محرقة العامرية، لماذا يا الله؟ يوميات الحياة في بغداد خلال غزو الكويت وحرب الخليج الثانية (4)

الأحد 11 فبراير 201803:42 م
أيقظتني هزة من إغفاءة قصيرة تلت وصلة حافلة من القصف المعهود ذات ليلة. الصوت وإن بدا بعيداً، كان مختلفاً عن كل ما خبرناه خلال الأسابيع الماضية... حاولت العودة إلى النوم بلا جدوى، اعتدلت جالساً في الفراش متأملاً الجدار المقابل لي وانعكاس ضوء الفجر عليه فيما راحت العصافير تغرّد معلنة قدوم الصباح. مضيت إلى المطبخ كي أعد شاياً للفطور عندما حملت لي نشرة أخبار هيئة الاذاعة البريطانية النبأ المفجع: سددت طائرات التحالف صواريخها قبل قليل نحو ملجأ العامرية الذي كان يعج بالمئات من المدنيين، ما أسفر عن محرقة مروعة بداخله وأوقع خسائر فادحة في الأرواح. هزّت المأساة ضمير العالم الذي تابع مشاهد الجثث المتفحمة وعويل النساء والأطفال على شاشات التلفزة، توالت الإدانات لوحشية الجريمة من كل حدب وصوب، انقلبت الطاولة على الولايات المتحدة وحلفائها الذين وجدوا أنفسهم في مأزق كبير أمام الرأي العام في بلدانهم... تحرير أرض وشعب من الاحتلال ليس مبرّراً لارتكاب المجازر البشعة بحق الأبرياء.
[caption id="attachment_132713" align="alignnone" width="700"] ملجأ العامرية[/caption]
صدرت تصريحات مضطربة تتّهم النظام العراقي وتحمّله مسؤولية ما حدث بسبب استخدامه الملجأ كمقر للقيادة العسكرية والمدنيين المختبئين فيه كدروع بشرية. لم تقنع الذريعة أحداً، وإن كان ما ورد فيها حقيقياً، فاستخدام الأحياء السكنية المكتظة والمنشآت الخدمية كالمدارس والمستشفيات وحتى الجوامع كمخابئ للأسلحة والوحدات العسكرية لم يكن تكتيكاً غريباً عن القيادة العراقية خلال حروبها المتعاقبة. خبرنا ذلك عن قرب عندما انطلق صاروخ أرض/أرض ذات ليلة من ساحة كرة القدم في مدرستي الثانوية وتسبب بزلزلة أثارت فزع سكان حيّنا والأحياء المجاورة.

قرع طبول حرب جديدة (1)

انتابني حزن عميق وأفكار سوداوية حاولت ان أنتشل نفسي منها بالصلاة، صلّيت حتى جفّ لساني ودبّ الخدر في رجليّ، فلم أعد أشعر بهما، صلّيت ركعاً بعدد الضحايا الساقطين ثم بكيت بحرقة عندما آويت إلى فراشي ليلتها. الملاجئ النووية المزعومة التي كانت حتى الأمس ملاذ الخائفين تحوّلت إلى هياكل مهجورة منبوذة. محرقة ملجأ العامرية شكّلت منعطفاً ونقطة تحول في مسار العمليات العسكرية، فقد أدركت قوات التحالف أن استهدافها المكثّف للداخل العراقي لم يكن ورقة رابحة على طول الخط في ظل ارتفاع ضحايا القصف من المدنيين العُزّل والاستياء الذي أثاره ذلك في الشارعين العربي والغربي. خفّت وتيرة الغارات الليلية على العاصمة بشكل ملحوظ مقابل اشتداد ضراوة القتال على الأرض... إنهاء الحرب سريعاً بات أولوية ومطلباً ملحاً، لكن جحافل المتحالفين لم تكن مستعدة للعودة من حيث أتت قبل أن تنجز مهمتها بتحرير الكويت من قبضة صدام حسين الذي طلع على العالم بمبادرة للانسحاب مقابل تحقيق قائمة من الشروط التعجيزية شملت انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة واقتسام دول الخليج ثرواتها النفطية مع شعوب الأمة العربية جمعاء.
ما كان مبرّر تلك الحماقة التي راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء وتسبّبت بدمار شامل لبلدنا؟
لأول مرة في حياتي سمعت الناس وهم يسبّون الرئيس على الملأ بلا وجل أو خوف، كنت ماراً بالصدفة برجلين يتحدثان عن معاناة الجنود العائدين من الموت والمهانة التي تعرّضوا لها عندما صرخ أحدهما: الكلب ابن الكلب، هل يظن أنه سينجو بفعلته؟
رد الفعل الشعبي الأول على المبادرة التي ردّدتها مكبرات الصوت في ميادين بغداد كان الابتهاج العارم. فرغم استحالة تحقيق ما ورد فيها، كان ذلك أول بصيص أمل وإشارة رسمية إلى إمكانية انسحاب قواتنا من الكويت. الزج باسم فلسطين والقدس وتحريرهما من قبضة الاحتلال الصهيوني في نص المبادرة تسببا بموجة جديدة من التظاهرات الهاتفة بحياة "الرئيس العراقي البطل" اجتاحت الشارعين الفلسطيني والعربي، لكن رد الولايات المتحدة وحلفائها جاء سريعاً بالرفض القاطع للعرض والسخرية من سذاجة بنوده.

كوميديا سوداء تحت القصف (2)

توالى وصول جثامين القتلى فيما انقطعت أخبار الآلاف من الجنود والضباط عن ذويهم. بدا القلق جلياً على الوجوه من حولي بسبب طول غياب أخي الذي أبلغنا في آخر زيارة له عن احتمال صدور الأوامر لوحدته بالتوجه إلى جبهة القتال في أية لحظة. عاش والداي أياماً من الهلع مع انتشار الأنباء عن هزيمة نكراء ألحقت بقواتنا في الكويت وتعرّض قطعاتنا لقصف مكثّف تسبّب بهلاك الكثيرين، بينما تحتم على الناجين مصارعة الجوع والعطش ومخاطر الطريق خلال رحلة الفرار العشوائية عبر الصحراء. أوعز قائد وحدة أخي لأفرادها بالعودة إلى أهاليهم ريثما تتضح معالم الصورة... عندما ظهر أخيراً عند باب بيتنا، كادت والدتي أن تغيب عن الوعي تحت وقع المفاجأة السعيدة. الدمار الذي لحق بأبنية وتجهيزات مجمّع الإذاعة والتلفزيون في حي الصالحية ومرسلاتهما جعل البث يقتصر على الأناشيد ونشرات أخبار موجزةً يقرأها المذيعون من على متن عربات نقل مُموّهة تجوب الشوارع خِلسة، خشية استهدافها من قبل الطائرات المغيرة. ما كنا لنكترث بمتابعة المادة المذاعة لولا ترقّبنا لنبأ بعينه... ذات ليلة، وقبل دقائق فقط من نهاية البث، ألقى صدام حسين خطاباً قصيراً بصوت ضعيف مرتبك، أعلن فيه الانسحاب التام من أراضي الكويت. تحرير القدس واقتسام ثروات دول الخليج والتفاخر بأمجاد القعقاع وحمورابي وصلاح الدين غابت هذه المرة عن البيان المقتضب الذي شدّد على رضوخنا لكافة شروط قوات التحالف لوقف اطلاق النار... اختلطت المشاعر وماجت بين فرح وارتياح وغضب ومرارة. ما كان مبرّر تلك الحماقة التي راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء وتسبّبت بدمار شامل لبلدنا؟ غطّت وسائل الإعلام مراسيم التوقيع على وثيقة الاستسلام في خيمة صحراوية.

موت ينتظر عند الناصية (3)

بدا النظام أقرب من أي وقت مضى إلى الانهيار... لأول مرة في حياتي سمعت الناس وهم يسبّون الرئيس على الملأ بلا وجل أو خوف، كنت ماراً بالصدفة برجلين يتحدثان عن معاناة الجنود العائدين من الموت والمهانة التي تعرّضوا لها عندما صرخ أحدهما: "... الكلب ابن الكلب، هل يظن أنه سينجو بفعلته؟ هيهات أن نسكت عنه هذه المرة!" ظهرت كتابات على الجدران تلعن الرئيس وتبشّر بهلاكه القريب. أزيز طائرات قوات التحالف المحلقة في سمائنا لم ينقطع حتى بعد إعلان الانسحاب من الكويت ووقف إطلاق النار بين الطرفين، الأمر الذي كان وراء جرأة البعض وتماديهم في التعبير عن غضبهم على نحو غير مسبوق. توارى قادة البعث وكوادره عن الأنظار، اعتكف معظمهم في منازلهم فيما آثر آخرون الاختباء في أماكن قصية خشية ردة فعل شعبية تطالهم وأسرهم. كثير من تفاصيل ما حدث خلال عمليات عاصفة الصحراء بهت عبر السنوات التي عالجتنا بالضربة تلو الأخرى والنزاع تلو الآخر حتى لم تعد الذاكرة قادرة على استيعاب الكم الهائل من المشاهدات المتراكمة في ثناياها... نعم، نسيت (أو ربما تناسيت) كماً لا يستهان به من الأحداث التي رافقت تلك الأيام العصيبة، لكن صورة بعينها قاومت عوامل التعرية وبقيت عالقة في ذهني حتى بعد مرور قرابة عقود ثلاثة: كان النظام قد لجأ في مرحلة مبكرة من المواجهة إلى إضرام النار في أكوام من إطارات السيارات المستعملة قرب الجسور والأهداف الإستراتيجية الأخرى في العاصمة كوسيلة لتضليل الطائرات المغيرة والصواريخ الموجهة وفق إحداثيات مأخوذة عن الأقمار الصناعية... الحيلة البدائية، بطبيعة الحال، لم تجد نفعاً وتسببت بحالات اختناق عديدة بين المواطنين، تلا ذلك إيعاز الرئيس بحرق آبار وحقول النفط في الكويت عندما لاحت بوادر الهزيمة في الأفق، وهو ما عُدّ جريمة مروعة بحق البيئة في المنطقة. [caption id="attachment_132708" align="alignnone" width="700"] طائرات قوات التحالف تحلق فوق آبار النفط الكويتية المشتعلة[/caption]
المفاجأة كانت عندما هبّت ريح عاتية حملت الدخان الكثيف شمالاً ثم انفتحت أبواب السماء بأمطار غزيرة تسببت بإغراق شوارعنا بالمياه، لكن المطر النازل علينا لم يكن يشبه أي مطر آخر. أذكر أني جلست يومها عند حافة نافذة غرفتي في الطابق العلوي، أرقب عبر زجاجها المكسور المشهد السريالي لزخات الماء الداكن المنهمر فوق رؤوس المارة في الخارج، ملطخاً السيارات وجدران المنازل وسطوحها حتى لم يبق في المدينة حائط ناصع واحد. عندما فتحت الباب في الصباح راعني ما حلّ بدارنا، رفعت بصري إلى السماء وتمتمت:
ألا يكفي ما لحق بنا من قتل ودمار حتى تبصق السماء سوادها علينا هي الأخرى؟ أتكرهنا إلى هذا الحد يا الله كي تسومنا صنوف عذابك الواحد تلو الآخر؟

جزء مقتطع من كتاب "صدام وأنا... ومتلازمة ستوكهولم" (دار الثقافة الجديدة، مصر/ 2018) للنشر حصرياً في رصيف22 في الذكرى السابعة والعشرين لاندلاع حرب الخليج الثانية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard