لتختبروا القاهرة المتصوفة التي لا تنام: زوروها في الموالد

الاثنين 22 يناير 201811:05 ص
ما إن تدخلوا ساحة جامع الإمام الحسين حتى تدب في روحكم البهجةُ عندما تقع عيونكم على الأضواء المبهرة والأصوات المنبعثة من مداحين ومحبي الحسين، علاوة على خصوصية منطقة الحسين لما فيها من روائح فريدة، وبازارات بيع منتجات الحرف التراثية، فأنتم في حضرة مولد الحسين "سيد شباب أهل الجنة" ومعشوق المصريين.

مولد الحسين: بهجة وزينة وإنشاد

في مولد الحسين ستستقبلكم المقاهي المكتظة بكل الجنسيات يتابعون عن كثب حركة ضيوف وزائري المولد، بينما يجلس مريدو ومحبو الحسين الآتون من الصعيد ووجه بحري والأرياف على الأرصفة وبجانب المسجد، منتظرين إنشاد المنشدين والمداحين عقب صلاة العشاء في كل يوم من أيام المولد. ويصل الاستمتاع ذروته في الليلة الرئيسية، فيحرص زوار المولد على حضور هذه الليلة تحديداً، ليستمتعوا بمشاهير الإنشاد الآتين من كل حدب وصوب للاحتفال بصاحب المولد، منتظرين بشغف الشيخ ياسين التهامي في الليلة "الكبيرة" في الساحة الرئيسية المقابلة لمسجد الحسين، هو وفرقته من العازفين، منشداً سيد شباب أهل الجنة وواصفاً إياه بأحلى الأوصاف، ذلك بعد أن يصلوا بالمسجد صلاة التحية ويقيمون صلاة العشاء ويحضرون جلسة ذكر، متلمسين غطاء الضريح الذي اكتسى بكساء جديد وأُلقيت على عتبته الورود والروائح العطرة من محبيه، وقد تغنى في حب الحسين في الليالي السابقة على الليلة الكبيرة العديد من المنشدين، أبرزهم الشيخ محمود التهامي والمنشد محمد العجوز. أمام مسجد الحسين على الجانبين ستجدون باعة "حلويات المولد" من حمص وفول سوداني وحلويات شرقية و"هدايا المولد" من غطاءات رأس وعباءات وسجاجيد صلاة مصطفين بعضهم قرب بعض يقدمون للزائرين ما سوف يهادون به أحبابهم كنفحة "هدية" من نفحات الحسين عندما يعودون لديارهم. [post_quotes] أما ما سيلفت نظركم ويثير تساؤلاتكم هو مشهد اصطفاف الناس على أرصفة الساحة الخضراء، يأكلون ما يقدم لهم من "نفحات" على الرغم من الفروق الواضحة في ملابسهم وهندامهم من دون أدنى حرج أو ضيق. في مولد الحسين هذا العام وربما لغلاء الأسعار لن تجدوا الكثير من اللحوم في الطعام، فمعظم النفحات تتنوع ما بين الفول النابت والمعكرونة والخضار مع الأرز، كما سترون بعض الخيام التي تحتفظ ببقرة أو خروف للذبح بالليلة الكبيرة ويقدمون معه الفته "الثريد"، وسيقابلونكم وأنتم سائرون في رحاب الساحة الحسينية من يوزعون أطباق حلوى الأرز باللبن والبقلاوة وقطع الكنافة والبسبوسة ممن ليس لديهم خيام أو مقرات ولا ينتمون لأية طريقة صوفية. [caption id="attachment_133489" align="alignnone" width="700"] مولد فاطمة النبوية, القاهرة، الدرب الأحمر 2016[/caption]

الحضرة والإلهام والنفحات بمولد السيد البدوي

في الشوارع الخلفية الصغيرة المحيطة بمسجد السيد البدوي المقام حول ساحته المولد، تتراص الخيام الخاصة بكل طريقة من الطرق الصوفية، فنجد الطريقة الشاذلية والطريقة الإدريسية والطريقة الخليلية وغيرها مقدمين للزوار الطعام والشاي ويتيحون لهم حضور الحضرة في أي يوم من أيام المولد، فبمجرد دخولكم الخيمة ستجدون من يقدم لكم الطعام فوراً من منطلق أن واجب الضيف إكرامه أولاً. [caption id="attachment_133477" align="alignnone" width="700"] مظاهر الاحتفال بمولد السيد احمد البدوي بطنطا محافظة الغربية 2017[/caption] بخيمة الطريقة الخليلية لمؤسسها الشيخ محمد أبو خليل التقت رصيف22 أحمد ابراهيم، 35 سنة، وهو محامٍ من أهل الخدمة بالطريقة، يقول "أعمل بالخدمة في هذه الطريقة كلما طلب مني ذلك، والخدمة دائماً بلا أجر. ومسؤوليتي هي تجهيز الطعام للزوار، أنا ومجموعة مكونة من ستة آخرين، مهندسين وأطباء وحتى عمداء وألوية بالجيش والشرطة، فخدمة المطبخ تعد في رأي المتصوفة خدمة لتربية النفس وتهذيبها. في هذه الحالة مهما دققتم فلن تعرفوا الفرق بينهم ولن تعرفوا الغفير من الوزير كما يقولون، فالتواضع هو الغالب لأنه عمل مقدم لوجه الله خالصاً". هذا بشكل عام عن الخدمة، ولكن للخدمة في الموالد بعض الملامح الخاصة يتم تقديم الطعام مباشرة، وهنا يجب أن يتناول الضيف حتى ولو جزءًا مما قدم له لأنها تعد "نفحة" أو بركة من بركات صاحب المولد، ثم تقدم بعض الحلوى أو المشروبات الخفيفة حتى يحين موعد الحضرة والذكر فيستمعون جميعاً وينشدون مع المنشد متمايلين بأجسادهم يميناً ويساراً مرددين كلمة من اثنين إما "الله" أو "هو". بعد الحضرة يصطف الضيوف على الأرض في انتظار "الإلهام" وهو عبارة عن شيخ أو مريد بعينه مخول له أن يقوم بإلقاء الشعر أو الحكم الموجهة لكل شخص من الموجودين على حدةً كلما نظر في وجهه، وكأنه يوجه له نصيحة أو يدله على ما أوحي به إليه من مدح أو مواساة يخصه هو فقط. وقد تطول هذه الفقرة لحرص كل ضيف على سماع الإلهام للنهاية من المريد. [caption id="attachment_133482" align="alignnone" width="700"] مولد السيدة زينب 2014[/caption]

السيدات يشاركن البهجة على طريقتهن في مولد أم العواجز

أواني طهو كبيرة تجاور كل خيمة، تقف وراءها سيدة مسنة منهمكة بإعداد الطعام، تحرص على عدم فتح غطاء آنية الطهو عن آخرها، ترقب من وقت لآخر حركة دخول وخروج الرجال من الخيمة حتى تستعد بجديد أكلها. [caption id="attachment_133483" align="alignnone" width="700"] من مولد السيد البدوى - طنطا[/caption] الست سعدية ستينية ترتدي ملابس سوداء وغطاء رأس من نفس اللون تتمايل من بعيد على كلمات المنشدين، ولا تفارق الابتسامة وجهها حتى مع تصاعد الأدخنة من أواني الطهو التي تقبع أمامها على النار. تأتي الست سعدية من محافظة المنيا كل عام مرتين، إحداهما للمشاركة في مولد السيدة زينب، والأخرى للمشاركة فى مولد الحسين، تقول: "اعتدت المشاركة في المولد ولا يمكن أن أفوت سنة واحدة مهما كانت الظروف". وتضيف: "هو احنا عايشين إلا ببركة أم العواجز وسيد الشباب أهل الجنة". وبنبرة فخر تقول "الكثيرات يأتين معي من السيدات بالعائلة وصديقاتي بالقرية والقرى المجاورة ولا يمكن لإحداهن أن تتولى مسؤولية إعداد الطعام غيري كل عام فهن يتبركن بي، وأنا أحرص على ألا يرى أحد ما في آنية الطهي أثناء عملية الطهي نفسها حتى لا تقل بركتها، وهذه نفحة من نفحات الحسين". [caption id="attachment_133488" align="alignnone" width="700"] مولد السيدة زينب 2015[/caption]

المولد للجميع

محمود سعيد 27 عاماً، يعمل مدرس لغة عربية، يقول: "أتيت من محافظة أسيوط حتى أحضر المولد ولا أنسى أن أشتري بعض الحلوى والهدايا البسيطة لأمي وسيدات وأطفال العائلة، كما أحرص على تلاوة الدعاء بما أوصتني به أمي وأحضر الحضرة بالمسجد أو بإحدى الخيام بعد أن آخذ نفحتي وأعود إلى بلدي مبتهجاً بالحالة التى عشتها هناك". ويكمل: "لا تتركني نساء العائلة حتى أحكي لهن عن كل ما رأيته منذ دلفت إلى ساحة المولد حتى رجوعي البلدة، فهو حدث مهم ينتظره كل محبي الموالد ويقدرون المجهود المبذول طوال العام من أجل محبي وضيوف المولد". لا يمكن أن تحددوا فئة بعينها ترتاد الموالد، إذ ستقع عيونكم في كل الموالد على الأطفال والنساء والرجال، من الفلاحين والصعايدة والقاهريين ومن الأكاديميين والعمال و"الأرزقية"، حتى ممن يسمهونهم "على باب الله". عالم كامل متكامل من البهجة والحلوى والإنشاد والذكر، ابتسامة تتلقفها الوجوه دون تكلف، ومجهود مبذول بورع وشوق، ليقدم لزوار الموالد بحب ورغبة حقيقية في تفشي عدوى البهجة طوال فترة الاحتفال، التي يصل فيها المحبون الليل بالنهار، فليلهم ذكر ومديح، ونهارهم إعداد وتجهيز. فكيف إذن لا نلبي نداءً للسعادة، يتكرر بعدد احتفالات المصريين بموالد آل البيت والأولياء والصالحين؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard