هنا ما نعرفه عن التعددية في هوية السوريين، من شاهدة قبر عمرها 2000 عام

الأربعاء 14 فبراير 201809:23 م

يعتقد البعض أن التعددية الطائفية، ولا سيما في البلدان العربية هي قنبلة موقوتة، فيتحجج بها الساسة لمنع أي تحركات نحو مجتمعات ديمقراطية، متذرعين بضرورة الحفاظ على هذه الطوائف كأولوية وكخط أحمر.  

تزايد الاهتمام الأكاديمي والسياسي، في العالم العربي، وخاصة منذ بداية الربيع العربي، بمفهوم المواطنة، خاصة في البلاد التي تهزها حروب أهلية عنيفة، فأين نحن اليوم من هذا المفهوم؟

غالباً ما تعرّف المواطنة على أنّها المساواة والندية وتكافؤ الفرص، في حقوق وواجبات الأفراد المنتمين إلى دولة ما، ينص عليها الدستور، وتصبح عنواناً للهوية.

قد يخطئ البعض بافتراض "حبّ الوطن" كدمغة نولد بها، و"نفطر" عليها، وويلٌ لنا إنْ أنكرناها أو إن تقاعسنا في التعبير عنها.  فمن الأنسب أن نعتبر العلاقة بين المواطنين وبلادهم، بعيداً عن العاطفية، من منظور العيش الكريم، وشعور الأفراد بقدرتهم على تحقيق ذواتهم في جو من الاستقرار والحماية.

وهذا السؤال ليس جديداً كما يعتقد معظمنا، أو كما علمتنا النظريات التي تربط الانتماء بفكرة المواطنة، وهذه الأخيرة بالعصر الحديث وبظهور الدول، فلطالما تساءلت المجتمعات عن ماهية علاقتنا بأوطاننا، ونظرت لكيفية اشتراك أناسٍ من خلفيات ثقافية وأثنية مختلفة في الانتماء إلى أرض واحدة.

هنا قصة عمرها 2000 عام، عن شاعر سوري إغريقي اسمه ملياغر، تجيبنا على هذا السؤال.

قصة الشاعر السوري الإغريقي - الفينيقي ملياغر

إنّ سوريا استطاعت احتواء إثنيات متعددة كانت مضطهدة في أماكن أخرى ركّزت على نقائها العرقي أو الديني، بجسب الدكتور ناصر رباط، رئيس برنامج الآغا خان لدراسة تاريخ الفن والعمارة الإسلامية، وأستاذ الدراسات التاريخية والمعمارية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، الذي يصر أنه من الممكن استخدام هذا التنوع في خلق دولة مدنية تنظر إلى الإنسان على أنه مواطن قبل كل شيء، مواطن لسوريا بكاملها.

قلْ عند قبري "سلام": رسالتان من سوريا على شاهدة قبر عمرها 2000 عام
قصة شاعر سوري إغريقي يعبّر شعره عن الصفة "العالمية" للهوية الثقافية السورية
"يجب ألا تعجب أيها الغريب من أصلي السوري... لأن العالم بأسره هو موطن الإنسانية كافة"
بدلاً من إسقاط التاريخ على الحاضر، علينا استثمار عمق تاريخ بلادنا وثقافتها في توسيع آفاق وعينا، وفي تجديد فرص الحوار لبناء وطن حقيقي جامع

يستشهد رباط، في رؤيته هذه، بملياغر الشاعر، ويقدمه كمثال يعبّر عن الصفة "العالمية" للهوية السورية. فمن هو ملياغر؟

ملياغر هو شاعر إغريقي-فينيقي سوري، ولد على الأرجح بين عامي 150 و160 قبل الميلاد، وتوفي بعد عام 90 قبل الميلاد.  ولد في مدينة "غدارا" (حالياً ام قيس بالأردن)، وهي واحدة من المدن العشر التي عرفت معاً بالـ"ديكابولس"، والتي تأسست بعد الإسكندر الأكبر، في منطقة الجنوب الشرقي لبلاد الشام.

عاش ملياغر معظم حياته في مدينة "صور" اللبنانية، حيث يستدل الخبراء على أصوله تلك من إحدى قصائده، التي نقشت على شاهدة قبر، قال فيها:

إن جزيرة صور رأت شبابي،

ولكن مدينة غدارا السورية هي مسقط رأسي،

أنا ملياغر بن أوقراطس،

الذي شبّ مع ربّات الشعر.

يجب ألا تعجب أيها الغريب من أصلي السوري،

لأن العالم بأسره هو موطن الإنسانية كافة،

ولأن هذا الجنس الفاني بكامله قد ولد من هذه الفوضى العارمة"

من المعلومات التاريخية القليلة التي يمكن أن نستشفها من أشعار ملياغر، أنّ أسرته قد انتقلت وهو في شبابه، إلى مدينة صور الفينيقية، فهو في قصيدته يذكر أنّها شهدت، أو "رأت"، شبابه. كما يشير الخبراء إلى أنّ ملياغر، على الأرجح، كتب معظم قصائده العاطفية في صور. إلا أنّه، يعود لاحقاً ليذكر أنه أصبح "مواطناً" في جزيرة كوس اليونانية (وهي إحدى الجزر اليونانية التي تشكل جزءاً من مجموعة جزر الـدوديكانيسيا). ولكن ما يعبّر بشكل أعمق عن هويته "العالمية" بحسب ربّاط، هو ما تركه لنا في رسالة ثانية، على شاهدة قبره، يقول فيها:

أيها العابر من هنا،

هنا يرقد عجوز مسالم رقدته الاخيرة.

إنه ملياغر ابن أوقراطس

الذي تغنّى بالحب وجعل الدموع السعيدة تهطل من المآقي،

لقد كان رجلاً من مدينة صور التي باركتها الآلهة،

ولكن مدينة غدارا المقدسة كانت مسقط رأسه.

ثم أتى إلى كوش الجزيرة المباركة،

فإن كنت سورياً أيّها العابر، فقل عند قبري سلام!

وإن كنت فينيقياً قلْ (Adoni)، وإن كنت يونانياً فقُل (Chaírete)،

فهي كلها واحدة.

يعتبر هنري أوفر، وهو من أوائل الخبراء الذين اهتموا بدراسة أشعار ملياغر، حيث قدم عنه دراسة شاملة في رسالة تخرجه بعنوان "ملياغر غدارا" (عام 1894)، الشاعر ملياغر "سورياً"، لأنه ولد ونشأ فيها.    ولأن ملياغر يلقي تحية في نهاية القصية بثلاثة لغات، اعتمد ذلك كدليل على إجادته لهذه اللغات، مع أنّ هذه الفرضية لا تزال بحاجة لدراسة وتمحيص، لأن الهدف من هذه الجملة الختامية الاحتفاء بالتعددية واحتضانها.  إلا أنّ ما يجمع عليه الباحثون، كما يخبرنا الباحث غوردن إل. فين، في الفصل الخاص بملياغر، من كتابه "إبيجراما الإغريق القدماء" (من منشورات جامعة كاليفورنيا، 2010)، أنّ ملياغر على كان على مستوى عالٍ من الثقافة، كفرد من الجالية الإغريقية، وبأنه جاء متأثراً بالتراث الشعري الإغريقي. إلا أننا يجب أن نتذكر أنه يعتبر نفسه سورياً.  استخدم ملياغر الأسلوب الهلنستي التقليدي للإبيجراما في نظم قصائده، وباختياره لهذا الأسلوب في نظم مجموعاته الشعرية، أراد التركيز على تأثره بأسلافه من الشعراء الإغريق، والإضاءة على إنجازاته وهويته الخاصة رغم، أو ربما بفضل، الألفة والتأثر برواد لهذا الفن. 

الوطن وحدوده 

"لا قداسة للحدود"، هذا ما يضيفه الدكتور رباط حيث يقول بأنّه لا يمكن التحكم بشكل جازم بحدود أي دولة في العالم، والتاريخ يثبت لنا باستمرار هذا الأمر، حيث شهدنا حديثاً ظهور دول جديدة على الخارطة مثل جنوب السودان، وتيمور الشرقية. وكل هذا يقودنا إلى التأكد أن ما يجعل المرء ينتمي إلى مكان ما ليس محصوراً بوجوده على أرضها، بل نابعٌ من إحساسه تجاهها وارتباطه بها.

لا يوجد في الدول صور موحّدة لشكل ومواصفات المواطن، كما يقول الدكتور رباط. فسوريا القديمة كانت قادرة على تبني هذا المفهوم بأبعاد "عالمية"، واستمرت في اتكائها على التعددية عبر قرون طويلة.

ففي بداية الفتح الإسلامي، كانت غالبية سكان سوريا مسيحيين ومن غير العرب، وتعّربوا على المدى الطويل، وأسلم قسم كبير منهم. بالإضافة إلى الوجود الكردي الذي وصل من مناطق ذات كثافة كردية ومع وصول صلاح الدين الأيّوبي.

وعن الهوية السورية من حيث القومية، يقول الدكتور رباط أنّ أصولها على الأغلب آرامية، جاءت على دفعات هجرة قبائل سامية أسست لوجودها في سوريا (المعاصرة). أما أول ظهور لكلمة سوريا، فكان عند غزو الإسكندر الأكبر، حيث أصبحت سوريا جزءاً من العالم الهلنستي، ومن بعدها جاء الرومان حيث بقي التأثير الهلنستي حتى وصول العرب ولاحقاً الغساسنة.

فإذاً، العرب في سوريا "مستعربون"، أصولهم إغريقية أو سامية، تشربوا الثقافة العربية الإسلامية، وانتموا لها، وكمؤرخ، يرفض الدكتور رباط إسقاط التاريخ على الحاضر، أو أنْ نسقط على أحداثه وشخصياته القضايا والفرضيات التي نتصارع حولها اليوم، بدلاً من ذلك، علينا استثمار عمق تاريخ بلادنا وثقافتها في توسيع آفاق وعينا، وفي تجديد فرص الحوار من أجل بناء وطن حقيقي جامع. 

صورة المقالة، جانب من آثار مدينة جدارا اليونانية في بلدة أم قيس، في الأردن، على حدود سوريا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard