أردوغان، هل يبايعه الأتراك سلطاناً؟

الأحد 11 سبتمبر 201611:04 م

لم يعد خافياً على أحد أن انتخاب سياسي طموح وقوي مثل رجب طيب أردوغان لرئاسة الجمهورية يعني أن تغيراً جذرياً في منصب الرئيس ومهماته قادم لا محالة. فأردوغان لاعب سياسي ماهر لا يقنع بدور تشريفي حتى لو كان على قمة هرم السلطة. الهدف التالي له بعد فوزه بالرئاسة هو إقرار نظام رئاسي عوضاً عن النظام البرلماني، وبهذا تتحول تركيا من إرث أتاتورك إلى جمهورية أو لنقل سلطنة أردوغان.

يدور جدل محموم هذه الأيام في تركيا حول النشاط الانتخابي المتزايد للرئيس التركي الذي يعد أول رئيس ينتخب مباشرةً من الشعب. وبحسب الدستور، يجب على الرئيس أن يكون فوق الأحزاب والصراعات الحزبية لأنه رمز للأمة كلها. إلا أن طموح أردوغان الذي لا يتوقف عند حد لا يأبه كثيراَ لصراخ المعارضة. فهو يطوف المدن والأقاليم التركية ويدعو في كل مناسبة الأتراك إلى مساندة حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه في الانتخابات البرلمانية التي ستجري في يونيو المقبل. "أعطوني 400 مقعد وسينتهي كل هذا النقاش"، هكذا خاطب الناخبين الأتراك طالباً منهم دعمه لحصول على أغلبية ساحقة في البرلمان التركي الذي يتكون من 535 مقعداً.

ولكن لماذا هذا الإلحاح على تحويل البلاد من نظام برلماني إلى نظام رئاسي. يمكن أن نجيب عن هذا السؤال، بشيء من الواقعية السياسية التي تضم حجج الحزب الحاكم وما تقوله المعارضة في الوقت ذاته، من خلال النقاط التالية:

1 ـ السيطرة على مفاصل الدولة

نجاح أردوغان في المواجهة العاصفة التي جرت أواخر 2013 مع جماعة فتح الله غولن وتسريبات الفساد جعلته أكثر حرصاً على السيطرة على مفاصل الدولة بأكملها. فبعد أن كان في موقف المدافع في الماضي، تحول إلى الهجوم بعد فوز حزبه بالانتخابات البلدية وفوزه شخصياً بمنصب رئاسة الجمهورية في العام الماضي. هكذا ازدادت الملاحقات القانونية والاعتقالات لكل رجال الشرطة المشتبه بأنهم خلف تسريب تسجيلات الفساد لابنه بلال وآخرين من كبار المسؤولين في حزبه. فالطموح بتحويل تركيا إلى نظام رئاسي على قمته حزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان سيضمن له شخصياً سيطرة تامة على الحياة السياسية وأجهزة الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية. وهذا ما تحدث عنه علناً في نقده للمعارضة حين اتهمها بمحاولة خلق نظام مواز داخل الدولة واعتماد أساليب ملتوية للحد من نجاح حزب العدالة والتنمية الانتخابي.

ويبدو هذا أوضح ما يكون في قانون الأمن الداخلي الذي اقترحته الحكومة أخيراً على البرلمان. يهدف الاقتراح إلى كبح أية تظاهرات أو احتجاجات قد تندلع في موسم الانتخابات المقبل، أو في المستقبل بشكل عام. ويقيّد الحريات إلى حد كبير، فهو يمنح الشرطة مثلاً حق اعتقال أشخاص للشبهة وبدون أمر قضائي لمدة 24 ساعة، وحق اعتقال أشخاص ومحاكمتهم والحكم عليهم بالسجن ثلاث سنوات كحد أقصى إن تظاهروا بوجوه مقنعة أو مخفية الملامح. كما يبيح لهم إطلاق النار في حال اشتباههم بأن المتظاهر ينوي استعمال المولوتوف، ويطلق أيديهم في تفتيش الأشخاص والسيارات والتنصت على الاتصالات بدون أوامر قضائية. وبرغم احتجاجات المعارضة فإن مشروع القانون يبدو في طريقه إلى الإقرار مع بعض التعديلات التي لن تمس جوهره.

2 ـ إطلاق خطط تنموية طموحة

دعوة أردوغان إلى تغيير النظام البرلماني إلى رئاسي ليست الأولى في التاريخ السياسي التركي. فقد سبقتها دعوات أخرى أطلقها كل من الرئيسين السابقين سليمان ديميريل وتورغوت أوزال. لكنها لم تكن في الماضي بهذا الزخم، وبالتأكيد لم تكن موضوعاً انتخابياً محورياً كما هو الحال الآن. وقد كانت الذريعة دوماً هي البيروقراطية التي يتطلبها النظام البرلماني في إقرار القوانين، وهذا ما يعطل أيّة خطط تنموية طموحة للقيادة التركية.

وهذه هي الحجة الرئيسة التي يلوح بها أردوغان للناخبين رابطاً الموافقة على النظام الرئاسي بحركة بناء ونمو اقتصادية سريعة. هذه الحجة، وإن كانت لا تخلو من وجاهة، تفصح عن الطموح الأردوغاني لأن يضع بصمة لا تمحى على المستقبل التركي الذي يريد أن يرسمه في السنوات المطلة. "حين أتحدث عن النظام الرئاسي فأنا أتحدث عن تركيا العظيمة، تركيا 2023 وتركيا 2071. نحن لن نرى تلك الأيام ولكن أحفادنا سيعيشونها"، هكذا يرى أردوغان مكانته في صورة تركيا القادمة التي ستتشكل على يديه وسيكون هو، لا غيره، سبب عظمتها.

3 ـ إنهاء المشكلات القومية

يسعى أردوغان إلى إطلاق يديه في إنهاء المشكلات القومية في البلاد وأهمها القضية الكردية، وهي إرث كمالي غذته القومية المتطرفة التي طبعت السياسة التركية وسياسة المؤسسة العسكرية منذ تأسيس الدولة عام 1923. وتبدو المحاولات الحثيثة الأخيرة لتحضير المشهد السياسي لعملية سلام من خلال دعوة الزعيم الكردي عبد الله أوجلان إلى إلقاء السلاح والبدء بعملية سلام كجزء من خطة أردوغان وحزبه لتحقيق انتصار مرحلي يثبت للناخبين قدرتهم على تشكيل المستقبل التركي. وهذا المستقبل لن يكون فقط نتاجاً لسياسة المصالحة بين العلمانية والفكر الاسلامي، أو مجرد تحالف بين حزب العدالة والتنمية والرأسمالية التركية ممثلة برجال الأعمال، ولكنه سيكون أيضاً مقدمة لدورتين رئاسيتين تمتدان حتى 2023 وتعيدان تشكيل وجه تركيا سياسياً واجتماعياً وتجعلان من الأردوغانية إرثاً يصعب على الأجيال المقبلة محوه.

ويبدو أن الرئيس مستعد للمضي إلى أبعد مدى في عملية السلام مع الأكراد لتحقيق حلمه بتحويل البلاد إلى النظام الرئاسي. فقد فسر المراقبون التسهيلات التي قدمها لأوجلان من أجل إطلاق نداء السلام بأنها محاولة منه للحصول على أصوات كردية في الانتخابات المقبلة. ورغم هذا فقد طغى التشنج على علاقته بصلاح الدين دميرطاش زعيم حزب الشعوب الديمقراطي الكردي الذي توعد أردوغان بأنه لن ينعم برؤية النظام الرئاسي ما دام الأكراد موجودين في تركيا.

مخاوف المعارضة

إن كان لأردوغان من المبررات ما يجعل الخيار الرئاسي يبدو خياراً عملياً في نظر مؤيديه على الأقل، فإن مخاوف المعارضة لها ما يبررها أيضاً. فعلى المستوى السياسي، تبدو التضييقات المستمرة على الحريات العامة والرقابة على الإنترنت، ومشروع قانون الأمن الداخلي الأخير إشارات مقلقة لما ستكون عليه تركيا في حال أحكم أردوغان قبضته على البلاد في ظل نظام رئاسي.

وقد دفعت كل هذه الإجراءات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى توجيه انتقاد قاسٍ إلى سجل تركيا في الحريات العامة. كذلك فعلت منظمة مراسلين بلا حدود التي وضعت تركيا في المرتبة 149 من بين 180 دولة في احترام الحريات الصحافية والاعلامية.

أما على المستوى الشخصي، فنزعة تمجيد الذات واضحة في ما يقوم به الرئيس العثماني الجديد. فهناك العديد من المشاريع العملاقة التي سيتم إطلاق اسمه عليها مثل مطار اسطنبول الجديد الذي سيكون مطاراً عملاقاً يخدم 150 مليون مسافر ومشاريع أخرى مثل استاد أردوغان وسد أردوغان.

وإذا أضفنا إلى كل هذا الملاحقات القضائية المستمرة لأشخاص عاديين وشخصيات عامة بتهمة إهانة الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تصل عقوبتها إلى السجن لأكثر من أربع سنوات، لأدركنا إلى أي حد كانت صورة أردوغان على درج قصره الرئاسي مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس معبرة عن أوهام العظمة التاريخية التي يعيشها رأس الجمهورية العثمانية الجديدة.

تبدو تركيا بمؤشراتها الاقتصادية ومشاريعها العملاقة كنموذج غربي مشع في الشرق الأوسط، ولكن واقعها السياسي ينبئ بدخولها في نفق الشمولية الرئاسية المنتشرة في العالم الثالث. فهل ينجح أردوغان في محو إرث أتاتورك وتحويل تركيا إلى نسخة حديثة من سلطنة غابرة يتربع على سدتها السلطان العثماني السابع والثلاثون؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard