجزيرة العربية مركز القيادة وليس المسلمين أو العرب. هنا يمكن استحضار كلمة المؤرخ الأستاذ حمد الجاسر حين وصف غياب تاريخ مسجل لتلك المرحلة بأن "نجد عاق للتاريخ"، في إشارة منه إلى أن قلب الجزيرة، بعد انتقال العاصمة إلى الشام، لم يبرز كمحرك سياسي أو اقتصادي طوال تلك السنين. بينما دخل الحجاز عهد الوصاية بأنواعها. فقد انتقل من وصايات شامية إلى مصرية ثم مملوكية ثم عثمانية لترجع مصرية مطلع القرن العشرين. أما الأحساء ودارين وبلاد عبد قيس ونجران وجازان وعسير، فقد أدارت شؤونها وفق التقلبات الدولية. نصل إلى أنه، باستثتاء المراحل الثلاث المذكورة (قريش، الخلافة، السعودية)، لم يسجل التاريخ أي كيان سياسي ذي دور إيجابي ووازن في الإقليم. ويمكن الجزم إذا دققنا في تلك المراحل بأن القاسم المشترك بين الثلاث هو سياسة صفر مشكلات. سياسة محاورة الجوار. الجغرافيا لا تكذب أو تتلون يا صاحبي. والجيران هم أنفسهم من ألف سنة.

شرفة العالم

قررت أخذ استراحة محارب بعد العرض التاريخي الطويل، وهممت بأخذ رشفة ماء أروي فيها عطش الحوار الذي بدأت ترتفع حرارته. "طيّب"، يقول عريف الجلسة. فهمنا ما تدعيه بالتكوين التاريخي. لكن نحن أولاد اليوم. ماذا عن الحاضر والمستقبل الذي كنا نناقشه؟ "معك حق"، أجبته. ما يهم هو الحاضر. ولكن لمعرفة الواقع المعقد وتحديداً في لحظة التغيّرات الكبرى، يجب الرجوع إلى الأساسيات، إلى الإستراتيجيا. خطة التحول التي ننتمي إليها تحتم علينا تأمل أحوال الإقليم. نحن نعيش في منطقة من كوكب الأرض فيها أكبر الثروات الطبيعية. النفط مثلاً يربطنا مباشرة مع الاقتصاد العالمي وهو وقود الحضارة الإنسانية حتى اللحظة. وأيضاً، تُشكل منطقة الشرق الأوسط شرفة مطلة على كل حركة في هذا العالم سواء مالية أو معلوماتية أو تجارية. نحن نطل على سبعة بحار (الخليج العربي والبحر الأحمر وبحر العرب والبحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود وبحر قزوين). ونشبك ثلاث قارات برياً (آسيا وأوروبا وإفريقيا). غير أن هذه الشرفة تشهد صرعات طائفية ودولية. وكل امتيازات هذا الموقع تهدر بسبب غياب نظام إقليمي. أصلاً، المجتمع الدولي لا يستطيع الانتظار حتى تنتهي هذه الصراعات، وإن كان مشاركاً فيها بشكل مباشر أو غير مباشر. من هنا علينا إعادة قراءة الخريطة. فلو استمرينا في النظر إلى أزمات العراق وسوريا كصراعات فقط، سنسقط في فخ التشويش. المهم النتيجة. إذ بعد أكثر من خمس عشرة سنة من الصراع والحروب بالوكالة على أرض الشام والعراق، نحن أمام خريطة جديدة، خريطة سياسية أفرزت واقعاً جديداً. فلقد نتج عن هذين الصراعين اتفاقان دوليان جديدان، يحمل كل منهما سلة من المتغيرات: الأول هو الاتفاق النووي الإيراني مع الخمسة + واحد، والثاني هو مسار جنيف وبناتها بخصوص سوريا. ويبدو أن المجتمع الدولي حريص على بناء نظام إقليمي، معرباً في أكثر من مناسبة ومحفل عن عدم رغبته في الرجوع إلى ما قبل العام 2015، أو حتى قبل احتلال العراق عام 2003. بمعنى أن كل مجهود أو عمل ينصب في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء يعتبر مناكفة للرغبة الدولية. قد يجادل البعض بأن هذه الاتفاقيات قد تلغى، وبأن الصراع الدائر لن يتوقف. فهناك إسرائيل وإيران وتركيا وروسيا وأمريكا. كل ذلك ممكن، إلا أن الواقع يجعلنا ننظر إلى الصورة التي ترتسم أمامنا حتى اللحظة. ما نريده في المستقبل هو ما نتحاور عليه. إضافة السياسة إلى برنامج الرؤية هو الهدف من هذا الحوار. تعالوا ننزع التمنيات عن الواقع وبالتالي نرسم شكل المستقبل. فالفرق بين التخطيط والتمني هو أن المخطط يتعامل مع النتائج أما التمني فيريد إعادة تدوير النتائج. خضنا في الساعة التالية نقاشاً حاداً حول الواقع الجديد. بين من يرى أن الاتفاق النووي سيلغى ومن يعتقد عكس ذلك. دخلنا في تفاصيل التفاصيل. أُجهد الكل، لكأن النقاش أدخلنا في نفق مظلم. خيم الصمت على الجميع. لا شيء يضيء الحوار غير أضواء الهواتف المحمولة. هي لحظة كوداك. من منّا يتذكر هذ العبارة، قلت كاسراً حاجز الصمت. نظر الصديق من الرياض نحوي بابتسامة مريبة. ثم صب القهوة في فنجاني وهو يهز برأسه. يعرف ما أنوي قوله. هو متابع حثيث لأداء الشركات العالمية. هي العبارة التي كانت تطل علينا من شاشة التلفزيون، وتبث فينا شعوراً بالدفء والسعادة. تظهر في الإعلان أمامنا عائلة مجتمعة حول طاولة الطعام في الحديقة محاطة بالشجر الأخضر والورود. ضحك ومرح. ثم يخرج الأب من خلف الكاميرا لالتقاط اللحظة وأخذ الصورة وبالألوان، لينتهي الإعلان أمامنا بشعار شركة كوداك. هل تتذكرون هذا الإعلان؟ أين هي الشركة اليوم؟ وهل يعرفها أبناؤنا؟

شركة كوداك نموذجاً

اشتهرت شركة كوداك بمنتجاتها من أفلام التصوير الضوئي، لتصبح أيقونة هذه الصناعة حتى وصلت حصتها من قطاع التصوير الأمريكي إلى 90%. طوال فترة عمل الشركة لأكثر من مئة سنة (تأسست عام 1892) تربعت على كرسي الزعامة. وظلت تحفر في ذاكرتنا بالتقاط صور من لحظات حياتنا. بدأت تتصاعد الصعوبات أمام الشركة عند دخول منافسين جدد إلى السوق الأمريكية، وتحديداً عند الغزو الياباني في ثمانينيات القرن الماضي، الغزو الذي أربك إدارة الشركة، وأربك المستهلك أيضاً. لكن إدارة كوداك رفضت الاعتراف بأن المستهلك الأمريكي قد يشتري منتجاً جديداً. لم تدرك أن الولاء يتبدّل ويواكب تقديم الخدمات الجديدة وبأسعار تنافسية، ولا يسير بحسب العادة أو القانون. الموضوع استهلاكي وليس إيديولوجي. على الأثر، واجهت الشركة مشاكل مالية عدة جراء التدخلات الخارجية المنافسة. سعت الإدارة للحفاظ على حصتها السوقية وحاولت جاهدة تقليص التكاليف والهدر والفساد. ولكن زاد الطين بلة أن بدأ عصر الكاميرات الرقمية والتقادم التكنولوجي، ما دفع إدارة الشركة للتمسك أكثر بطريقة عملها المعتادة بدل البحث عن المستقبل الجديد. وهكذا ذهبت تتخبط بين الأسواق والموارد وبين التنافس والتعاون وبين العالمية والمحلية. إلا أن التحدي كان على مستوى آخر، على مستوى الدور وليس الإدارة. فات على إدارة الشركة أن عليها خوض عملية تحوّل. فات عليها أن الشركة تنتج موادّ صناعية لا تنتمي إلى سوق العصر. ومع استمرار الخسارة في الحصة السوقية تعقدت الأمور، وأصبحت النظرة المستقبلية للشركة مشوشة. شركات جديدة دخلت على الخط. أفلام حديثة تسجل اللحظة وتنقلها بسرعة الضوء. المهم، أدركت الإدارة متأخرة حجم التحول. تقبلت إدارة الشركة الواقع لكن فاتتها لحظة كلفتها غالية: الدور أولاً. ضحك أحد الزملاء قائلاً إنه تشتت. قال: كنا نتكلم عن الرياض وأحوالها. ثم عن برنامج الرؤية. وتسلينا في الرحلة التاريخية. لكن كيف انتهينا بكوداك؟ نظرت إلى الساعة في معصمي. وجدتها تشير إلى منتصف الليل. لكن عريف الجلسة استدرك وقطع محاولة الاستئذان، مطالباً بعملية ربط لما كنا نتكلم فيه. حاولت التملص من استكمال النقاش ولكنني فشلت. وإذ بأكواب القهوة تقدم للجميع. والفرق بين الساعة 12 ليلاً والواحدة فجراً فقط ستون دقيقة. كان هذا هو التبرير. "لحظة... لحظة" يصيح أحدهم. ماذا عن الرسوم المفروضة وتقليص اعتمادنا على إيرادات النفط. ذلك جزء من الرؤية.

ماذا عنها؟

إجراء طبيعي. الرسوم الحكومية هي القابلة القانونية للتحول. أما في ما يخص النفط، لنعترف كما اعترف الأمير محمد بن سلمان: نحن مدمنون. ويجب معالجة هذا الإدمان. ثم النمط الاستهلاكي المفرط الذي نعيشه غير صحي لجسم المواطن وجسم الدولة. لنتفق هنا، نحن نريد من الدولة أن تقود القافلة والمسيرة. نريدها أن تجرّ عربة المجتمع نحو المستقبل. هذا ما نريده صحيح. حسناً، عربة المجتمع اليوم أشبه بشاحنة وزنها أكثر من مئة طن محملة ببضائع ثقيلة جداً، بإدماننا وحياتنا الاستهلاكية ناهيك عن بعض الأفكار الاجتماعية البالية. نحن نريد أن نجر شاحنة ثقيلة الوزن باستخدام دباب (الدولة)! معظم الإجراءات والتغييرات الداخلية تصب في خانة التحول ولكن أين السياسة؟

الربط

يحكى أنه يوم تبوأ إلياس سركيس منصب رئاسة الجمهورية اللبنانية في العام 1976، استدعى رئيس جهاز مخابراته جوني عبده. جلس الرئيس على الكرسي الأول في الدولة يبحث عن الجمهورية. يومها كان لبنان غارقاً في كل أنواع الحروب، الأهلية وبالوكالة والإقليمية وحتى الدولية. وذهب يخطط مفصحاً عن رؤيته للمستقبل. غاص سركيس في التفاصيل وأبحر بين أمواج التحليل. عندها، قاطعه جوني عبده سائلاً: "فخامة الرئيس أنت تبحث عن سياسة لإدارتك أم إدارة لسياستك؟".

رجوعا إلى حوارنا

لدى كثير من الناس اعتقاد بأن التغيير والتحول مجرد كلمات. المهمة الصعبة لأي مسؤول دائماً تكون في كيفية ترجمة هذه المفردات إلى مشروع وبرنامج. الرؤية أولى الخطوات. وبما أن الرؤية مبدأ متداول في السعودية دخلنا في الناقش حولها. فنحن نبحث عن ماذا؟ سياسة لرؤيتنا أم رؤية لسياستنا؟ مثلاً، أعلنت الدولة رغبتها في طرح أسهم شركة أرامكو للاكتتاب العام. ذلك أن من أهداف الرؤية تطبيق الشفافية والمساءلة في العمل وأيضاً التماشي مع دور صندوق الاستثمارات العامة. هذه هي الرؤية أو جزء منها. لو ذهبنا إلى سنة أولى في المرحلة الجامعية في تخصص علوم سياسية لاستحضار بعض القواعد الأساسية في التحليل، قد نحقق الربط. سنجد أن كل موقع سياسي عبارة عن أرض وموارد. السعودية أرضها الجزيرة العربية مطلة على الخليج والبحر الأحمر، ومواردها نفط وغاز ومعادن وغيرها. ويرادف كل موقع فضاءات، فضاءات إعلامية وعسكرية وثقافية وغيرها. ضم كل هذه العناصر في خطة عمل اسمها سياسة هو التحدي. فالسياسة ليست عملاً تطوعياً أو جمعية خيرية. ما تخسره يكسبه طرف آخر، حليف أو عدو. لكن يظل العمل السياسي في خلق توازن بين الفضاءات والأرض والموارد، وهو ما لم يحصل في حالة دولة قطر الشقيقة. تضخم الفضاء الإعلامي عندها بما لا يتناسب مع حجم الأرض والموارد، ناهيك عن القدرات العسكرية والثقافية. نحن ندعي الانتماء إلى برنامج الرؤية 2030. وننتمي إلى القرارات التي تخدم عملية التحول. إلا أن الأوضاع الإقليمية لا تتماهى مع الطموح. ولربما تعيق تحقيق الرؤية نفسها. ففي المحور الأول من النقاش ومن الزاوية التاريخية وجدنا أن سياسة صفر مشكلات كانت الرافعة لأي طموح وريادة. وأما في ما يخص الدور وحجمه، من غير المقبول لبلد بموقع السعودية ومواردها أن يعاني من انحسار في دوره. كما أنه من غير المعقول إغفال نظرتنا المشوشة تجاه المنطقة. وحتى لا نقع في فخ لحظة كوداك، فلنتخيل الصورة التالية: لنتخيل كيف سيكون شكل المنطقة لو صفرنا مشكلاتنا مع إيران والعراق وسوريا واليمن ومصر؟ لم لا؟ أعتقد أن أهم قيمة في رؤية الأمير محمد بن سلمان هي التفكير المبتكر أو التفكير خارج الصندوق. ليكن السعي إلى التحول من المواجهة والاشتباك. وعلى فكرة، الاشتباك هو مزيج بين التنافس والتعاون. عندها لا تعود مواردنا في حالة تناقض مع الأسواق المستهلكة، وتصبح حركتنا متناسقة مع التوجه الدولي والإقليمي، ونكون قد تحايلنا على الوقت الذي لا نملكه. "هل يقبل الروسي"؟ يسأل أحد الحضور. لا أعرف ولكن على الأقل أعرف ما أريد إذا ما تحاورنا. يلملم الحضور أفكار الجلسة مع رنة هاتف أحد الجالسين. لقد دق جرس إغلاق السهرة.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard