السعودية تستعرض عضلاتها في اليمن دون حساب المخاطر

الأحد 11 سبتمبر 201611:01 م

وأخيراً قررت السعودية استخدام ترسانتها من الأسلحة المتطورة والمكدّسة للتأثير في أحداث الشرق الأوسط. اختارت جارتها اليمن لتحاول إثبات نفسها كقوة إقليمية قادرة على فرض إرادتها بالقوة. ولكن خطوة المملكة غير محسوبة البتة. وقد تنتهي بنسخة خليجية من حرب فييتنام.

بدء "عاصفة الحزم" أدخل الفرح إلى قلوب العروبيين الممتعضين من التمدد الإيراني في المنطقة العربية. هؤلاء لطالما عابوا على السعودية عدم تدخلها بحزم لمواجهة التوسّع الإيراني. ولكن اختيار المملكة لليمن من أجل إحداث نقلة نوعية في سياستها الخارجية يدل على أن خطوتها هي ردّ فعل "شرقي". استعظمت السعودية أن يصل النفوذ الإيراني إلى جوارها، إلى الدولة الخليجية التي رفضت ضمها إلى مجلس التعاون الخليجي لفقرها، فقررت التدخل.

قبل أسابيع انتقدت السعودية ضمناً الغارات المصرية على ليبيا رغم أن ليبيا تمثل لمصر أكثر بكثير مما تمثله اليمن للسعودية. كذلك، ضغطت على دول الجوار الليبي لكي تتمسك هذه الدول بالمطالبة بالحل السياسي بين الحكومتين المتواجهتين وما وراءهما من عشرات الميليشيات. ومنذ العام 2011، لم تخفِ  إيران تدخلها في سوريا لا بل فاخرت هي وحلفاؤها به ولم تحرك السعودية ساكناً. والأمر نفسه جرى قبل ذلك في العراق الواقع على حدود المملكة وحدود شقيقتها الخليجية الكويت. ولكن عندما اقتربت كرة اللهب من حدودها مع اليمن، وهي حدود لا تحميها صحراء شاسعة كما الحال بالنسبة للعراق، قررت التصرّف بشكل مختلف خاصة أن القوة المتقدّمة هي الحوثيون المقربون من إيران.

إذن الاعتبارات الجيوسياسية هي التي تحكمت بقرار المملكة. بعيداً عن الأخلاقيات، قرارها هو، من حيث الشكل، قرار عاقل جيوسياسياً. ولكن إذا نظرنا إلى تفاصيل الأزمة اليمنية وتفاصيل الصراع الإقليمي فسنرى أن السعودية بنت ردّة فعلها على معطيات خاطئة ودخلت نفقاً لن تستطيع الخروج منه بسهولة، فما باشرته يمتلك محركات داخلية كثيرة ستقود إلى تفاقم الوضع.

السعودية الآن أمام أحد احتمالين: إما أن تفضي عملية "عاصفة الحزم" سريعاً إلى تحقيق مكاسب سياسية تتضمّن عودة الحوثيين إلى المبادرة الخليجية وما يلحق بذلك من قبولهم التراجع ميدانياً من المناطق التي توسعوا فيها، وإما أن تدفع الحوثيين وحلفاءهم إلى التصلّب، وفي هذه الحالة ستواجه الحملة الجوية نفس مصير كل الحملات الجوية التي عرفها الشرق الأوسط: العجز عن تغيير الواقع.

يصعب تحقق الاحتمال الأول لأسباب كثيرة. عندما قرر الحوثيون، ومن وراءهم إيران، التقدّم نحو عدن كانوا يعرفون أن السعودية ستغتاظ، وأن هذا قد يؤدي إلى ردة فعل منها. لذلك، هم لم يفاجأوا تماماً من "الحلف العربي" الذي تشكّل سريعاً ليغطي قرار المملكة بالتدخل العسكري. ومنذ سبتمبر الفائت، أي منذ قرارهم التوسع في اليمن، كانوا يعرفون أنهم يتحدون السعودية بشكل أو بآخر. لذلك، لا يمكن توقع تراجعهم سريعاً عن عمل ستة أشهر، خاصة أن السعودية، ومن أمامها الرئيس اليمني عبد ربّه منصور هادي، كانوا يحاولون حصر الحوثيين في إقليم صعدة "الميت" دون الأخذ بعين الاعتبار أن رغبتهم لا تنسجم مع موازين القوى في الداخل اليمني، وهو ما أثبته توسع الحوثيين السريع خارج إقليمهم الحبيس والفقير.

من هذا المنطلق، فإن الاحتمال الثاني هو الأرجح. لن تُنتج الضربات السعودية مفاعيل سياسية وستتدحرج الحرب. ومما يزيد الأمر تعقيداً أن "عاصفة الحزم" هي أول تحدٍ عسكري بين السعودية وإيران بعد نضوج اتفاق الأخيرة مع الولايات المتحدة على ملفها النووي. هذه هي أول حرب في المناخ الجيوسياسي الجديد في الشرق الأوسط، وعلى السعودية إثبات نفسها في الظروف الجديدة. قبل ذلك، كان يمكن افتراض أن السعودية بنت سياساتها على سيناريو قص الولايات المتحدة لأظافر إيران. ولكن الآن، إن تراجعت قبل تحقيق مكاسب سياسية واضحة تكون قد استسلمت أمام خصمها الإيراني ما سيلقي بظلاله على الشرق الأوسط كله.

ببساطة، المغامرة السعودية لم تُحسب جيّداً، لأن المملكة فرضت على نفسها تحقيق إنجاز في ما يشبه المقامرة. وكلما طالت المواجهة ستجد السعودية نفسها أمام صعوبات يطرحها أعضاء "الحلف العربي" الذي شكّلته حولها بتسرّع. فالإمارات لم تقطع علاقاتها بحليف الحوثيين القوي، الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وإن بقي الأخير متحالفاً مع الحوثيين فسيعني ذلك أنهم سيبقون الطرف اليمني الأقوى. وقطر ستطالب بأدوار كبيرة لحليفها الإخواني، التجمع اليمني للإصلاح. والحراك الجنوبي لن يتحالف دون قيد أو شرط مع السعودية التي كانت تقف ضد مطالبته باستقلال الجنوب. ويصعب إرضاء الحراك الجنوبي والإخوان في الوقت نفسه كما يصعب الجمع بين إرضائه والعمل على استمالة صالح دون أن ننسى صعوبة جمع صالح بالإخوان الذين "خانوه" قبل وقت قصير. كذلك، سيحاول تنظيما القاعدة وداعش الاستفادة قدر المستطاع من الفوضى الأمنية وقد يريان أن من مصلحتهما توجيه بعض اللكمات للسعودية.

أما الأسوأ فهو أن تدحرج الحرب سيقتضي عملاً برياً لن يخوضه السعودي الذي أذاقه الحوثيون الأمرين عام 2009 وحيداً وسيكون رأس حربته الجيشين المصري والباكستاني ما يعني كلفة مالية وسياسية هائلة ستتكبدها المملكة لإرضاء سلطات هاتين الدولتين. ستطالب مصر بغطاء عربي للتدخل في ليبيا مقابل تدخلها في اليمن. علماً أن الاستعانة بباكستان ستقضي على دعاية المواجهة العروبية للتمدد الفارسي وسترفع الستار عن حقيقة الصراع السني الشيعي في الشرق الأوسط. كما أن أي تدخل خارجي سيوقظ حساسيات وطنية يمنية عند كثيرين سيرفضون غزو بلادهم وسيرون في الحوثيين حليفهم الموضوعي. ببساطة، كل الاحتمالات المستقبلية لها أضرار جانبية على المملكة.

افتتحت السعودية لعبة خطيرة جداً. "محور الاعتدال السنّي" قرّر النزول إلى الميدان. لن ترفع إيران الرايات البيض لأنها هي أيضاً تعرف أن هذه هي حربها الأولى في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي، وتريد إثبات أن ملفها النووي شيء ونفوذها الإقليمي شيء آخر تماماً، خاصةً وأنها أقوى من المملكة في لعبة عضّ الأصابع لأنها ستحارب بالوكالة. وقد يُسعِد الروسي الارتفاع الطارئ على سعر النفط ويرى أن من مصلحته إطالة أمد الحرب لرفع سعر برميله أكثر فأكثر. أقصى ما يمكن أن تحققه السعودية هو مقايضة إيران على اليمن ودفع الثمن في العراق. وهذا سيناريو لم تنضج ظروفه بعد. بدأت الحرب. وإذا لم يتحقق تفاهم سياسي سريع يحقق رضى الأطراف المتناقضة، فربما سنجد أنفسنا أمام فييتنامخليجية تستنزف جيوش القوى العربية التوّاقة إلى لعب أدوار إقليمية.

يمكن التعرف أكثر على الوضع في اليمن هنا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard