من أعاد الأنظمة القديمة إلى دول الربيع؟

الاثنين 12 سبتمبر 201610:00 م

بعد الربيع العربي شاع استخدام تعبير الأنظمة الجديدة والأنظمة القديمة، رغم أن الأنظمة الجديدة لم تكن جديدة تماماً فهي لم تأت بقيم جديدة (مارست الإقصاء القديم) ولا بسياسات اقتصادية اجتماعية جديدة (استمرت سياسات الريع).

الجديد في الأمر، والذي كان يحمل بذرة تغيير للمشهد العربي، هو وصول قوة سياسية دينية-مدنية قُمعت في العقود الأخيرة (الإخوان المسلمين) إلى السلطة لتحل مكان قوى بنت سلطانها على ثنائية الفساد والعسكر، وهي بذرة لم تنمُ ما يصعّب عملية تقييمها ولكن فرضية إنتاجها، لو بقيت، ثمرة سيئة أقوى من فرضية إنتاجها ثمرة طيّبة (جنح إخوان مصر إلى الاستبداد وبناء منظومة اقتصادية مرتبطة بـ"الحسنات الخارجية"، وجنح النظام اليمني الجديد إلى إقصاء الحوثيين والجنوبيين، وحتى أفضل الإخوان، إخوان تونس، جنحوا إلى إقصاء خصومهم قبل أن يتنبهوا لخطورة ذلك ويعودوا إلى رشدهم).

على هدى الانقسامات الإقليمية الحادة إلى محاور، يتساءل البعض: من عمل على إعادة الأنظمة القديمة إلى دول الربيع؟ في سنوات ما بعد الربيع يمكن ملاحظة التالي:

في مصر، هللت إيران للنظام الجديد (تحدث آية الله الخامنئي عن ربيع إسلامي) بينما اعترضت عليه السعودية وعملت على إعادة النظام القديم. ولم تمانع إيران لأنها كانت قد امتعضت من إدارة الإخوان المسلمين ظهرهم لها.

في سوريا، دعمت إيران النظام القديم بشراسة وأرسلت الميليشيات الشيعية لتثبيته ولمنع سقوطه. في المقابل فضّلت السعودية إدارة ظهرها للوجوه التي أنتجتها الثورة السورية في بدايتها (أهانت قيادات الائتلاف الوطني في مناسبات عدّة ورفضت منح أدوار لوجوه جديدة لم ترضَ عنها) ودعمت جماعات محدودة لخوض حربها الخاصة بالوكالة مساهمةً في إنقسام المعارضين السوريين ودافعةً الأمور إلى الفوضى يداً بيد مع الإيرانيين.

في ليبيا، لم تتدخل إيران لأن لا نفوذ لها في هذه الدولة. السعودية بالتعاون مع نظام مصر القديم المتجدّد عملت على إعادة النظام الليبي القديم قاسمة الليبيين إلى ما يشبه شعبين في دولة واحدة.

في تونس، لم تتدخل إيران أيضاً لأنها غير مؤثرة في هذه الدولة. ولم تتدخل السعودية بصلافة ولكنها دعمت عودة النظام القديم، وساعد إسقاط إخوان مصر كثيراً في تغيير ميول التونسيين.

في اليمن، فرضت السعودية منذ البداية على اليمنيين عدم إسقاط النظام القديم وقررت خلق نظام مسخ قديم-جديد، تحت عنوان المبادرة الخليجية، أوصل الأمور إلى ما هي عليه الآن بينما دعمت إيران الحوثيين لخلق نظام مسخ قديم-جديد مختلف عن المسخ الأول.

ولا ننسى أن السعودية كانت قد امتعضت عام 2003 من سقوط النظام العراقي القديم وطالبت بإعادة التوازن الاستراتيجي في المنطقة من خلال إسقاط النظام القديم السوري بينما حاولت إيران تشكيل النظام العراقي الجديد وفق قواعدها. ومن العراق تم التأسيس للتناقضات التي ظهّرها الربيع العربي.

من أعاد الأنظمة القديمة؟ البعض يظنّ أنه قادر على تحديد جهة واضحة. التعقيدات أعلاه تحدثت حصراً وبشكل عام وسريع عن الأدوار الإيرانية والسعودية. إذا أدخلنا إلى المشهد السياسات التركية والقطرية ستتعقّد الصورة أكثر. وإذا أدخلنا التحالفات الداخلية داخل دول الربيع، والتي سمّيناها أنظمة جديدة، ستتعقد الصورة أكثر فأكثر، خاصةً أن كل الأنظمة القديمة أثبتت أنها تتمتع بدعم شعبي ليس بسيطاً من بعض الأوساط المرتبطة بها زبائنياً أو عشائرياً أو مناطقياً أو طائفياً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard