موت ينتظر عند الناصية... يوميات الحياة في بغداد خلال غزو الكويت وحرب الخليج الثانية (3)

السبت 3 فبراير 201802:37 م
تغيرت طقوس الحياة المعتادة بل انقلبت رأساً على عقب، اقتصر استحمامي اليومي على سكب أكواب قليلة فقط من الماء البارد كانت ملامستها الأولى لبدني كفيلة باصدار شهقات ألم مكتومة وموجة من القشعريرة تلازمني حتى بعد انتهائي من الاغتسال ومغادرتي الحمام.
كل كوب من الماء المسكوب كان يقتضي زمناً طويلاً من الانتظار لتجميعه قطرة بعد أخرى من صنبور الحديقة الواطئ بعد أن جفت المياه تماماً في باقي أرجاء المنزل... كنت أخرج متلفعاً بأغطيتي الثقيلة في نهارات الشتاء الباردة والممطرة، مُحمّلاً بالعبوات البلاستيكية الفارغة التي أضعها تباعاً تحت الفوهة الصدئة كي أظفر في نهاية المطاف بلترين أو ثلاثة من الماء، أقوم بحملها إلى الداخل بزهو الفاتحين المنتصرين وتفريغها في حوض أكبر ثم أعود إلى الخارج لجمع المزيد من القطرات، وهكذا دواليك. أذكر جيداً فزعي عندما انقطع تساقط القطرات ذات مرة وقفزي في الهواء فرحاً وابتهاجاً بعودته في اليوم التالي، أذكر أيضاً نوبات الحساسية التي كانت تهاجمني بضراوة وتتسبّب بتورّم عينيّ وأنفي وصداع مؤلم كنت أحاول التحايل عليه باستذكار استحمامي الباذخ في الأيام الخوالي ولقاء الماء الساخن المتدفّق من ثقوب الدوش مع رغوة الصابون الكثيفة وتصاعد بخار ذي عبير منعش فوّاح منهما... استغراقي الآثم في الذكريات كان ينتشلني منه أحياناً صوت عربة بيع نفط عابرة فأخرج ركضاً للحاق بها ومساومة سائقها على بضاعته النادرة، أو وقع ضربات على باب منزلنا لجار جاء يجترّ معنا حيرته ومخاوفه والأخبار التي سمعها من تلك المحطة أو تلك. نهاراتنا الشتائية كانت تنقضي سريعاً قبل أن يرخي الليل سدوله، منذراً بموجة جديدة من الغارات والقصف الصاروخي الذي تفاوتت ضراوته بين ليلة وأخرى لأسباب لا يعلمها أحد. وجبة طعامنا المسائية كانت تقتصر على الخبز وما توفر لدينا من منتجات الألبان (جبنة معلبة في أغلب الأحيان) على عكس وجبة الغداء الدسمة من رصيدنا المخزون من قطع دجاج نطهوها على نار المدفأة. لكن لا الدجاج كان طعمه كالسابق ولا حتى الخبز الذي أمسى لونه أسود بعد نفاد الدقيق الأبيض من الأسواق. كان علينا الوقوف لساعات أمام شبابيك المخابز للحصول على أرغفة معدودة. تلك كانت نقطة تحوّل قرّرنا فيها كسر مقاطعتنا للبضائع والأطعمة المسروقة، فالثمن قد تم تسديده... الشحاذون، كما يقول المثل الإنكليزي، لا يملكون رفاهية الاختيار بين مشروع وغير مشروع، خيارنا الوحيد كان بين موت وحياة.
الشحاذون، كما يقول المثل الإنكليزي، لا يملكون رفاهية الاختيار بين مشروع وغير مشروع، خيارنا الوحيد كان بين موت وحياة
للمرة الثانية، تم استهداف موقع مركز الاتصالات، للمرة الثانية نجونا من موت محدّق، لكنني لم أشعر ببهجة النجاة هذه المرّة...
مفارقة مضحكة أننا صرنا ندهن خبزنا (منفر المظهر والطعم والرائحة معاً) بزبدة لورباك وأنواع المربى والأجبان الأوروبية الفاخرة التي بقيت في الأسواق من خيرات الكويت. وجبتنا المغمّسة بالإثم تلك كنا نتناولها ونحن نصغي إلى نشرات الأخبار المسائية لهيئة الإذاعة البريطانية وصوت أميركا ومونتي كارلو، نندّس بعدها في أفرشتنا المفرودة على الأرض في ملجأنا في الطابق الأرضي كي نمضي ما تبقى من الليل على وقع الانفجارات المتعاقبة التي لا تهدأ وتيرتها حتى بزوغ خيوط الفجر الأولى...

يوميات الحياة في بغداد خلال غزو الكويت وحرب الخليج الثانية... قرع طبول حرب جديدة (1)

لم يعد الطموح يشغلني وأنا الطالب الجامعي ولا عدت أبالي بمستقبل مهني، جلّ ما كنت أرجوه هو أن أتمكن من تأمين الماء والطعام لي ولأهلي في اليوم التالي وأن ننجو معاً من أتون الموت المستعر. بين فترة وأخرى، كان يعلو صوت أعيرة نارية قريبة معلناً عن وصول جثمان قتيل، يرافقه عويل ونواح النسوة والرجال من أقاربه. يُنصب بعدها مجلس لاستقبال المعزّين كان يحج إليه الجميع لتبادل الأخبار المتواترة عن قرب الإطاحة بنظام البعث في العراق والتبعات المتوقعة للحدث على حياتنا ومستقبلنا. بدا البعض مستبشراً بقرب يوم الخلاص، لكن الأغلبية (وأنا منها) لزمت تحفظها المعهود وآثرت الجلوس على مقعد المراقب لا الفاعل حتى تنجلي العاصفة. في أجواء كئيبة مضطربة كتلك، كانت وسيلتي الوحيدة للترويح عن النفس بعد إنجاز مهماتي اليومية هي المشي لمسافات طويلة ورصد محال البقالة المفتوحة على الطريق بحثاً عن خضروات طازجة أو حبات من فاكهة أحملها معي إلى بيتنا (وإن ترتب على ذلك استهلاك المزيد من المياه لغسلها). كنا قد انتهينا من سماع نشرات الأخبار ذات ليلة وبقينا ننتظر أن تهدأ وتيرة الضربات قليلاً كي نتوجه إلى مخدعنا عندما زمجر رعد مفاجئ وسطع وميض أضاء الفضاء من حولنا... اهتزت الأرض بفعل استهداف مركز الاتصالات الذي لم يكن يبعد عنا سوى مئات قليلة من الأمتار واصطكّت إطارات النوافذ بعنف حتى سمعنا صوت انفلاق ألواح الزجاج رغم الشرائط السميكة التي كنا قد لصقناها عليها... تكوّرت أجسادنا وقمنا بتغطية رؤوسنا بأذرعنا في رد فعل غريزي، توقعنا انهيار السقف علينا في أية لحظة، لكن الهدوء عاد بعد دقائق بدت لنا كسنوات، بقينا نرتجف اضطراباً حتى بعد زوال الخطر، شحبت الوجوه وزاغت النظرات. 
[caption id="attachment_132803" align="alignnone" width="700"] إطلاق صواريخ على مواقع عراقية في شباط 1991[/caption]
ماذا لو كان الصاروخ قد أخطأ هدفه بأمتار قليلة؟ عند تفقّدي لزجاج النوافذ المكسور في صباح اليوم التالي، انتبهت لوجود فراغ غريب في خط الأفق، كان سببه غياب برج مركز الاتصالات عن الصورة، خرجت إلى الشارع فوجدت وفوداً من الزائرين تتجه نحو الموقع لتفحّص حجم الدمار الذي لحق بالمبنى والمنازل والمحالّ المجاورة له... تلّ من الأنقاض والأتربة، تعلوه قمة البرج المعدني الذي هوى وانصهر تحت اللهيب كانوا كل ما تبقى من المنشأ الذي شيّدته شركة أجنبية قبل سنوات قليلة فقط. تهشّمت مع البرج صافرة الإنذار المثبتة عليه والتي لازمنا صوتها المنفر منذ بدء الحرب. أليست مفارقة أنها لم تستشعر خطر الصاروخ الذي استهدفها في تلك الليلة؟ تحتّم علينا إيجاد بدائل للبروتين الحيواني في طعامنا، كان البيض قد شحّ في الأسواق بسبب الطلب الكبير عليه، فالجو كان لا يزال بارداً وبالإمكان إبقاء الطبقات خارج الثلاجة لأيام وأسابيع دون أن تفسد... عثرت خلال تجوالي في الحي ذات ظهيرة على رجل افترش قارعة الرصيف لبيع ما جادت به دجاجاته، من فرط حماستي اشتريت كل ما بقي لديه من دون أن أفكر في كيفية إيصال صيدي الثمين إلى منزلنا الذي كان على مبعدة كيلومترات عدة.

كوميديا سوداء تحت القصف... يوميات الحياة في بغداد خلال غزو الكويت وحرب الخليج الثانية (2)

أدركت المأزق الذي أوقعت نفسي فيه عندما استقرت الطبقات على ذراعيّ الممدودتين وبدأت رحلة العودة الشاقة التي تخللها وقوفي أكثر من مرة للإجابة عن استفسارات سائقي السيارات العابرة عن مصدر البيض وثمنه، أوشكت أن أعرض عليهم أن يقوموا بإيصالي إلى دارنا مقابل أن أعطيهم واحدة من الطبقات، لكن خجلي منعني. تحاملت على الألم ووصلت أخيراً إلى دارنا بذراعين شبه مشلولتين، صرخت وجعاً عندما ساعدني أهلي على إنزال حملي الذي استقر على طاولة الطعام بلا خسائر، الفرح الذي علا الوجوه من حولي لمرأى طبقات البيض أنساني مشقة وعناء الرحلة. قررت في تلك الليلة أن أكافئ نفسي على إنجازي الفريد بالنوم على سريري الذي كنت قد هجرته منذ اندلاع القتال. مفاصل وعظام جسدي المتيبسة بفعل افتراش الأرض لليالٍ عديدة كانت بأمس الحاجة للشعور بدفء وليونة الاسفنج السميك. استلقيت على السطح الطري وصرت أتقلّب عليه يميناً وشمالاً ثم دثّرت نفسي بالأغطية، وتيرة القصف بدت أقل من المعتاد، فاستبشرت خيراً ورحت في إغفاءة عميقة... أفقت من كابوس مرعب بعد ساعات معدودة، مضيت بخطوات متثاقلة كي أمسح وجهي بالقليل من الماء المتبقي في الحوض البلاستيكي على الأرض عندما أضاءت جدران الحمام واهتزت الأرض تحت قدميّ. تشبّثت بقوة بحافة حوض الاغتسال كي لا أقع، بلغني في انحنائي صوت تكسّر المزيد من ألواح الزجاج. للمرة الثانية، تم استهداف موقع مركز الاتصالات، للمرة الثانية نجونا من موت محدّق، لكنني لم أشعر ببهجة النجاة هذه المرّة. ما معنى أن يتم قصف هدف مدمّر؟ لم أذهب لزيارة الموقع في اليوم التالي، فماذا كنت سأجد فيه سوى التلة نفسها من الأنقاض والأتربة؟ حزمت أمري بالعودة إلى النوم في غرفتي مهما حدث، فلا جدوى من الفرار... تدهورت حالتي المعنوية وظهر أثر ذلك على أدائي لمهماتي اليومية. إلى متى سيستمر هذا العناء؟

جزء مقتطع من كتاب "صدام وأنا... ومتلازمة ستوكهولم" (دار الثقافة الجديدة، مصر/ 2018) للنشر حصرياً في رصيف22 في الذكرى السابعة والعشرين لاندلاع حرب الخليج الثانية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard