ماذا يريد الحوثيون في اليمن؟

الأربعاء 31 مايو 201705:54 م

"هذه ثورة شعب بأكمله ضد الفساد، ثورة الملايين من أبناء اليمن الذين يتضورون جوعاً لمصلحة فئة فاسدة نهبت مقدرات الوطن"، قال زعيم الحوثيين، عبد الملك الحوثي، في بداية الشهر الجاري، مطلقاً سلسلة من التحركات المطلبية. لم يمض وقت طويل حتى وصلت الأمور إلى "احتلال" صنعاء. ولكن، عوضاً عن الاستيلاء منفردين على السلطة، وقّع الحوثيون "اتفاق السلم والشراكة الوطنية" مع باقي المكوّنات الوطنية.

فاجأ الحوثيون العالم حين تمكنوا من السيطرة سريعاً على مقارّ رسمية ومواقع عسكرية في العاصمة اليمنية. منذ أكثر من شهر بدأوا تحركات تصعيدية ضد الحكومة تطالب بإلغاء رفع أسعار الوقود وبالمشاركة السياسية. حاصروا صنعاء سلمياً ولمّا تطوّرت الأوضاع إلى مواجهات عسكرية صُعق الجميع بقدرات الحوثيين. متحدثاً عن اتفاق السلم بعد سقوط صنعاء بيد مؤيديه قال الحوثي إن "هذا الاتفاق يشكل صيغة سياسية جديدة للبلاد قائمة على أساس الشراكة بدلاً من الإقصاء".

الطريق إلى صنعاء مرّت بعمران

بين محافظة صعدة حيث تتركّز قوة الحوثيين وبين صنعاء رمز السلطة اليمنية، تقع محافظة عمران. في الثامن من يوليو  الماضي تمكّن الحوثيون من إحكام سيطرتهم على هذه المحافظة ووقفوا على مشارف العاصمة. أفصح هذا التقدّم بشكل صريح عن طبيعة الصراع الدائر في اليمن. فعمران هي معقل آل الأحمر، زعماء تكتل حاشد القبلي المشارك بفعالية في السلطة اليمنية بعد الثورة والمؤيد للتجمع اليمني للإصلاح، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين.

منذ العام 2011، حين اندلعت الثورة اليمنية، شارك الحوثيون بقوة في الانتفاضة الشعبية واكتسبوا، بتبنّيهم مطالب الشعب اليمني، مظهر الحركة الديمقراطية المناهضة للديكتاتورية. ساعدتهم على ذلك معاناتهم خلال السنوات الأخيرة من حكم الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، والتي شهدت ست مواجهات عسكرية واسعة بين ميليشياتهم والجيش اليمني.

حين سيطر الحوثيون عسكرياً على العاصمة، تمكّنوا من إخضاع الفرقة الأولى مدرّع التي يقودها الرجل القوي اللواء علي محسن الأحمر، مستشار الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي لشؤون الدفاع. الحليف السابق للرئيس السابق هو نقطة التقاء بين تحالف حاشد القبلي والإخوان المسلمين. خلال الحروب الماضية ضد الحوثيين شارك في ضربهم ولكنه الآن فرّ أمام زحف ميليشياتهم. تم استكمال ما بدأ في عمران التي شهدت سقوط جنرال آخر هو حميد القشيبي. واحداً تلو الآخر، أزاح الحوثيون خصومهم الكبار. في "خطاب النصر"، اعتبر الحوثي أن أهم إنجازات الثورة كانت "إزالة أكبر وأخطر قوى النفوذ المتغلغلة في مؤسسات الدولة بقيادة علي محسن الأحمر، الذي كان يتحالف مع قوى خارجية للسيطرة على الدولة".

الحوثيون وحلفاؤهم

تنتمي القاعدة الصلبة للحوثيين الناشطين سياسياً تحت راية حركة "أنصار الله" إلى اليمنيين الزيديين. ينتشر أتباع المذهب الزيدي في شمال غرب اليمن ويشكّلون ما يقارب ثلث عدد سكان الدولة الفقيرة. حتى العام 1962، تعاقبت على شمال اليمن ممالك زيدية حكمته لحوالى ألف سنة إلى أن سيطرت على السلطة شخصيات سنّية. من المؤكد أن قادة الحوثيين تأثروا بالثورة الإيرانية سياسياً وعقائدياً وكسبوا دعم الدولة الفارسية مذ كانوا يرفعون راية محاربة التهميش كما كسبتهم إيران كمنطقة نفوذ تقع على حدود السعودية وقريبة من البحر الأحمر.

نجح الحوثيون في بناء شبكة علاقات واسعة نسجوها مع قبائل سُنّية على قاعدة العداء المشترك لتحالف حاشد وآل الأحمر. خلال مرحلة السجالات اليمنية حول تقسيم اليمن إلى أقاليم، تقرّب الحوثيون من الحراك الجنوبي المطالب بإقليم جنوبي موحّد يستعيد إدارياً حدود دولة اليمن الجنوبية. بشكل خاص بنوا علاقات متينة مع نائب رئيس اليمن الجنوبي السابق علي سالم البيض، الرجل الذي يرتبط بعلاقات قوية مع إيران وغير البعيد عن الخليجيين. في خطابه الأخير قال الحوثي إن "إخوتنا في الجنوب متضررون ومظلومون، والكل مؤمن بمظلوميتهم، وحتى الآن لم يتلقوا الإنصاف، ولم تتحقق لهم العدالة"، داعياً إلى رفع المظلومية عنهم.

إلى هذه التحالفات الواضحة، أقام الحوثيون تحالفاً أقل وضوحاً مع الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح. عندما اجتاحوا عمران، وقفت إلى جانبهم شخصيات عدّة تنتمي إلى "حزب المؤتمر الشعبي العام". حركة "أنصار الله" الفتيّة أثبتت أنها الأقدر على وراثة ولاء مؤيدي صالح وحزبه الهرم.

الحوثيون في السياسات الإقليمية

برغم عملهم على قلب طاولة السياسة اليمنية بالقوّة، لم نشعر بأن هناك من يندّد بتحركهم الأخير بشدّة. كل الدول الفاعلة في اليمن وخاصة الدول العشر الراعية لـ"المبادرة الخليجية" لم تقطع معهم بل انتظرت ما ستؤول إليه الأمور.

مؤشرات كثيرة يمكن قراءتها على أنها تدلّ على عداء دول مجلس التعاون الخليجي للحوثيين. بعد تقدّم الحوثيين إلى صنعاء، أبلغ وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل الرئيس اليمني "استياء المملكة ومجلس التعاون الخليجي من هذه الأساليب المتسمة بالعدوان على المجتمع اليمني". هيئة كبار العلماء في السعودية صنفت الحوثيين حركة "إرهابية"، واعتبر الداعية السعودي، عبدالعزيز الطريفي، أن "جهاد الحوثيين واجب". جزء أساسي من "ثورة" الحوثيين يمكن تفسيره بإرادة إيران هزّ العصا أمام دول مجلس التعاون الخليجي وخاصة السعودية.

ولكن سرعة سقوط صنعاء وعدم مقاومة الجيش لعناصر الميليشيات الحوثية ودعوةوزير الداخلية اليمني الأجهزة الأمنية إلى "التعاون مع الحوثيين في توطيد دعائم الأمن والاستقرار واعتبارهم أصدقاء للشرطة"، وخلاف الرئيس هادي مع قائد قوات الأمن الخاصة اللواء فضل قوسي، تدلّ على أنه لم يكن هناك قرار خليجي بالتصدّي لـ"غزو" صنعاء.

في نوفمبر الماضي، كتب ديفيد هيرست David Hearst في صحيفة "الغارديان" The Guardian البريطانية: "الحاجة إلى محاربة التجمع اليمني للإصلاح في اليمن قادت السعوديين إلى دعم ميليشيات الحوثي التي سبق وخاضوا حرباً ضدها"، وذكر واقعة ذهاب القيادي الحوثي صالح حبرة إلى لندن ولقائه برئيس المخابرات السعودية بندر بن سلطان. ومنذ وقت ليس ببعيد، نشرت صحيفة "الأولى" اليمنية المقرّبة من الحوثيين خبراً عن زيارة قام بها عضو المكتب السياسي لحركة "أنصار الله"، علي البخيتي، إلى الإمارات العربية المتحدة، التي تستضيف 80 شخصاً من عائلة الرئيس اليمني السابق، ولقائه بمسؤولين إماراتيين كبار بهدف التقريب بينهم وبين السعودية.

بصرف النظر عن هذه المعلومات يقدّم الحوثيون المدعومون من إيران، والذين خاضوا معارك مع الجيش السعودي عام 2009، رسائل كثيرة إلى السعودية. يعتمدون على واقع أن قطاع الحدود الفاصل عن المملكة والخاضع لسيطرتهم هو منطقة مستقرة لا تتسرّب من خلالها المخاطر إلى السعودية. "التحدي الأمني المتمثل في القاعدة، وأخواتها، ومن يمكن أن يكون أذيالاً لها، هو التحدّي الأكبر"، قال الحوثي في خطابه الأخير مقدماً إغراءات للجارة القلقة على أمنها القومي من نشاط هذا التنظيم عبر حدود مشتركة مع اليمن يبلغ طولها 1500 كلم.

ماذا يريد الحوثيون؟

لماذا لم يستول الحوثيون على السلطة بشكل صريح؟ لماذا جنحوا نحو اتفاق سلم، وهم الذين لا يؤمنون من الناحية العقائدية بالنظام الجمهوري ويعتبرونه استكمالاً للانقلاب على نظام الإمام وعلى الحكم الشرعي؟ لا شك في أنهم أخذوا بعين الاعتبار مناخ الربيع العربي الذي لا يسمح بتكريس فريق إنقلابي حاكماً شرعياً ولا شك في أنهم يدركون أن تولّي الحكم سيخلق لهم مشاكل كثيرة بسبب استحالة معالجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة. فضّلوا التحوّل إلى لاعب رئيسي يتحكّم بالسلطة دون أن يكون مسؤولاً مباشراً عن عملها.

في الأساس لم تعجب نتائج الثورة اليمنية الحوثيين. يعتبرون أن "المبادرة الخليجية" همّشت القوى اليمنية الثورية وأعادت توزيع السلطة بشكل غير عادل وأبقت النظام القديم فاعلاً. في تعليقه على الأحداث الأخيرة، قال الناطق الرسمي باسم أنصار الله محمد عبد السلام إن ما يحصل هو "نتيجة للمبادرة الخليجية التي ظن البعض أنها انقذت اليمن ولكنها أنقذت سلطة اليمن ولم تحقق آمال الشعب اليمني في التغيير."

ولكن مطلبهم الرئيسي ليس هنا. خلال المفاوضات التي سبقت هجومهم على صنعاء، طالبوا بمراجعة التقسيم الإداري للدولة الاتحادية المقبلة، بحيث يكون لإقليمهم منفذ إلى البحر الأحمر. لم ترضهم جغرافيا الأقاليم الستة كما رسمتها اللجنة المكلفة بتحديد الأقاليم. اعتبروا أن الصيغة المعتمدة تقسم اليمن إلى "أغنياء وفقراء" وتأتي "لخدمة المملكة العربية السعودية لتعطيها مساحة كبيرة قبلية نفطية على الحدود". وضع التقسيم المذكور مناطق نفوذ الحوثيين في "إقليم أزال" الذي يضم صعدة وعمران وصنعاء وذمار. يعترضون على هذا التقسيم لسببين رئيسيين: الأول، يحرمهم من منفذ إلى البحر (يطالبون بضم محافظة حجة إلى الإقليم)؛ والثاني، يحرمهم من المناطق النفطية القريبة منهم في محافظتي الجوف ومأرب (ألحقتا بإقليم سبأ المجاور). من هنا فإن معركة صنعاء تزامنت مع معارك يخوضونها في محافظات حجة والجوف ومأرب ضد تنظيم القاعدة حيناً وضد القبائل المتحالفة مع الإخوان المسلمين والجيش اليمني أحياناً. يعملون على فرض إقليم الأمر الواقع.

لن يكتفي الحوثيون بإقليم يحقق طموحاتهم وينسجم مع قوتهم. يريدون أيضاً المشاركة بفعالية في حكم اليمن. ينص "اتفاق السلم والشراكة الوطنية" على تشكيل حكومة تكنوقراط ترأسها شخصية محايدة وعلى تعيين الرئيس اليمني مستشارين له من الحوثيين والحراك الجنوبي. وتحت الطاولة يطالبون بالسيطرة على النيابة العامة والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة وجهاز الأمن القومي وجهاز الأمن السياسي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard