الحبيب بورقيبة استخدم الإخوان المسلمين ضد عبد الناصر واليسار ثم حاول القضاء عليهم

الأحد 11 سبتمبر 201611:00 م

عُرف عن الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة موقفه المثير للجدل من الدين والنص الديني الإسلامي. فطوال سنوات حكمه الثلاثين، خاض صراعاً عنيفاً ضد المؤسسة الدينية التقليدية انتهى بالقضاء عليها. كما واجه الإسلام السياسي ممثلاً بحركة الاتجاه الإسلامي التي أصبحت في ما بعد تحمل اسم "حركة النهضة". ووصل هذا الصراع إلى ذروته حين دعا الناس، عام 1960، للإفطار في شهر رمضان.

قبل هذه الحادثة، كان بورقيبة قد نجح في تفكيك هيمنة المؤسسة الدينية على الشأن العام، من خلال العديد من الإجراءات التشريعية. وكان أولها إصدار مجلة الأحوال الشخصية، فمنع تعدد الزوجات وفرض الطلاق أمام المحكمة المدنية وأخرجه من سلطة الزوج. ثم قام بإلغاء المحاكم الشرعية ذات الصبغة الدينية وتوحيد التعليم العمومي وإلغاء التعليم الديني في جامع الزيتونة وفروعه وإلغاء الأوقاف العامة والخاصة وتأميمها لتصبح أملاكاً تابعة للدولة. وقد أثارت هذه التوجهات العلمانية حفيظة الشيوخ ورجال الدين، لأنهم وجدوا أنفسهم بلا دور اجتماعي ولا موارد اقتصادية وبدون نفوذ أو سلطة في الشأن العام.

وبالرغم من الصدام بين مشروع بورقيبة التحديثي العلماني والسلطة الدينية، فإن علاقة الرجل ونظامه بحركات الإسلام السياسي لم تكن بالراديكالية نفسها بل راوحت بين التقاطع والتصادم والود الخفي بحسب السياقات السياسية والتاريخية.

بورقيبة مدافعاً عن سيّد قطب

كانت العلاقة بين بورقيبة والرئيس المصري جمال عبد الناصر متوترة منذ العام 1957، بعد لجوء المعارض التونسي صالح بن يوسف إلى مصر وإطلاق حركة معارضة مسلحة ضد النظام التونسي. اتهم بورقيبة عبد الناصر بدعم الحركة اليوسفية، وبمحاولة اغتياله عام 1958 من قِبل المخابرات المصرية. ولاحقاً، في العام 1965، ازدادت العلاقات توتراً عقب خطاب بورقيبة الشهير في مدينة أريحا الفلسطينية، ودعوته إلى الحوار مع إسرائيل على أساس قرار تقسيم فلسطين الصادر عام 1948. اعتبر هذا الخطاب خروجاً عن الصف العربي ولاءاته الثلاث: "لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع العدو".

 

وفي موازاة صراعه مع بورقيبة، كان النظام الناصري يعيش حرباً داخلية مع جماعة الإخوان المسلمين، وصلت إلى ذروتها في منتصف الستينيات من القرن الماضي، حين اكتشفت أجهزة الأمن المصرية محاولة إعادة بناء التنظيم على يد القيادي والمنظر الإسلامي، سيد قطب، فتم القبض عليه وإعدامه في 29 أغسطس 1966.

التقط بورقيبة هذا الحدث الداخلي وسعى إلى استغلاله لتصفية الحساب القديم مع عبد الناصر. ونكاية به أقام موكباً في أربعينية سيد قطب، كما شنت الصحف التونسية وخطباء المنابر هجوماً على النظام المصري وعلى عبد الناصر شخصياً بسبب هذه الحادثة.

وفي هذا السياق، روى توفيق الشاوي، أحد القادة التاريخيين لجماعة الإخوان المسلمين، في مذكراته التي صدرت تحت عنوان "مذكرات نصف قرن من العمل الإسلامي"، قصة زيارته إلى بورقيبة ومساعي إنقاذ سيد قطب من حبل المشنقة: "خرجت من بيروت وذهبت إلى تونس عن طريق ألمانيا وكانت معي زوجتي. استقبلنا بورقيبة شخصياً في قصره وشرحت له القضية، وقلت له إن هدفي هو إنقاذ سيد قطب لأني أخشى أن تنتهي المحاكمة بالحكم عليه بالإعدام، وهو شخصية فذة ومفكر إسلامي لا يجوز أن يقضى عليه... ولمّا عرضت عليه القضية وجد أنها فرصة للتشهير بعبد الناصر والانتقام منه وأصدر أوامره للصحافة والحزب والبرلمان وكل من في تونس للدفاع عن سيد قطب، وكان هذا الدفاع يأخذ في كثير من الأحيان صورة النقد والهجوم على الدكتاتورية الناصرية والاستبداد الناصري".

حقيقة موقف بورقيبة من الإخوان

ويرى الباحث والكاتب التونسي، أنس الشابي، أن بورقيبة لم يكن يوماً معجباً بسيد قطب أو بفكر الإخوان، ولكنه في هذه القضية كان يتحرك على أرضية سياسية تقاطعت فيها توجهاته مع توجهات الإخوان.

ويضيف الشابي أن بورقيبة أصر في العام 1987 على إعدام قادة الإخوان في تونس لأنه كان يختلف جذرياً مع الجماعة. ويؤكد لرصيف22: "هذا الموقف مبني على معرفة كاملة بما هي عليه حركة الإخوان المسلمين التي عرفها من رحلته إلى الشرق بين سنتي 1945 و1949. ففي هذه الفترة التاريخية عرفت مصر نشاطاً للتنظيم السري للإخوان إذ فجّروا المحلات التجارية والمعابد وقاعات السينما ومراكز الشرطة واغتالوا سنة 1945 رئيس الوزارة أحمد ماهر باشا، وفي سنة 1948 اغتالوا خلفه محمود فهمي النقراشي باشا. أيامها كان بورقيبة مستقراً في دار الإخوان المسلمين في الحلمية وكان يحضر دروس الجمعة التي يلقيها حسن البنا".

ويذكّر الشابي بأن القيادي الإخواني المصري أحمد حسن الباقوري كتب: "كان في دار الإخوان بالحلمية على يمين الداخل جناح صغير أذكر أنه قد نزل فيه لفترة طويلة من الزمن الأستاذ المجاهد الحبيب بورقيبة رئيس الجمهورية التونسية الشقيقة". ويعلّق الشابي: "مَثَّل سكن الرئيس الأسبق في دار الإخوان المسلمين وحضوره دروس مرشدهم العام فرصة مكنته من التعرف عن قرب على هذه الجماعة ومن تلمّس خطورة هذا النوع الذي يتوسّل بالدين لتحقيق أغراض سياسية".

خلال صراعه مع عبد الناصر، منح بورقيبة الجنسية التونسية لعدد من قيادات جماعة الإخوان المصرية، الملاحقين أمنياً. ولعل أشهرهم صديقه يوسف ندا الذي كان يشغل منصب مفوض العلاقات الدولية في جماعة الإخوان، والذي يعتبر من القيادات التاريخية للتنظيم الدولي وأمين خزانة أموال الجماعة. وقد وضعته الأمم المتحدة في العام 2001 على قائمة ممولي الإرهاب في العالم.

إخوان الداخل بين الاحتواء والصراع

نشأت الخلايا الإخوانية في تونس في نهاية ستينيات القرن الماضي، بعد عودة راشد الغنوشي من رحلته الدراسية إلى دمشق ولقائه الشيخ عبد الفتاح مورو. هذه الخلية كانت تنشط داخل جمعية المحافظة على القرآن الكريم، ثم أنشأت تنظيماً تحت اسم "الجماعة الإسلامية" في بداية السبعينيات، وأصدرت مجلة ثقافية باسم "المعرفة" كانت تطبع في مطابع "دار العمل" التابعة للحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم.

لم يكن نظام بورقيبة يومذاك يرى غضاضةً في نشاط التيار الإسلامي في الفضاء العام، بل كان يغض الطرف عن ذلك النشاط داخل الجامعة لمقاومة التيارات اليسارية والقومية القوية. وكان ترتيب الخصوم بحسب بورقيبة يضع الخطر اليساري والقومي في المقدمة. وكان ذلك أمراً وجيهاً. فمنذ استقلال تونس عام 1956، شكلت التنظيمات اليسارية كـ"التجمع الاشتراكي ـ أفاق" و"منظمة العامل التونسي" و"الوطنيون الديمقراطيون ـ الوطد" واليوسفيين، أبرز الفصائل السياسية المعارضة للنظام البورقيبي ولم تعرف البلاد وجود أحزاب أو حركات إسلامية كما هو الشأن في مصر والمغرب آنذاك.

ولكن هذا الود الخفي بين بورقيبة وإخوان الداخل لم يدم طويلاً. ففي العام 1979 اندلعت الثورة الإسلامية في إيران، وبعدها بسنتين أقدمت خلية جهادية مصرية على اغتيال الرئيس أنور السادات مباشرة أمام كاميرات التلفزيون، وفي الفترة نفسها اندلعت الحرب الأفغانية وقويت شوكة الأحزاب الإسلامية الجهادية. كل هذه الأحداث أصبحت تؤشر على وجود تيار إسلامي جارف بدأ يجتاح المنطقة ويهدد الأنظمة السياسية القائمة فيها. ولم تعد تنظيمات اليسار الثوري الخطر الأول على النظام.

وفي ربيع العام 1981 اكتشفت الأجهزة الأمنية التونسية، عن طريق المصادفة، وثائق تشير إلى وجود تنظيم إسلامي سري يعمل في الخفاء لتبدأ الحرب بين الدولة وحركة الاتجاه الإسلامي، الفرع الإخواني في تونس. شنت حملة اعتقالات ضد قادة الحركة في مطلع سنة 1981، ثم في سنة 1987 حين حكم على رئيسها راشد الغنوشي بالإعدام في خريف تلك السنة. غير أن وصول الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي إلى السلطة في 7 نوفمبر 1987 أنقذ الغنوشي من حبل المشنقة، كما أشار هو بنفسه إلى ذلك في حوار أجرته معه مجلة "المجلة" عام 1988، ليخرج من السجن ويعيد بناء تنظيمه تحت اسم "حركة النهضة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard