كيف فشلت المنظمات الدولية في مساعدة اللاجئين السوريين؟

الأحد 11 سبتمبر 201610:00 م

المشهد الأول: بداية العام 2013. في أحد مخيمات اللجوء السوري في لبنان، يدخل صحافي ليتابع وضع اللاجئين. هو ليس وحده. عشرات الصحافيين يجولون في مختلف المخيمات بشكل شبه يومي. يحتشد حوله اللاجئون، لكل منهم مشكلة، يستفيض في شرحها بحماسة، وينتظر مساعدة المسؤولين و"الأمم" (تعبير مختصر يستخدمه اللاجئون للدلالة على "المفوضية العليا لشؤون اللاجئين").

المشهد الثاني: بداية العام 2015. في أحد مخيمات اللجوء في لبنان، يدخل صحافي ليتابع وضع اللاجئين، ليس وحده. لكن العدد لم يعد بالعشرات، ووتيرة الزيارات انخفضت كثيراً. بالكاد يبارح اللاجئون مكانهم باتجاهه. يستجدي منهم قصة ليكمل تقريره. يلوكون مشاكلهم بحسرة لامبالية، وإن تحدثوا عنها فليشاركوا همومهم من باب "الفضفضة". قد يطلبون مساعدة المسؤولين و"الأمم"، لكنهم يسرون للصحافي بأنهم فقدوا الأمل منهم ومنه.

مقالات أخرى:

اللاجئون السوريون لا يجدون مكاناً لدفن موتاهم في لبنان

بعض من أقوى صور اللجوء في المنطقة

بين المشهدين الأول والثاني، مرّت سنوات وتضاعف عدد اللاجئين إلى لبنان متجاوزاً المليون ونصف المليون. مقابل كل 4 لبنانيين بات هناك لاجئ سوري. هذا العدد الاستثنائي وطول عمر الأزمة جعلاهم غير مرئيين، فباتوا على قول الكاتب الأمريكي مارك توين واقعاً أغرب من الخيال. حلت عليهم لعنة الأزمات الطويلة، وجعلت غرابة مأساتهم عادية. لكن من يدخل إلى مخيمات اللجوء سيلحظ تزايد حجم النقمة المنصب بشكل أساسي على المنظمات الإنسانية الدولية المولجة مساعدتهم.

قصة "رحمة"

في خيمة عارية إلا من بعض الملاءات المترهلة، تجلس الحاجة "رحمة" (اسم مستعار)، وتقاوم البرد القارس في المخيم المنصوب في إحدى مناطق البقاع الأوسط. تبادرنا قائلة "لقد مللت منكم، أنتم (الصحافيون) تستغلون قضيتنا لتأخذوا رواتبكم، ما نفع الكلام؟ حتى إن تكلمت لا أحد يريد أن يسمع".

الحاجة "رحمة"، خمسينية تهجرت من سوريا مع زوج مريض وحسرة على ولد قتل وآخر عالق هناك. تعتدل في جلستها، وهي تغالب دمعة لا تشبه ملامح وجهها الصارم، وتضيف: "لقد تخلوا عنا، الأمم شطبوني من لوائح المساعدة، ولا أعرف السبب. يقولون إن لديهم مشكلة في التمويل. أعيش الآن على الحسنات". في زاوية الخيمة، يتكور زوجها المريض، يغالب الوجع ويقول لرصيف22 بصوت يشبه الأنين: "صُرفت أموال كثيرة علينا، لكننا سمعنا عنها في الإعلام فقط. إنهم يسرقوننا".

هل فشلت المنظمات في التدخل؟

تتربع على رأس المنظمات الدولية العاملة في لبنان "المفوضية العليا لشؤون اللاجئين" تليها "اليونيسف" المعنية بشؤون الأطفال، والأولى تنسق مع أكثر من 80 منظمة في لبنان، دولية ومحلية.

قد لا يجد الباحث عن إجابة على السؤال صعوبة في حسم أمره، فهذه المنظمات أقرت في أكثر من مناسبة بقصور تدخلها في الأزمة الإنسانية التي هجرت حتى الآن 3.9 ملايين سوري توزعوا أساساً بين لبنان والأردن وتركيا والعراق ومصر، بحسب التقرير الذي نشرته المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في شهر مارس. المفوضية اعترفت أن "النازحين يعيشون في ظروف يُرثى لها ويواجهون مستقبلاً أكثر بؤساً". وفي كلام غير بعيد عن هذا الواقع، قال رئيس "المجلس النروجي للاجئين" يان إيغلاند، في مقابلة مع "رويترز"، إن "العالم ليس قريباً حتى من فهم حجم الأزمة الإنسانية في سوريا، وسنضطر للتعامل مع تداعياتها لأجيال كثيرة قادمة".

وفي استطلاع لرأي اللاجئين أعدته "القمة العالمية للعمل الإنساني"، حصلت المنظمات على علامة لا تتجاوز الـ3 على 10. أُرسل التقرير إلى المنظمات والجهات المانحة، وفيه وصف اللاجئون في لبنان وكالات الاغاثة بـ"التحيز وعدم الخضوع للمساءلة والفشل في تلبية أكثر الحاجات الحاحاً وعدم توزيع المساعدات بشكل عادل".

أسباب الفشل

1- نقص التمويل

في التصريحات الأممية، يتحمل المجتمع الدولي المسؤولية المباشرة، فالنقص الحادّ في تمويل هذه المنظمات يكبّل أيديها. يقول إيغلاند إن المانحين تعبوا بسبب طول الأزمة، وفقدوا جزءاً كبيراً من تعاطفهم مع اللاجئين نتيجة اتخاذ الأزمة أبعاداً جيوسياسية. وعليه، بحسب إيغلاند، "تراجع حجم الأموال المرصودة لكل ضحية مقارنة بالسنة الماضية، وأُجبرت الأمم المتحدة في ديسمبر الماضي على تعليق مساعدات الطعام لـ1.7 مليون لاجئ سوري في لبنان والأردن والعراق ومصر".

كذلك أوضحت الناطقة الرسمية باسم المفوضية دانا سلمان لرصيف22 أنه "مع نهاية العام 2014، لم تحصل المفوضية إلا على نسبة 43 في المئة من النداء الإنساني الذي أطلقته وطلبت فيه 1.7 مليار دولار، أما النداء الذي أطلق عام 2015 فلم يتم تلبية سوى 5 في المئة منه حتى الآن، ونأمل الحصول على المزيد".

2- تخبط الحكومة اللبنانية

منذ اللحظة الأولى للأزمة، غلب التخبط السياسي على الاستجابة الرسمية. تنقل لرصيف22 مصادر في الأمم المتحدة كانت على اتصال بالسياسيين اللبنانيين في المراحل الأولى للأزمة، رفضهم القاطع للاعتراف بأن الأزمة ستطول، واستخفافهم بكل خطة طويلة الأمد أو متوسطة الأمد كانت تحاول الأمم المتحدة تقديمها. المعضلة الأخرى، برأي المصادر، تمثلت برفض هؤلاء السياسيين استخدام صفة "لاجئ" في أيّة خطة يمكن أن تُرسم، الأمر الذي عرقل عمل المنظمات الإنسانية في حماية اللاجئ السوري بموجب المعاهدات الدولية. وتضيف مصادر الأمم المتحدة أن تقاعس الدولة اللبنانية أغرق المجتمع المضيف، المثقل أساساً بمشاكله، في أعباء إضافية فاقمت النقمة لدى الفئات اللبنانية المحرومة كما في شمال لبنان.

انتظرت الدولة اللبنانية حتى مطلع العام الجاري لتعلن خطتها الرسمية الأولى بالشراكة مع الأمم المتحدة، ولتضع المجتمع المضيف في صلب الفئات المستهدفة، ولتتخذ قرارات تقضي بتقييد حركة دخول السوريين إلى لبنان. لكن هذه القرارات بقيت اعتباطية نتيجة تأخرها وخضوعها للمصالح السياسية، وسط تشرذم القرارات بين الجيش والأمن العام والفصائل السياسية.

اليوم، لا تعوّل المصادر على دخول الخطة حيّز التنفيذ الجدي في المستقبل القريب، وتشير إلى محدودية قدرة المنظمات الإنسانية في الضغط على قرارات الدولة اللبنانية أو تعديلها، بعكس السفارات الأجنبية والبعثات السياسية. فعندما اتُخذ القرار بمنع دخول المساعدات الإنسانية إلى بلدة عرسال الحدودية بعد المعركة مع الجيش اللبناني في الصيف الماضي، التزمت المنظمات به، ولم يخرج عنها أي اعتراض علني على القرار الذي حرم أكثر من 80 ألف لاجئ من المساعدة.

3- بيروقراطية المنظمات الإنسانية

يقول "جاد" (اسم مستعار)، وهو أحد العاملين السابقين في منظمة دولية من منظمات الصف الأول، لرصيف22 إن "الإجراءات الإدارية المعقدة كانت تعرقل الاستجابة السريعة للكوارث. فعلى سبيل المثال، كنا نتأخر أسبوعاً مثلاً في الاستجابة لمشكلة محددة بسبب المعاملات والبحث عن مصادر لشراء مساعدات بأرخص ثمن".

ويضيف الشاب الذي انتقل للعمل في منظمة أخرى بعدما استغنت الأولى عن خدمات العديد من موظفيها بسبب نقص التمويل، أن "نظام الحماية المتشدّد الذي يُفرض على الموظفين في المنظمة يعوق عملهم أحياناً في بعض المناطق المصنفة خطرة، علماً أنهم كعاملين ميدانيين يعرفون أن الأحداث بالمقياس الجغرافي تكون بعيدة نسبياً". ويستدرك بأنه لا ينبغي شيطنة هذه المنظمات، فـ"الكثير من العاملين فيها سواء كانوا محليين أم أجانب يتعاطفون بشدة مع اللاجئين، وينقمون بدورهم على نظام العمل".

وقبل إنهاء المقابلة معه، أحب "جاد" أن يضيف قصة يقول إنها "ربما تندرج ضمن أسباب الفشل"، فـ"خلال العاصفة الثلجية الماضية، أبلغونا أننا لن نتمكن من توزيع المساعدات بسبب إقفال الطرق، وعندما علت الصرخة في الإعلام بسبب تجمد أحد الاطفال من البرد، بات بإمكاننا الذهاب لتوزيع المساعدات".

4- الفساد والإسراف في الإنفاق

يحصل بعض الموظفين الأجانب الذين يحتلّون المراكز العليا في أغلب المنظمات الدولية على رواتب ضخمة جداً تبدأ من ثمانية آلاف دولار إضافة إلى مخصّصات السكن والسيارات ومدارس أطفالهم. تقول "رنا" (اسم مستعار) التي كانت تعمل مع منظمة كبرى قبل أن "تُطلّق العمل الإنساني" إن أحد المديرين "أصلح حمام منزله بمبلغ 4 آلاف دولار". وتضيف: "كان يُرصد 300 ألف دولار لمشروع معين، ويعلن عنه رسمياً، فنجد بعدها أن 200 ألف دولار صرفت على الأمور اللوجستية ولم يصل إلا 100 ألف للاجئين".

فضلاً عن ذلك، تحدثت "رنا" عن السرقات الناتجة من بيع قسائم الشراء (قسائم شراء مواد غذائية توزّع على بعض اللاجئين)، والرشى التي دُفعت لمراقبي وزارة الشؤون الاجتماعية وللبلديات، فضلاً عن المشاكل التي حصلت مع المسؤولين عن بعض المخيمات والذين يحملون صفة "شاويش". ويتولى "الشاويش" تسلّم المساعدات من المنظمات، ولكن بعضهم يعمد إلى بيعها للاجئين. وهنا يقول أبو خالد، المسؤول عن إحدى الجمعيات السورية العاملة في المخيمات، لرصيف22 إن المنظمات الكبرى كانت على علم بوجود هذه التجاوزات لكنها لم تفعل شيئاً حيالها، حتى أن بعض موظفيها كانوا متورطين مع "الشاويش" في عمليات "السمسرة".

بعض هذه التجاوزات اعترفت بها مديرة المفوضية نينيت كيلي لوكالة "أسوشيتد برس" وقالت إن المنظمات تعمل على معالجتها، عبر تفعيل الرقابة الداخلية وفي المخيمات.

5- غياب التنسيق والمشاريع "البراقة"

وقال أبو خالد إن التنسيق مع المنظمات الصغيرة العاملة على الأرض، والتي يمكن أن تكون أكثر فعالية، بقي شكلياً ولم يرتق إلى المستوى المطلوب. كما افتقدت آلية العمل برنامجاً إحصائياً دقيقاً للاجئين، واستُعيض عنه بتسجيلهم لدى المنظمات، فغابت عن الاستهداف الفئة التي لم يتسنَّ لها التسجيل.

وفي إطار متصل، يتحدث أبو خالد عن المبالغ الطائلة التي صُرفت على برامج تمكين الاجئين وحلّ النزاعات، وهي برامج محقة لكن عليها العديد من إشارات الاستفهام. ويتساءل: "كيف نصرف الملايين على برامج التمكين بينما نسمع عن طفل يتجمد برداً في عاصفة متوقع قدومها؟ وكيف يموّل الاتحاد الاوروبي مثلاً برامج لتعليم الأطفال كيفية حلّ النزاعات وهم مهددون بالموت جوعاً أو مرضاً؟ والأهم كيف نعمل على تمكين عنصر فاعل في المخيم ولا نلزمه بإفادة مخيمه، فغالبيّة من جرى تمكينهم هاجروا إلى الخارج".

يرفض أبو خالد الجزم بوجود مخطط خبيث لدى المنظمات لإفراغ المخيمات من الطاقات الإيجابية. لكن هذه هي النتيجة، وهم يرفضون الالتفات لها. يقول: "قدمنا طلباً لتمويل دراسة عن آثار برامج التمكين السلبية، لكنهم رفضوا الموافقة عليها، وقيل لنا إن الأموال مرصودة للتمكين وليس لدراسة جدواه".

كثيرة هي المشاكل التي عمدت المنظمات إلى مراجعتها، لا سيما بعد تراجع التمويل، وهذا ما ضيّق حجم الهدر ومسارب الفساد، فضلاً عن التركيز على مساعدة المجتمعات المضيفة. لكن الصورة تبقى غير مبشّرة بالخير في ظلّ اعتراف تقرير المفوضية بأن "الفرصة باتت ضئيلة جداً للتدخل لمساعدة اللاجئين السوريين، وهم المجموعة الأكبر تحت ولاية المفوضية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard