هل نولد ضحايا أم يولدون خنازير؟… عن الحق في الإزعاج

الاثنين 5 مارس 201804:43 م
أخذ بيان "الحق في الإزعاج" شهرته من شهرة الممثلة كاثرين دونوف التي كانت من ضمن 100 امرأة وقّعنه، حتى بات يعرف ببيان "دونوف والـ99 امرأة". جاء البيان في صيغته الفرنسية، رداً على الحملة العالمية ضد التحرش "أنا أيضاً"، والتي انطلقت إثر فضيحة المنتج الهوليوودي"هارفي وينستون"، حيث أخذ البيان الفرنسي على الحملة مغالاتها في معاداة الرجال واتهامهم اعتباطاً بالاعتداء الجنسي الذي لم يكن ليتجاوز في كثير من الأحيان اختلاس قبلة أو ملامسة ركبة. وأكدت الموقّعات الفرنسيات أن الاغتصاب جريمة يعاقب عليها القانون، أمّا التحرش المزعج فليس كذلك، بل هو سوء تصرف لا مفر منه لصون الحرية الجنسية، وأن الرد عليه لا يكون بتحويل المرأة "ضحية أبدية". اختُتم البيان بأن الحوادث العابرة تطاول جسد المرأة لا كرامتها، فهي ليست جسداً فقط، وحريتها الداخلية لا يمكن انتهاكها، وهي حرية مسؤولة لا تخلو من الأخطار. بدا النص في صيغته تلك صرخة "ليس أنا"، ترفعها نساء دفاعاً عن الحرية الجنسية وحرية التعبير، ثم الحق في الإزعاج والإساءة العابرة، مقابل صرخة "أنا أيضاً" لنساء استعدن أصواتهن المكتومة في تفريغ ألم ألحقه بهن رجال انتهكوا يوماً حرمة أجسادهن.

صرخة مقابل صرخة أم صرخة تسكت الأخرى؟

في الواقع، تعرض البيان الثاني لهجوم شديد من قبل نسويات أمثال "كارولين دوهاس"، وجدن فيه استهتاراً بالعنف الجنسي ضد المرأة، واحتقاراً لمعاناة النساء، ووجّهن إليه نقداً لاذعاً لإلقائه المسؤولية كاملة على عاتق المرأة في منع الاعتداء عليها، ووجوب تربيتها بناتها بلا خوف أو شعور بالذنب كيلا يتحولن أيضاً ضحايا، هذا من دون أي ذكر لتربية الأبناء الذكور في مجتمعات ما زالت ذكورية بامتياز. أما النصيب الأكبر من الهجوم فقد تعرضت له النجمة "كاترين دونوف"، حيث اتهمت بأنها امرأة بيضاء بورجوازية، لم تعرف بشاعة الاحتكاك الجسدي العمد في وسائل المواصلات العامة التي لا تستخدمها حتماً. فيما ذهب البعض أبعد من هذا في اتهام مبطن لها بالعنصرية، فهي قد تدافع عن صديقها المخرج "بولانسكي" المتهم بالاغتصاب وعن آخرين من رجال النفوذ والسلطة في الوسط السينمائي، فيما سيكون موقفها والـ99 امرأة مغايراً تماماً، لو كان المعتدي من أصحاب البشرة السمراء أو من أبناء الضواحي الباريسية الفقيرة. ردت دونوف على الاتهامات برسالة نشرتها في صحيفة ليبراسيون الفرنسية، دافعت فيها عن أن البيان ضد التحرش، وإلا لم تكن لتوقعه. لكنها أعربت عن خوفها على الحرية الفنية من الرقابة الحالية وأجواء الحذر والخوف التي باتت تسيطر على الفن بعد حملة "أنا أيضاً" التي أبدت، حسب رأيها، عدائية تجاه الرجل الذي تبحث "دونوف" عن علاقة أكثر انسجاماً معه. إلّا أن النقطة الأهم في رسالة دونوف، كانت جملتها الأخيرة التي اعتذرت فيها من ضحايا الاعتداء الجنسي اللواتي شعرن بالإساءة من نص البيان. "لهن وحدهن أقدم اعتذاري"، كتبت دونوف. أما اتهامها بأنها ليست من مناصري "النسوية"، فردت عليه بأنها كانت من ضمن 343 امرأة وقعن أواخر الستينيات عريضة مطالبة بحق المرأة في الإجهاض، وأنها اليوم تشعر بالقلق على الحرية الجنسية التي حققتها ثورة 1968. والجدير بالذكر هنا أن الممثلة المتهمة بـ "باللانسوية" وبالبورجوازية، هي نفسها الممثلة التي بدأت حياتها الفنية أواخر الستينيات بالفيلم الأيقونة "حسناء النهار"، حيث لعبت فيه دونوف واحداً من أجمل أدوارها وأجرأها على الإطلاق، وقامت بتجسيد دور امرأة بورجوازية تمارس الدعارة سراً بحثاً عن فهم الذات والآخر. وعلى الرغم من إباحية الموضوع، إلّا أنّ الفيلم لم يكن إباحياً، بل كان بمثابة سبر عميق للنفس البشرية من خلال االخيالات الجنسية المعتمة للنساء. وكان دور دونوف في هذا الفيلم تحدياً وكسراً للصورة النمطية للمرأة البورجوازية البيضاء، تمكننا رؤية البيان بأنه محاولة لكسر خطاب نسوي بات يحتكر قضية المرأة ويصادر أي رأي مخالف، كأننا لا نستطيع أن نكون مع حقوق المرأة من دون أن ننتمي إلى النسوية الحالية. اليوم، يجد الغرب نفسه مطالباً، بعد تلك البيانات والبيانات المضادة كلها، بتعريف جديد للعلاقة بين الجنسين، حيث باتت الحدود غائمة بين الغزل والتحرش، أو بين الاعتداء الجنسي والجنس السيئ كما حدث مع الممثل الأميركي "عزيز الأنصاري" الذي اتهم من قبل امرأة بالاعتداء الجنسي، ليتضح في النهاية أن ما حصل كان بملء إرادتها، وإن لم يندرج تحت خانة "الجنس الممتع" الذي حكماً لا يعاقب عليه القانون. ودرءاً لأي التباس مشابه، وصل الأمر ببلد كالسويد إلى تشريع قانون يجبر المعنيين بالحب على توقيع وثيقة قبل ممارسة الجنس تؤكد موافقتهما عليه، ما جعل صحيفة ألمانية تتهم السويديين، على سبيل النكتة، بأنهم أصبحوا من أقل الشعوب رومانسية بعد إيران والسعودية.

هل التحرش من خصوصيتنا العربية؟

هذا السجال الأخير في الغرب هو دليل عافية مجتمعية، وسيقود حتماً إلى بلورة مرحلة "ما بعد نسوية" يعاد فيها صوغ العلاقة بين الجنسين. لكن هذا السجال كله يحدث كأنه على كوكب آخر بعيداً جداً منا كشعوب عربية، فأين نحن من كل ما يحصل؟ سأسمح لنفسي بداية بالاستعانة بنص هو بمثابة جسر عبور من الغرب إلينا، كتبته الروائية المغربية الفرنسية "ليلى السليماني" الحائزة على جائزة الكونكور الفرنسية. تعيش سليماني بين عالمين يربطهما جسر اللغة الفرنسية، وبتلك اللغة وبروح امرأة حرة كتبت رداً على "الحق في الإزعاج" مقالاً مميزاً تحت عنوان: "هل يولد الرجل خنزيراً؟"، في استعادة ذكية لعبارة سيمون دوبفوار "لا نولد نساءً بل نصير". أعربت سليماني في نصها عن حاجتها ليس فقط إلى الحرية الداخلية، بل إلى الحرية للعيش في الخارج، أي خارج جسدها بلا إزعاج أو تحرش، وألا تطلق عليها الأحكام بسبب مشيتها أو لباسها أو اللون الأحمر الفاقع لشفاهها. كتبت عن حلمها بأن تكون حرة في الاستلقاء على العشب الرطب أو الرقص وسط حلبة أو الجلوس وحيدة في مقهى من دون أن تتعرض للتحرش لمجرد كونها امرأة. ومطالبتها بهذا ليس لأنها كائن ضعيف يحتاج إلى حماية، بل لكونها امرأة مستقلة لها كامل الحق في الأمان والاحترام، ومن دون أن يعني هذا اتهاماً للرجال جميعاً بأنهم معتدون بالفطرة، فهناك كثر منهم يدافعون عن حقوق المرأة بشراسة أكثر من المرأة نفسها، والرجل الحقيقي هو في المحصلة نسوي حقيقي وشريك للمرأة في تمرده على ثقافة ذكورية مهيمنة تريد تحويله هو أيضاً خنزيراً، في إشارة إلى النسخة الفرنسية لحملة "أنا أيضاً" التي أخذت شعار "سوقي خنريرك إلى المسلخ" بمعنى افضحي الرجل المعتدي على الملإ. في نهاية نصها، كتبت سليماني أنها ليست ضحية، لكنها تحمل الصرخة المكتومة للنساء المعنفات والمضطهدات كافة في تلك البقعة من الكرة الأرضية المسماة "العالم الثالث". هذا العالم الثالث الذي ذكرته سليماني هو عالمنا الذي يحكم الاستبداد قبضته عليه، ويخنق أي حرية سياسية أو دينية أو ثقافية، حتى ليبدو طرح نقاش حول قضية مثل التحرش ثانوياً أو نوعاً من الترف الثقافي، إلّا أن الحقيقة أن حال المرأة في أي مجتمع ما هي إلا مرآة لحال المجتمع، وقضية حرية المرأة فيه لا تنفصل مطلقاً عن حرية المجتمع السياسية والاجتماعية والثقافية. وعلى الرغم من غياب التوثيق لحوادث الاعتداء في عالمنا العربي، إلا أن الإحصاءات الأولية تؤكد أن عدد الضحايا يفوق بآلاف المرات عددهم في الغرب. وإن كانت نسبة النساء اللواتي يبلغن عن حوادث الاعتداء في أوروبا لا يتجاوز الـ10 في المئة، فهي شبه معدومة في عالمنا العربي، بسبب الخوف من الفضيحة، وشعور الضحية بالمسؤولية عما تعرضت له ضمن ثقافة تجرم الضحية وتبرئ المعتدي. أما التحرش فيبدو أنه خصوصية شرق أوسطية، وهو بالنسبة إلى الرجل الشرقي دليل على إثبات ذكوريته واستعراض علني لها. فمحال أن تجد امرأة عربية لم تتعرض لتحرش لفظي أو جسدي، بغض النظر عن عمرها أو حجابها، كأنها حين تخرج إلى الحيز العام تعتبر مباحة للفرجة وجسدها مباحاً للاختراق. اختراق قد يكون من خلال نظرة تنهش الجسد وتعريه، فالعيون قد تفترس أحياناً، أو من خلال الأيدي التي تلامس مناطق حميمية من جسد امرأة. فهي تسطو على جزء من الجسد وتتركه فارغاً من أي إحساس إلا إحساس الألم الأول للـ"قرصة". الثقافة والنظرة إلى المرأة كعورة تحتاجان إلى إعادة تقييم، من دون أن يعني هذا عزل المرأة عن الرجل في تجمعات نسوية تشبه سجون النساء، ومن دون أن يعني هذا أيضاً إقامة مجتمع خال من الإعجاب وألعاب الغواية وعبارات الغزل، لكن هناك فرق شاسع بين التحرش المزعج المسيء والغزل اللطيف الذي يعبُر كنسمة، "غزل" يعني التعبير عن الإعجاب بلباقة من غير كلمات بذيئة وكليشيهات مكررة، بل بعبارات لطيفة يقولها رجل سحرته امرأة ما دون سواها. في النهاية، لا يمتلك رجل امرأة مهما استعرض عضلاته ونفوذه، واستخدم ما استطاع من قوته. لا يمتلك رجل امرأة أبداً، بل يفوز بقلبها من خلال شعور واحد قوامه الاحترام واسمه "الحب"... الحب ولا شيء سواه يعلن الهدنة في صراع أزلي بين الجنسين بدأ منذ التفاحة الأولى ولم ينتهِ بعد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard