الصحراء الغربية: السلطة المغربية تعاني من آثار سياسات "شراء" الوجهاء

الأحد 11 سبتمبر 201611:02 م

منذ اندلاع النزاع على الصحراء الغربية بين المغرب وجبهة البوليساريو المطالبة بالاستقلال والمدعومة من الجزائر، اتجهت سياسات الدولة المغربية في عهد الملك الحسن الثاني إلى ضخ مبالغ مالية طائلة في الأقاليم الصحراوية بغية تثبيت سيادتها وبسط سيطرتها عليها.

أرادت السلطة المغربية ضمان ولاءات نخب وأعيان وشيوخ القبائل الصحراوية من خلال إعطائهم امتيازات مهمة على جميع الأصعدة، لنصبح أمام نموذج اقتصادي ريعي. وتقدر التقارير المبالغ المصروفة سنوياً في الصحراء بحوالى 110 مليار سنتيم (110 ملايين دولار). وظل هذا النموذج مستمراً إلى الآن رغم قناعة الدولة بفشل هذه السياسة وبضرورة تغييرها، كما أشار الملك المغربي محمد السادس في خطاب ألقاه في 6 نوفمبر 2014 واعترف فيه بحدوث اختلالات في نمط التدبير بالصحراء، جعله مجالاً للامتيازات المجانية.

شكوى من التمييز

الإنفاق الضخم على الصحراء تسبب في حالة من التذمر لدى سكان بقية الجهات. هؤلاء يشتكون من المعاملة التمييزية التي تفضل منطقة على أخرى، وهو معطى اعترف به الملك أيضاً في خطابه المذكور. وكشفت تقارير رسمية أعدها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن النمو الاقتصادي في المناطق الصحراوية لا يزال متأخراً رغم تمكينها بتجهيزات وبنى تحتية متقدمة على ما هو موجود في مدن الشمال. وسجل المجلس في تقريره حول نموذج التنمية الجهوية للأقاليم الصحراوية لسنة 2012 أن الأقاليم الصحراوية لا تزال تعاني من مشاكل مزمنة كالبطالة، وصعوبات في التماسك الاجتماعي والاندماج، وهو ما يتم التعبير عنه بالتوترات الاجتماعية المتكررة (كأحداث اكديم ازيك التي جرت عام 2010 وأدت إلى مقتل جنود مغربيين).

ويقترح المجلس الاقتصادي والاجتماعي حزمة من الإجراءات والقرارات لتجاوز معوقات فشل سياسات الدولة السابقة في الصحراء ولتحقيق أهداف النموذج التنموي الجديد. ويتطلع النموذج المقترح إلى مضاعفة الناتج الداخلي الخام لهذه الجهات في غضون عشر سنوات، إضافة إلى خلق 120 ألف فرصة عمل، وتخفيض نسبة البطالة إلى أقل من النصف، كما يتضمن المخطط الذي وضعه المجلس خلق شبكات تضامن اجتماعي تستهدف السكان الأكثر هشاشة.

ويركز المجلس على ضرورة الانتقال من اقتصاد الريع المبني على الأنشطة الأولية والامتيازات إلى اقتصاد يشجع الاستثمار الخاص لخلق الثروة وفرص العمل وذلك من خلال ضمان الشفافية واحترام قواعد المنافسة الشريفة. وخلص التقرير إلى وجوب وضع نظام ضريبي يشمل الصحراء ويلغي الإعفاءات غير المنتجة للصحراويين، كما أوصى بإيقاف نظام توزيع المساعدات الغذائية.

القلة الصحراوية المستفيدة

ساهم هذا النموذج الذي اختارته الدولة المغربية في تشكل طبقة من العائلات الثرية والنخب المعروفة التي راح دورها يتعاظم شيئاً فشيئاً بمراكمتها للامتيازات والأعطيات من رخص الصيد في أعالي البحار ورخص توزيع المحروقات ورخص استغلال المقالع والنقل، واحتكارها صفقات مشاريع الدولة في الصحراء. هذا بالإضافة إلى تمكين أبناء هذه العائلات وأقربائها من الحصول على فرص عمل في الوظائف العمومية وتحديداً في الإدارات العمومية.

وكشفت لوائح استغلال رخص النقل التي كانت قد نشرتها وزارة النقل والتجهيز المغربية استفادة عائلة صحراوية واحدة من 23 رخصة وهي عائلة الجماني الذائعة الصيت في المنطقة إلى جانب استفادة عائلات أخرى كالدويهي وماء العينين والدرهم وشخصيات أخرى معروفة كالبرلمانية "كجمولة بنت أبي" و"الشيخ اعمر" و"الشريف الدليمي".

أما في ما يخص مقالع الرمال فإن هناك حوالى 120 مقلعاً في الصحراء منها 53 بجهة كلميم السمارة و53 بجهة العيون بوجدور الساقية الحمراء، و14 بجهة وادي الذهب الكويرة. وتستغل هذه المقالع شركات أو أشخاص. واللافت أن معظم المستغلين حصلوا على رخص الاستثمار تحت عناوين شركات تحجب أسماءهم كما هو الحال بالنسبة لشركات "صوبييك" و"باهبا" و"كونستروفوي" وغيرها، بينما قلة هي الشخصيات التي تستغل المقالع باسمها كـ"حمدي ولد الرشيد" و"البشير باميدا" و"حسن منصور" وآخرين.

وبيّن الجرد الذي قامت به الوزارة قبل سنوات أن عدداً من رخص الاستغلال قد انتهت مدته إلا أن أصحابها لا يزالون يستغلون المقالع دون أي ردع من السلطات. بل وصل الأمر إلى حد استخراج الرمال من مقالع غير مرخصة أو اللجوء إلى التحايل من خلال عدم التصريح بالقيمة الحقيقة للكميات المستخرجة من الرمال.

ابتزاز الدولة

وظلت العلاقة بين الدولة والأعيان الصحراويين محكومة بهذا المنطق طوال العقود الماضية، واستغل الأعيان حساسية ملف الصحراء بالنسبة للدولة لمراكمة الثروات بطرق غير قانونية. وقد اشتكى فاعلون محليون أكثر من مرة مما وصفوه باختلاس الموازنات وتهريب المواد المدعمة والمحروقات من قبل أشخاص نافذين بعيدين عن رقابة أجهزة الدولة ويحظون بالحماية.

ويستغل الأعيان الصحراويون حساسية ملف الصحراء لمساومة الدولة مقابل تحصيل امتيازات، وحينما يشعر هؤلاء بأن بساط الدولة قد بدأ يُسحب من تحتهم، يبدأون بابتزازها بتصريحات نارية ومزعجة وتجمعات خطابية حاشدة. ونذكر على سبيل المثال التصريح الأخير للشخصية البارزة في المشهد الصحراوي حمدي ولد الرشيد الذي طالب في تظاهرة مثيرة في مدينة العيون بإطلاق سراح المعتقلين الصحراويين في أحداث اكديم ازيك، وهو تصريح أتى مباشرة بعد الاتهامات الموجهة إليه بتزوير عقد تخلي الدولة عن قطعة أرض من ملكيتها لمصلحة شركة فوس بوكراع، مساحتها 15 هكتاراً قبل بيعها سنة 2007 بـ3 مليارات سنتيم (3 ملايين دولار).

وبرغم الأموال الباهظة التي تضطر الدولة المغربية لإنفاقها سنوياً على الصحراء بغية تحصين الموقف المغربي في النزاع عن طريق استعمال الأعيان كوسيط بينها وبين المواطنين الصحراويين، لا يبدو أن هذه السياسية نجحت في التغلب على المطالبات بالاستقلال. لذلك قررت الدولة التخلي عنها بشكل تدريجي خصوصاً أنها لم تؤدّ إلا إلى استفادة فئة صغيرة وأحدثت نوعاً من التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية.

لكن تغيير هذه السياسة يبدو صعباً إذ وجدت الدولة نفسها في مواجهة لوبيات وشبكات ولدت من رحم النظام الريعي الذي صنعته السلطة نفسها. وقد بدأت مظاهر هذه الممانعة من قبل أعيان الصحراء من خلال رفض مبادرة إلغاء الإعفاء الضريبي في المناطق الصحراوية، واتهمت النخب الصحراوية واضعي التقرير الإصلاحي الذي أعده المجلس الاقتصادي والاجتماعي بخدمة أجندات "الانفصاليين" والإضرار بمصالح المغرب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard