2018 سيكون عاماً حافلاً بالنشاط العربي في مجال الطاقة النووية

الخميس 4 يناير 201801:03 م
يبدو أن عام 2018 سيكون عاماً حافلاً بالنشاط العربي في مجال الطاقة النووية، فهو سيشهد بدء عمل أول مفاعل نووي عربي على الإطلاق، وبدء مرحلة الإنشاءات في آخر، وطرح المناقصة الأولى لثالث. ويأتي ذلك ختاماً لمرحلة تزيد عن 60 عاماً، راود فيها هذا الحلم ما يقارب نصف الدول العربية، منها ما نجح ومنها لا يزال في مرحلة التفاوض، فيما فشلت البقية قبل بداية مشاريعها.

شمال إفريقيا... طموحات ومفاعلات

خلال زيارة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى القاهرة في 11 ديسمبر الماضي، وقعت مصر وروسيا اتفاقاً لبناء أول محطة نووية مصرية في الضبعة بشمال شرق البلاد. [caption id="attachment_130319" align="alignnone" width="700"] محمد شاكر وزير الكهرباء والطاقة المصري ورئيس «روساتوم» بعد توقيع اتفاق إنشاء محطة الضبعة النووية خلال زيارة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين لمصر[/caption] وفقاً للاتفاق، ستبلغ تكلفة المشروع 30 مليار دولار، وستتكفل روسيا بـ85% منها على شكل قرض، وستصل طاقته الإنتاجية إلى 4800 ميغاوات من خلال أربعة مفاعلات نووية، وسيكتمل بناء المحطة عام 2022، فيما سيبدأ إنتاج أول مفاعل نووي مصري في 2024. هذا المشروع الذي يُعدّ بمثابة رمز لعودة روسيا إلى إطلاق مشروعات ضخمة في الشرق الأوسط، سيشكل أخيراً تحقيقاً لحلم مصري عمره 60 عاماً. طموحات مصر النووية قديمة تعود إلى عهد الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر. ففي عام 1956، حصل عبد الناصر على أول مفاعل ذري للبحوث العلمية بقوة 2 ميغاوات، وكذلك على معمل لإنتاج النظائر المشعة من الدانمارك، وفي العام التالي، أسس هيئة الطاقة الذرية التي تولت إنشاء مفاعل في منطقة أنشاص. ولكن بعد النكسة، تعطل الحلم النووي مع تسخير كل إمكانات الدولة للحرب ولإعادة الأعمار.
وبموافقة مصر على اتفاقية عدم انتشار الأسلحة النووية عام 1981، تحوّل اهتمام مصر إلى امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية لتوليد الكهرباء، غير أن كارثة تشيرنوبيل عام 1986 دفعت القاهرة لتعليق العمل بهذه المحطة. أما الجزائر الغنية باليورانيوم، فتملك بالفعل مفاعلين نووين، أحدهما "نور" الذي يقع في مدينة الدرارية، ومختص بالنشاط البحثي، بالشراكة مع شركة أرجنتينية، فضلاً عن "مفاعل السلام" الذي يخدم مجالات الطاقة النووية في البلاد بالتعاون مع الصين، والذي كادت أن توقفه الولايات المتحدة، قبل أن تتأكد من سلميته، كما تعتزم البلاد إنشاء أول محطة نووية لها في عام 2025. [caption id="attachment_132204" align="alignnone" width="700"] الرئيسة الأرجنتينية آنذاك، كريستينا فرنانديز دي كيرشنر، تزور المفاعل النووي نور عام 2008[/caption] في المقابل، تدرس جارتها المغرب خيارات بناء مفاعلات نووية في المستقبل، في الوقت الذي تملك فيه مفاعلاً أميركي الصنع صغيراً بطاقة 2 ميغاوات فقط في منطقة المعمورة.
بعضها قطع شوطاً وبعضها ينتظر... تنافس الدول العربية على بناء مشاريع نووية
دول عربية تتسابق إلى بناء مفاعلات نووية... وخبراء يجيبون على مخاوف تحوّلها إلى برامج للتسلّح
وفي تونس، وقّع نائب المدير العام لشركة "روس أتوم" نيكولاي سباسكي، وسفير تونس في موسكو علي قوطالي، قبل 3 أعوام، اتفاقية بين حكومتي البلدين حول التعاون في مجال الطاقة النووية للأغراض السلمية، وإنشاء لجنة مشاريع نووية بإشراف مشترك، كما وقعت تونس عام 2006 اتفاقاً مع فرنسا لإنشاء محطة نووية لإنتاج الكهرباء، من المقرر أن تجهز للعمل عام 2020.

الخليج... أول تشغيل سلمي وتمويل "دون قروض"

قبل أيام، احتفلت أبوظبي بتخريج 23 مهندساً إماراتياً، بينهم خمس سيدات، بعد استكمالهم برنامجاً تدريبياً حول تصميم الوقود النووي. يقول كبير المفتشين في الوكالة الدولية للطاقة الذرية سابقاً، ومستشار البرنامج النووي المصري السابق إبراهيم العسيري لرصيف22 إن الإمارات ستصبح أول دولة عربية تبدأ بتشغيل مفاعل نووي رسمياً، إذ من المقرر أن تشرع في ذلك خلال العام الحالي بعد حصول الطرف المشغل على الرخصة اللازمة. وتتولى إنشاء هذا المفاعل وتصميمه مؤسسة الإمارات للطاقة النووية، كما تتولى تشغيله شركة "نواة"، المملوكة بالشراكة بين المؤسسة الإماراتية وشركة "كيبيكو" الكورية الجنوبية. وستضم محطة براكة للطاقة النووية 4 محطات نووية عام 2020، لتوفير ربع حاجة الدولة من الكهرباء، من أجل مجابهة النمو المتسارع في الطلب على الطاقة (9% سنوياً)، كما ستساهم في الحد من الانبعاثات الكربونية بواقع 12 مليون طن سنوياً. [caption id="attachment_132200" align="alignnone" width="700"] محطة براكة للطاقة النووية[/caption] وبينما انتهت 96% من أعمال المفاعل الأول، و86% و76% و54% من الثاني والثالث والرابع على التوالي، ثارت أزمة كبيرة بسبب زيارة كبير مساعدي الرئيس الكوري الجنوبي إم جونغ سوك، إلى الإمارات أخيراً، إذ قال رئيس حزب الإصلاح المعارض يو سونغ مينن إن الجانب الإماراتي غضب من تحقيق النيابة العامة مع الرئيس الأسبق لي ميونغ باك، الذي وقع على مشروع بناء المحطات، على خلفية مزاعم بتجاوزات بهذه الاتفاقية، ما دفع الرئيس الحالي إلى إرسال كبير مساعديه لترضية أبو ظبى، وهو ما نفته الإمارات. وأثيرت أخيراً مسألة حماية المفاعلات الإيرانية، بعد زعم جماعة الحوثي اليمنية، مطلع ديسمبر الماضي، إطلاقها صاروخاً على مفاعل براكة، لتردّ هيئة إدارة الأزمات في الإمارات بالتأكيد على أن المفاعل محصّن. وعلى هامش الدورة الأخيرة لمؤتمر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلن رئيس مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة الدكتور هاشم بن عبدالله يماني، أن رؤية السعودية 2030، تعد الطاقة الذرية مصدراً مهماً لدعم الاستقرار والنمو المستدام، موضحاً أن المملكة سعت إلى تطوير برامج متقدمة لإدخال الطاقة النووية السلمية في مصادر الطاقة عبر برنامج وطني شامل. في الوقت نفسه، التقى وفد المملكة مع ممثلي الوفود الروسية والأمريكية واليابانية والكورية الجنوبية لبحث تنفيذ المشروع الوطني السعودي للطاقة الذرية. وسبق ذلك اجتياز مهندسين سعوديين المرحلة الأولى من التأهيل والتدريب في التقنيات النووية في المعهد الكوري للأبحاث الذرية، كخطوة جادة نحو تحقيق المشروع السعودي. وعززت الطموح النووي السعودي اتفاقات سابقة، منها توقيع مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة الأمريكية عام 2008، لبناء برنامج نووي مدني، فيما أقر مجلس الوزراء السعودي، في يوليو الماضي، إنشاء مشروع وطني للطاقة الذرية، وفي أكتوبر أعلن يماني أن بلاده ستمنح عقداً لبناء أول مفاعلين نوويين بحلول نهاية عام 2018. ويوضح العسيري أن المملكة رصدت 90 مليار دولار لبناء مفاعلات نووية لتحلية المياه وليس للكهرباء، إذ من المقرر أن تحصل على حاجتها من الكهرباء من إثيوبيا، بعد تنفيذ مشروع سد النهضة التي ساهمت في دعمه، عن طريق توصيل شبكات تمتد عن طريق البحر الأحمر. كذلك وقع الأردن اتفاقية مع شركة "روس آتوم" الروسية، عام 2015، لإنشاء محطة نووية بطاقة 2000 ميغاوات، في منطقة عمرة، بحلول 2023، بينما ألغت الكويت وعُمان وقطر خططها النووية عقب حادث محطة فوكوشيما دايتشي للطاقة النووية في اليابان عام 2011. [caption id="attachment_132203" align="alignnone" width="700"] ملك الأردن يصافح الرئيس الروسي آنذاك، دميتري مدفيديف، في قمة مؤتمر الامن النووي عام 2012[/caption]

أزمات التدخل والتمويل تعطل مشروعات

السودان هو الآخر لم يترك الساحة النووية دون أن يضع قدماً له فيها. فبعد شهر من زيارة الرئيس السوداني عمر البشير لروسيا، وقّعت "روس آتوم" والوزارة السودانية للموارد المائية والري والكهرباء، في نهاية ديسمبر، اتفاقاً لبناء مركز للعلوم والتكنولوجيا النووية ومحطة نووية في السودان، تمهيداً لاختيار الموقع وتحديد الجدول الزمني والتمويل. وأعلن وزير الموارد المائية والري والكهرباء السوداني، معتز موسى، أن بناء المحطة النووية سيستغرق عاماً ونصف العام، بعد توقيع العقد، لتوليد أكثر من 5 آلاف ميغاوات بحلول 2020.

سيشهد عام 2018 بدء عمل أول مفاعل نووي عربي على الإطلاق، وذلك بعد مرحلة تزيد عن 60 عاماً، راود فيها هذا الحلم ما يقارب نصف الدول العربية

ويؤكد نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية ورئيس وحدة دراسات السودان وحوض النيل هاني رسلان لرصيف22 إن لدى السودان عجزاً شاسعاً في الطاقة، وكان من المتوقع أن يستعين على سدّ هذه الحاجة بسد مروي الكهرومائي الذي يقع على مجرى نهر النيل في الولاية الشمالية، إلا أن ذلك لم يعد كافياً. ويضيف أن النظام السوداني لجأ إلى الاعتماد على تكنولوجيا الطاقة النووية لحل هذه الإشكالية، على الرغم من الأزمة الطاحنة التي تمر بها البلاد، في ظل تحالفات عمر البشير المتقلبة والقصيرة الأجل، إلا أن طرح الفكرة، برأيه، لا يعني بالضرورة وضعها في حيز التنفيذ، لأنه من الممكن أن تتغير تحالفات البشير مع الوقت، فتتغير معها اتجاهات الدولة. ويرى رسلان أن مدى جدية المشروع السوداني يتوقف على حجم تسهيلات منح السودان قرضاً لإنشاء المفاعل، حتى لا تتكرر الأزمة الصينية، التي حصلت على إثرها بكين على أرض شاسعة من الخرطوم، كمقابل لسداد عقود قروض عدد من المشروعات في مجالي النفط والإنشاءات، عجزت حكومة البشير حينذاك عن الوفاء بها.

مشاريع مُجهضة

في العقود الماضي، واجهت دول عربية أزمات حالت دون تحقيق طموحاتها النووية، فقد دمّرت إسرائيل المفاعل النووي العراقي الذي أقيم بالتعاون مع فرنسا، عام 1981، واغتيل على إثر ذلك كثير من المهندسين العراقيين والمصريين، كما اعترفت تل أبيب بقتل العالم المصري يحيى المشد، للقضاء على المشروع العراقي بالكامل. [caption id="attachment_132202" align="alignnone" width="700"] المفاعل النووي العراقي عام 1981[/caption] وتخلى الرئيس الليبي السابق معمر القذافي عام 2003 عن برنامج بلاده النووي، عقب الغزو الأمريكي للعراق، ليتجنّب مصير الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين واستمرار العقوبات الاقتصادية على طرابلس، بعدما مدته روسيا بمفاعل تجريبي، وساعدته في إنشاء معامل نووية.

شائعات التسلّح النووي... هل للدخان نار؟

برغم تعاون باريس مع عدد من العواصم العربية في مجال الطاقة النووية، فإن تقريراً لمجلس الشيوخ الفرنسي، تخوّف من إمكان لجوء هذه الدول إلى صناعة أسلحة نووية، مرجعاً ذلك إلى أن السعودية لن تقف مكتوفة الأيدي أمام النفوذ النووي الإيراني. وأوضح التقرير أن المملكة تمتلك عدداً كبيراً من الصواريخ الصينية التي يمكنها حمل قنابل ذرية، فضلاً عن القلق من إمكان تسليح باكستان الرياض نووياً، رداً لجميل تمويلها البرنامج النووي الباكستاني. التقرير الفرنسي أشار أيضاً إلى أن مصر هي الأخرى، قد تسير في الطريق نفسه، موضحاً أن مفاعل أنشاص أجرى العديد من التجارب السابقة غير المعلنة، والتي يمكن أن تكون مفيدة لإنشاء برنامج عسكري، كما أن لدى مصر قواعد لتطوير برنامج نووي عسكري. مع ذلك، لا يتخوف العسيري من تحوّل استخدام الطاقة النووية في العالم العربي إلى مشاريع تسليح، خاصة مع الموقف العربي المعلن من الدعوة إلى إخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية، فضلاً عن تأكيدات استخدام الطاقة لأغراض سلمية، كما أن هذا الاحتمال صعب الحدوث، في ظل حملات التفتيش السنوية الدقيقة التي تباشرها الوكالة الدولية للطاقة الذرية على جميع المنشآت النووية.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard