#مسجون_مخنوق، تجربتي في أحد سجون مصر

الأربعاء 28 يونيو 201704:47 م
#مسجون_مخنوق. ما إن شاهدت هذا الهاشتاج حتى جف ريقي. لم أستطع أن أبتلع الغصة فالذكريات الأليمة عادت بشريط أسود مربوط على عيني في غرفة التحقيق. عندما يُزج بك في سجن من غير أن تعلم ما هي تهمتك، ويتفنن سجانك كل يوم في تلفيق تهم جديدة، لا لشيء سوى ليتمكن من كسرك وإذلالك، عندما يحدث هذا كله تتسلل إلى مخيلتك قصة يوسف الذي حبسه فرعون بسبب امرأة. هكذا كانت قصتي... وكأن التاريخ يصر على أن يكرر نفسه، أو أنها الجينات التي حكمت على من يزور أرض مصر أن يذوق المر على يد فرعونها. في هذا المقال سأحاول أن أسرد جوانب من تجربتي في سجون مصر. سوف أستثني مما أرويه العنف اللفظي والجسدي، لا لسبب إلا أنني لم أعد قادراً على تخيل أن هنالك من يحوي كل هذه الكراهية ليمارس سادية التعذيب كما رأيتها وعشتها. لن أتطرق إليها بشكل مباشر لأنها ما زالت تتسبب لي بآثار نفسية وجسدية. INSIDE_MasjounMakhnou2.5

البداية

في الأول من فبراير، تعرضت للاعتقال، وربما من الأصح أن أستخدم مصطلح “اختطاف"، من قبل الشرطة، وذلك أثناء وجودي في معرض القاهرة السنوي للكتاب. لم استوعب ما حدث، ولا استوعبت تفننهم في تلفيق التهم وإلصاقها بي، ابتداء من محاولة قلب نظام الحكم وانتهاء بنشر أنباء كاذبة عن السلطات المصرية، وتلقي أموال من هيئات أجنبية، والتقاط صور دون تصريح، وتكدير السلم العام. لم يكن هذا ليحدث لو لم أطلب استدعاء رجال الأمن بسبب تعدي إحدى السيدات علي بالشتم أثناء مشاهدتها لي وأنا أسأل أحد المشاركين في المعرض عن نوع الكتب التي اشتراها. يكفي أن يطلق عليك لقب "دا تبع الجزيرة" حتى ينهال عليك المواطنون "الشرفاء" بالضرب والشتم، فتأتي وزارة الداخلية لتكمل الباقي. أنا لا أعمل في قناة الجزيرة وأؤمن بأن الانتماء لأي وسيلة إعلامية ليس بتهمة، فالتهمة الحقيقية هي تقييد حريات الفكر والتعبير.
“وكأنها مسابقة لملء الزنازين بأكبر قدر ممكن من الناس” صحافي يتحدث عن فترة اعتقاله من قبل السلطات المصرية
سيف تعني "نم على جانبك" والحم تعني "التصق بمن هو بجوارك حتى تتسع المساحة".. هكذا كنا ننام #مسجون_مخنوق
بالطبع، لم أكن أعلم أن الخطة مرسومة بإتقان، فقد كانت تلك السيدة على اتصال مسبق بقريب لها يحمل رتبة نقيب، وهو الذي اصطحبني لتسجيل المحضر في النقطة الأمنية التابعة لمعرض الكتاب. وما إن وصلت إليها حتى تحولت من مبلّغ إلى "مقبوض عليه”، لتبدأ بعدها حفلة الضرب والإهانات. كل ما حدث ليس إلا نتيجة لحملة ممنهجة أطلقتها السلطات المصرية، في عملية غسل دماغ لإقناع الشعب بأن هناك جواسيس يستهدفونهم في الأماكن العامة.
INSIDE_MasjounMakhnou2.3

سيف والحم

"سيف والحم". سيف تعني "قم بالنوم على جانبك" والحم تعني "التصق بمن هو بجوارك حتى تتسع المساحة" هكذا كنا ننام، 35 شخصاً في مساحة تعادل المترين أو أقل. النوم على 3 دفعات، عبر تقسيم النهار ثلاث فترات، تحاول فيها التعايش مع المجرم والمثقف والإرهابي في مكان واحد. هي عيشة المعتقل وذكرياته الأليمة. لن أنسى تلك التجربة اللعينة التي مررت بها في قسم ثاني مدينة نصر بالقاهرة، عقب اعتقالي بتهم ملفقة. تارة يقولون إنني مراسل الجزيرة، وتارة أخرى يتذرعون بأنني أصور كلاباً بوليسية، وكل مرة يتم تمديد المدة، لا لشيء سوى لإذلالي. أن تصاب بصدمة عصبية أو نفسية، فهو أمر يسير أمام ما قد تناله من شتائم وضربات وركلات قد توصلك للمستشفى. الجراح النفسية الناتجة عن هذه التجربة أصعب من أن تندمل حتى بعد مرور عهد كامل. لم أكن وحيداً، فكان مثلي الكثير ممن يتلقون الضرب والإهانات، ولعل ما خفف عنا قليلاً هو كثرة العدد، وانشغالنا بالقادمين الجدد... وكأنها مسابقة لملء الزنازين بأكبر قدر ممكن من الناس. لم انسَ ولن أنسى أصوات اللكمات والضربات التي تلقتها تلك السيدة التي لم نكن نعلم لماذا تضرب بهذا الشكل. عرفنا لاحقاً أنها أيضاً قادمة من معرض الكتاب. إنها نعيمة راشد، تشغل منصب نائب رئيس تحرير جريدة الجمهورية، وتعرف صحفياً باسم نورا راشد. لم يشفع لها هذا ورميت في الزنزانة 2 المخصصة للنساء وكانت حنجرتها لم تستسلم بعد من الصراخ. موقف قاس أن تستمع لصراخ امرأة يتم ضربها ولا تستطيع التدخل لايقاف هذه المهزلة. ما التهمة؟ هي أنك تملك عقلاً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard