أروح من اِسمي فين؟

الثلاثاء 13 فبراير 201803:40 م

إسمي قطعة مني، لم أختْرُه لكنه ذات يوم صار من العلامات التي تخصني، شأن الجميع يعبر عني. يسير معي، ويختصرني.

أحمل سجل حياة، هو أول عناوينه، لكنني لم أحبه.

لم أشعر يوماً أنني أنتمي له، وألوم نفسي على عدم تغييره، قبل أن يلتصق بي حتى الممات.

أعود إلى كتاب يومياتي فأجدني أسجل من وقت لآخر جملاً تعجبني وتشترك بها جميعاً كلمة مكررة، هي أسماء.

أندهش قائلةً هل هو مصادفة أم عقدة؟

أتذكر أغنية فيروز “أسامينا .. شو تعبو أهالينا تلاقوها و شو افتكرو فينا الأسامي كلام .. شو خص الكلام ".

أقول لنفسي إن فيروز تجعل لكل شيء معنى، خاصةً أن صوتها يجمل كل الأشياء، لكني أقف ضد معنى أغنيتها وأميل إلى الاعتقاد بأن الاِسمَ الحسن سيجعل صاحبَه مقبولاً اجتماعياً، بينما ترافق الاسمَ الغريب أو القبيح مشاكل قد تؤثر سلباً على علاقات حامله.

حاولْ أن تحمل اسماً لا يمثلك، إنه حمل ثقيل لا يعرفه سوى من حمله، وأنا واحدة من اللواتي يحملن أسماء غريبة عنهن فُرضت عليهن.

عرفت إسمي لأول مرة عندما كان عمري ست سنوات، فقد كنت أعيش كمن يحمل جنسيتين: وسط أهلي وأقاربي وفي بيتي إسمي "نهى" لسنوات.وفي المدرسة اكتشفت أن اسمي الحقيقي هو هانم.

هانم: السيدة، المدام، التي تنتمي للطبقة البرجوازية أو الاستقراطية من عصر مضى.

هانم هو إسم جدتي. وهو بلا شك اسم عتيق، قديم ولا يشبهني.

طوال عمري أحمل إسم جدتي، والدة أبي، التي لم أرها ولم تولد بيني وبينها أي صلة، فقد توفيت قبل ميلادي، وكوفاء من الأسرة لها حملت إسمها.

عشت به كمن يحمل عبئاً ثقيلاً، عبئاً لا أستطيع الإفلات منه. هانم هو قدري وأنا غير قادرة تماماً على القطيعة معه أو الفرار منه.

هانم وصدام

بعد عملي الصحفي، صار إسمي مميزاً بين زميلاتي، وصرت أتعايش معه لكن سرعان ما دخل حياتي اسم آخر ثقيل.

إسم زوجي صدام. صدام كمال الدين.

مع كل سؤال عن اسم زوجي أسمع تعليقات حول غرابة إسمه وضحكات تخجلني. هو نفسه كتب مقالاً في مجلة صباح الخير المصرية معبّراً فيه عن معاناته مع إسمه، قال: أصبح إسمي حاجزاً كبيراً بيني وبيني.

قبل احتلال العراق كان يفتخر بإسمه لما له من رنين، ولحبنا للـ"أبطال" العرب.

ولكن بعد الأحداث الأخيرة واحتلال العراق وإعدام صدام حسين بدأت تواجهه تعليقات سمجة وسخيفة.

يقول زوجي إنه خلال عمله في الصحافة قابل فنانين عراقيين خرجوا من العراق هرباً من بطش صدام وولديه عدي وقصي، كالفنان كاظم الساهر الذي قابله عام 2005. فقرر أن يخفي عنه اسمه الحقيقي، خوفاً من رد فعله.

وفي موقف آخر، صودف وجوده في معرض الكتاب وقابل الشاعر كريم العراقي، وهو شاعر معروف كتب العديد من الأغاني للفنان كاظم الساهر، وبدأت بينهما رحلة التعارف بقول الشاعر حينما سمع اسمه: "تركتُ العراق وهربت منك 14 عاماً وأعود لأجدك في مصر".

قوائم الأسماء الممنوعة في العالم

قرأت أخيراً أنه أصبح هناك منع لتسمية المواليد بأسماء معينة في عدد من دول العالم. للمثال، رفضت السلطات التركية عام 2002 محاولة والد طفل ألماني من أصول تركية تسجيل ابنه باسم أسامة بن لادن.

كما وضعت السلطات البرازيلية قائمة بالأسماء الممنوعة، على رأسها إسم الرئيس العراقي صدام حسين.

ومنعت السلطات في ولاية سونورا بالمكسيك تسجيل المواليد باسم "هتلر"، ولديها قائمة بالأسماء الممنوعة مثل "روبوكوب" و"بيرغر كينغ" و"فيرجين" باعتبارها مثيرة للسخرية.

تمنيت مرات عدة أن يصبح إسمي ضمن قوائم الأسماء المرفوضة في مصر لكي لا يظلم فتاة أخرى.

وعندما قرأت كتاب الكاتب عباس الطرابليي «غرائب الأسماء المصرية»، خِفت أن أجد إسمي، هانم، بطبقيته وثقله، وحمدت الله أنه لم يبلغ بعدُ درجة "الغرائب والعجائب".

لفتتني في الكتاب أسماء كأبو النيل وأبو شنب وأبو ستة وأبو جبل، فهان اسم هانم عليّ. وازداد جمالاً حينما قرأت عن أسماء تستدعي الهزء مثل البغل والجحش والحيوان والغراب...

أغلقت الكتاب وتذكرت جدتي، وشكرت الله لأني لم أولد ولي جد سماه أبوه بغل، حتى لا أحمل اسمه وأسير به مثقلةً.

واللي يشوف اسم غيره، يهون عليه هانم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard