هل تصبح العامية لغة التدريس في العالم العربي؟

الثلاثاء 27 يونيو 201711:20 م

وصف عدد من الباحثين والمفكرين العرب استعمال العامية في التعليم الأولي بـ"الخطر الهدام" الذي يهدف إلى تخريب الهوية العربية وتقويض لغة الضاد والرمي بها إلى مصاف اللغة الثانية أو الثالثة. يرى الباحث الموريتاني "إسلمو ولد سيدي أحمد" أن الدعوة إلى استعمال "الدارجة" ليست وليدة اليوم، مشيراً في إحدى مقالاته أنّ "العملية بدأت في المشرق العربيّ في القرن التاسع عشر وكانت ترمي آنذاك إلى القضاء على اللغة العربية، بإبعادها عن التعليم والإدارة وسائر المرافق الحيوية. إذ يعلم الداعون إلى الدارجة أنها ليست لغة عالمة لها نحوها وصرفها". ويؤكد الباحث أنّ اللغة العربية، ما دامت قادرة على منافسة اللغة الأجنبية، فإن إقصاءها عن حياة المجتمع كفيل بإخلاء الجو للغة الأجنبية.

جدل حول العامية في المغرب العربي

شكّل عام 2013 مناسبة لإثارة النقاش مجدداً حول الدعوة إلى اعتماد اللغة العامية في التعليم الأوليّ، إذ قاد "نور الدين عيوش"، عضو المجلس الأعلى للتعليم المغربي ورئيس مؤسسة زاكورة للتربية، حملة لاستعمال العامية في مناهج التعليم الأولي. وبالعودة إلى الوراء، وتحديداً عام 2011، كانت بناية "مؤسسة آل سعود" في الدار البيضاء على موعد مع ندوة دولية حول إصلاح التعليم. وفي ختام الندوة، رفعت مذكرة اعتبرها عيوش "وصفته السحرية" لإصلاح المنظومة التعليمية إلى العاهل المغربي الملك محمد السادس وأخرى إلى الحكومة. كما كانت هذه الندوة مناسبة للإعلان عن ميلاد مشروعين جديدين حول "اللغة الدارجة"، أحدهما إنجاز معجم خاص باللغة الدارجة، والثاني، إنتاج برامج تلفزيونية لتعليم الدارجة للمغاربة.

إلا أنّ هذه التوصيات أقامت الدنيا ولم تقعدها، وعلت الأصوات الرافضة للفكرة. أصدر القيادي في حزب الاستقلال المعارض محمد الخليفة بياناً وصف فيه مبادرة عيوش بـ"الوقاحة المتناهية وازدراء مقومات الأمة المغربية وثوابتها وحضارتها وحاضرها ومستقبلها". وأضاف لاحقاً أنها "مخطط يهدف إلى إحياء التوجه الاستعماري الفرنسي الذي يريد حصر اللغة العربية في المساجد فقط" كما أنها صفعة للهوية اللغوية التي ينص دستور المغرب عليها، وهي استعمال اللغة العربية إلى جانب اللهجتين الأمازيغية والحسانية.

في السياق ذاته، انتقد رئيس الحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران مقترح عيوش، معتبراً إياه تهديداً لوحدة البلاد، ومبرراً ذلك في كون "المغرب يرتكز على ثلاثة أمور أساسية، هي الإسلام واللغة العربية والعرش". سهام النقد لم تتوقف إلى اليوم، إذ يقول رئيس الائتلاف المغربي من أجل اللغة العربية "فؤاد بوعلي" لرصيف22 إنّ "ارتفاع عدد الرافضين لفكرة عيوش أكّدت أن اعتماد اللغة الدارجة في التعليم العمومي أمر مغلوط أساساً".

وعلى غرار المغرب، تعيش الجزائر الإشكالية ذاتها، إذ شدّد رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية الدكتور عثمان سعدي على ضرورة إحياء قانون تعميم استعمال اللغة العربية الصادر عام 1990، منتقداً أيضاً القرار الصادر عن رئاسة الدولة بفرض تدريس اللغة الفرنسية من السنة الرابعة إلى الثاني ابتدائي. ومن المفارقات إن الدولة الجزائرية التي تُوجّه إليها سهام النقد بتهميشها اللغة العربية، كانت دعت الدول العربية إلى الإسراع في تأسيس مجلس أعلى للغة العربية تحت مظلة الأمانة العامة لجامعة الدول العربية للنهوض بلغة الضاد.

أما في تونس التي عاشت قرابة 70 عاماً تحت الاستعمار الفرنسي، فتقود جمعية الدفاع عن اللغة العربية حملة لمحاربة أي محاولة تهدف لتهميش لغة الضاد. فتشدد الجمعية على منح الأولوية للغة العربية كلغة للتدريس في التعليم الأولي وعلى ضرورة جعل السنوات الثلاث الأولى خاصة بتعليم اللغة العربية دون غيرها لاستيعابها نطقاً وكتابة، وتفادياً لإرباك الطلاب وحفاظاً على سلامة لسانهم.

وفي المشرق العربيّ

يُلاحظ أنّ دول المغرب العربي (ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا) هي الدول التي تعيش أزمة البحث عن اللغة المناسبة والسليمة لتدريس الطلاب في التعليم الأولي، في حين أن دول الخليج والشام ومصر لا تواجه هذه المشاكل إلا في حالات استثنائية قليلة.

يرى الصحافي اليمني عبد الله الحرازي المقيم في المملكة العربية السعودية أنّ منهج التعليم في اليمن وفي الخليج والشام يتمّ باللغة العربية لاسيما في العلوم الشرعية والاجتماعيات مثل التاريخ والجغرافيا، حتى لو مال المدرّسون إلى تبسيط المنهج للطلاب من خلال استعمال "اللهجات العامية". ويرى الحرازي أنّ الدعوة إلى اعتماد اللغة العامية (اللهجات المحلية) هي "دعوة لتغريب اللغة التي نزل بها القرآن الكريم والتي تعاني من حملة شرسة غربية لطمس هويتها".

وفي مصر، يرى الإعلاميّ علاء عزت أنّه من الأفضل أن تكون مخاطبة الأطفال في بداية المرحلة التعليمية باللغة العامية التي فطموا عليها. ويضيف أنّ المصريين "يتحدثون اللغة العربية الفصحى ولكن بطريقة عامية من أجل التخفيف في النطق". ويشرح: "ليس هناك أزمة علاقة بين اللغة الأم واللغة التي يتمّ التدريس بها لأنّ اللهجة المصرية قريبة بشكل كبير من اللغة العربية"، مشيراَ إلى أن المنطومة التعليمية في مصر لا تهمل اللغة العربية والمدرس يتحدث مع التلاميذ باللغة العربية الفصحى في معظم المواد.

ما هي مبررات اسعمال اللغة العامية

حاول نور الدين عيوش الترويج لفكرته معتمداً على الدعوة التي أطلقتها المديرة العامة لمنظمة اليونسكو، إيرينا بوكوفا Irina Bokova بغية اعتماد اللغة الأم في التعليم الأولي كوسيلة قوية لمحاربة التمييز وللوصول إلى السكان المهمشين. وقال عيوش في اتصال هاتفي مع رصيف22، إنّ "دعوته لم تأتِ من فراغ بل هي نتاج الدراسة التي خلصت إليها مؤسسة زاكورة للتربية والتعليم بعد اختبار استعمال العامية في 450 مدرسة في القرى". وأوضح أن التجربة ساعدت عدداً كبيراً من التلاميذ بالعودة إلى مقاعد الدراسة بعد أن هجروها بسبب عجزهم عن فهم الدروس باللغة العربية الفصحى. ونفى عيوش أن تكون دعوته لاستعمال اللغة الدارجة النيل من الهوية المغربية وتبخيس اللغة العربية، لافتاً إلى أن تعليم الطفل باللغة التي يتواصل بها داخل البيت، ستكسبه المزيد من المعرفة وتساعده على فهم محيطه.

أزمة لغة أم نظام تعليميّ؟

إلا أنّ كثيرين يتساءلون هل مشكلة اللغة العامية أو الفصحى منوطة بالتعليم الأوليّ أم بكل المنظومة الدراسية. في كتابه "من ديوان السياسة"، يرى "عبد الله العروي" أن اعتماد الدارجة يتم "في كل ما هو شفهيّ، مهما تكن الوسيلة ومهما يكن المقام، فيما اعتماد الفصحى هو فكري وتأملي ورمزي، أكان أدباً أو فلسفة أو علماً أو تقنية". ويوضح العروي أن أزمة التعليم المغربي لا ترتبط أساساً باللغة العربية الفصحى أم الدارجة، مشيراً إلى أنّ كل دول العالم تعيش أزمة في التعليم. ويرى أن الدعوات التي أطلقها خبراء اليونسكو لاعتماد اللغة الأم في التدريس تنطلق من أفكار مسبقة ولا تراعي خصوصية المجتمع المغربي، لا سيما أن اعتماد الدارجة لغة تدريس لها قواعدها وحروفها يتطلّب علمياً مئة عام.

وللرد على هذه المشكلة، أحدث المغرب، عام 2014، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي تطبيقاً للدستور المعدل عام 2011، على أن يشكل آلية للتفكير الإستراتيجي في قضايا التربية والتكوين والبحث العلمي، وفضاءً تعددياً للنقاش والتنسيق. وبحسب المعطيات التي تمّ جمعها، هنالك شبه إجماع على أن التعليم المغربي يعيش أزمة منظومة وليس أزمة لغة. ويجمع عدد من المثقفين على أن استعمال اللغة الأم في التعليم الأولي سيصطدم بالتعدد اللغوي (الأمازيغية والسوسية والحسانية). يرى الأستاذ الجامعي عبد الواحد بلكبير أنّ مشاكل عدة ستواجه الطلاب، لا سيما مع ضرورة أن يصبح الكادر التعليمي قادماً من البيئة نفسها للطلاب، لتفادي اختلاف اللهجات. يقول بلكبير لرصيف22 أن المعلم القادم من البيئة الريفية سيحتاج إلى بعض الوقت ليفهم لهجة التلميذ الحساني وسيكون التلميذ الخاسر الأكبر.

بعد وابل الانتقادات، بات عيوش يطالب باعتماد لغة عربية مبسطة، وهذا ما اعتبره معارضوه فشلاً لمشروعه، مشددين على ضرورة النظر والاهتمام بمشاكل تعليمية أخرى كاللغات الأجنبية وتراجع ظاهرة القراءة والاهتمام بالثقافة العامة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard