مراجعة لرواية “ص. ب: 1003”

الجمعة 27 مايو 201602:02 م
يأخذنا سلطان العميمي في روايته "ص. ب 1003" إلى عالم البريد، بكل ما فيه من عناصر، مستعيداً زمن الرسائل الورقية التي كانت وسيلة المراسلة قبل أن يحلّ  محلها  الإنترنت والرسائل الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي.
حبكة الرواية، التي تجري أحداثها في ثمانينيات القرن العشرين، تبدأ برسالة تبعث بها "عليا" الفتاة الإماراتية التي تدرس في لندن، إلى "عيسى" الشاب الإماراتي الذي عثرت على اسمه وصورته في إحدى المجلات ضمن صفحة "المراسلة والتعارف"، فحرّك اسمه ذكرياتها، واستعادت علاقتها الطفولية مع ابن جيرانهم، الذي يحمل الاسم نفسه، مما دفعها لمراسلة الشاب. "ربما كان دافع الحنين إلى أيام الطفولة واللعب مع ذلك العيسى أحد الأسباب التي بررت فيها لنفسي فجأة اتخاذ قرار بمراسلة عيسى الجديد. وربما كنت في حاجة أيضاً إلى معرفة المزيد عن طريقة تفكير أبناء وطني بشكل خاص، والذكور العرب بشكل عام تجاه المرأة والآخر والحياة (...) إضافة إلى ذلك كنت أود تجربة عالم المراسلة الذي سمعت عنه كثيراً".
يتبادل الاثنان بضع رسائل يتناقشان فيها بعض الأمور، ثم فجأة تختفي ردود "عيسى"، ويخبرنا صندوق البريد الخاص به ذو الرقم 1003، أن صاحبه لم يتفقده منذ أسبوعين! هكذا يضفي الكاتب بعداً إنسانياً على كل المفردات المكوّنة للعالم الذي يغوص فيه، وهو عالم البريد، فيفاجئنا بفصول تجري على لسان "صندوق البريد"، و"كيس الرسائل"، و"ظرف الرسالة"، و"البطاقة البريدية". تروي هذه الأشياء عن نفسها، وعن الحدث الذي كانت شاهدة عليه لإكمال حبكة الرواية. يضمّن العميمي هذه الفصول بعض المعلومات التوثيقية عن هذا العالم، فيذكر مثلاً أن بريطانيا هي الدولة الوحيدة التي لا تضع اسمها على طوابع بريدها، اعترافاً وعرفاناً باختراعها أول طابع بريد في التاريخ عام 1840، ويتحدث عن تاريخ البريد في دولة الإمارات، وغيرها من المعلومات والأخبار المتعلقة بذلك.
تنقسم الرواية إلى عدد كبير من الفصول القصيرة، منها ما يجري على لسان أحد مكونات البريد، ومنها ما يجري على لسان شخصية من الشخصيات، وأثناء التنقل بين هذه الفصول يكشف لنا الكاتب سريعاً سبب توقف رسائل "عيسى"، إذ إنه تعرض لحادث سير مات على إثره، فيما استمرت الرسائل بالورود إلى صندوق بريده، ممن لم يعرف بوفاته.
 مدفوعاً وراء فضوله، يقوم موظف البريد "يوسف" بالاستيلاء على رسائل "عيسى" وفتحها، وتتملكه رغبة قوية في إكمال المراسلة مع الفتاة الغامضة "عليا" التي انجذب إلى شخصيتها، فيقوم بذلك، بعد أن يجد حلولاً لكل المآزق التي تواجهه كاختلاف الخط واختلاف الأفكار، "ألا يمكنني أن أحل محل عيسى لأكمل مراسلة عليا؟ لعلي أكتشف ما يمكن أن تكون قد خبأته من مشاعر له! لعلي أعرف ما يمكن أن تصل إليه علاقتهما؟ (...) هل السبب وراء هذا التصرف هو فضولي لمعرفة المزيد عن عليا التي لا أنكر انجذابي نحو شخصيتها؟ هل يمكن أن يُعجب أحدنا بآخر لمجرد قراءة رسائله؟".
يفرد الروائي مساحات من سرده للحديث عن هواية "جمع الطوابع" التي كانت منتشرة في تلك الفترة، على نحو أكبر مما هو عليه الآن، وكيف كانت هذه الهواية تجتذب الكثير من الشبان الذين يتراسلون من مختلف الأقطار العربية لتبادل الطوابع والحصول على أجملها وأقدمها. كذلك يصوّر عالم المراسلة قديماً، وكيف أن كل شيء فيه كان يحمل قيمة معنوية عالية، بدءاً باختيار نوع الورق والقلم الذي سيكتب به الشخص رسالته، ثم كتابتها واختيار الظرف والطابع الملائمين، وإرسالها عبر البريد، وانتهاءً بانتظار الرد من المرسل إليه، مع ما يحمله ذلك الانتظار من تشوّق. إضافة إلى الانفعالات والمشاعر التي تنتاب الشخص وهو يقرأ كلمات الرسالة ويحاول تخيّل شكل الطرف الآخر اعتماداً على شكل خطه وكيفية كتابته وضغطه على الورق وغيرها من الأمور.
تقدم الرواية بشكل مختصر أهم التحولات التي طرأت على المجتمع الإماراتي في تلك الفترة، من خلال الأخبار التي يرسلها "يوسف" إلى "عليا"، كما تقدم من خلال هذه الرسائل نفسها مجموعة من القضايا مثل الصداقة، وتقبل الآخر، والفرق بين المجتمع العربي والمجتمع الأوروبي، وتركز بشكل خاص على نظرة الرجل الشرقي لنفسه وللمرأة، وكيفية فهمه لمعنى الأخلاق، وكيف تسيطر عليه أفكار وقوالب جاهزة استقاها من المجتمع تجاه الآراء التي لا توافق معتقداته وآراءه.
ترتفع حدة الإثارة في الرواية في ربعها الأخير بعد أن يتفق الصديقان على اللقاء ليتعرفا وجهاً لوجه، فيصور الكاتب الحيرة التي تملكت "يوسف" وهو يفكر في كيفية تبرير اختلاف شكله عن صورة "عيسى" المنشورة في المجلة، كما يبرز كيفية تعامل أحدهما مع الآخر بعد أن رسم كل منهما صورة متخيّلة للطرف الثاني مبنية على الكلمات والأفكار...
الناشر: ثقافة للنشر والتوزيع/ الإمارات
عدد الصفحات: 240
الطبعة الأولى: 2014
يمكن شراء الرواية على موقع النيل والفرات أو من متجر الكتب العربي جملون
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard