حكاية قطر من هزيمة العثمانيين حتى الربيع العربي وحلم الإمبراطورية

الأربعاء 6 ديسمبر 201703:34 م

لعلّ العامل الأهم في قراءة السياسة القطرية هو شعور حاكم قطر بأن بلاده وأسرته أكبر مما يُقصّ عنهما. قطر ليست أحدث دولة عربية أو إمارة خليجية كما يظنّ البعض، فقد تأسس حكم آل ثاني في قطر عام 1812 قبل بدء حكم القواسم في الشارقة عام 1840 أو آل مكتوم في دبي عام 1833 وحتى الدولة السعودية الثالثة عام 1902.

أما الحديث عن "دولة الانقلابات"، فإنه يهمل مقارنة حال قطر بحال جيرانها. فمقابل خمسة انقلابات معلنة في قطر، وثق المؤرخ نجدة فتحي صفوة في موسوعة "الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية" 12 انقلاباً ناجحاً في إمارة أبوظبي، انتهى أغلبها بذبح الحاكم على يد أسرته. أما هاجس المساحة، فإن الجغرافيا بالمكانة وليس بالمساحة. فقطر تحتل موقعاً غير تقليدي مقارنة بباقي الإمارات الخليجية: شبه جزيرة متصلة براً بالجزيرة العربية وتطل على العراق وإيران والإمارات والكويت والسعودية دفعة واحدة، وفي الوقت نفسه هي قريبة من مضيق هرمز. حينما نقل الأمريكيون القيادة العسكرية إلى قطر، لم تكن خطوتهم تلبية لنداء أميرها فحسب، بل لأن جغرافيا الدولة الصغيرة مقارنة بباقي دول الخليج مغرية.

وعلى عكس باقي الدول المحيطة، لم يعمل أهل قطر يوماً في قرصنة السفن في مياه الخليج العربي، بل كانوا من تجار اللؤلؤ وصيادي الأسماك. وذلك وفقاً للمؤرخ زكريا قورشون في موسوعة قطر في العهد العثماني (1871 - 1916). وحتى على الصعيد العسكري، فإن العثمانيين تكبدوا هزيمة تاريخية في قطر عام 1893 بقيادة الشيخ قاسم (أو جاسم) بن محمد آل ثاني في موقعة "الوجبة"، وكانت الهزيمة التي أكدت للعالم أن انتهاء سيطرة العثمانيين على الخليج العربي قد أصبحت مسألة وقت فحسب.

الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني

وعن المواقف العروبية، قطع أمير قطر الشيخ خليفة بن حمد النفط عن العالم مع حكام الخليج إبان حرب أكتوبر 1973، تماماً كما فعل الملك فيصل والشيخ زايد.

مناطحة السعودية... الهواية المفضلة

يُعتبر التنافس ومناكفة السعودية الهواية المفضلة لدى آل ثاني في الفترة الأخيرة. هذه السياسة بدأها الحاكم الثاني قاسم بن محمد مع عبد العزيز آل سعود حين رفض المكوث في بيت الطاعة السعودي على خلاف العديد من دول الخليج التي لا تتحرك إلا بالتنسيق مع الرياض حتى اليوم. إن السر وراء ذلك ليس أن السعودية هي أكبر دولة خليجية فحسب، ولكن لأن قطر تعتبر أنها أكثر دولة خليجية دانت بالولاء لتعاليم الحركة الإصلاحية لمحمد بن عبد الوهاب بعد السعودية، حتى قيل إنه إذا كانت السعودية هي رأس حربة الحركة الوهابية فإن قطر هي ظهيرها الأمين، وبالتالي فهي منافسة على قيادة التيار الإسلامي. وعقب هجمات 11 سبتمبر، سعت السعودية الى تخفيف ارتباطها مع التيارات الإسلامية، وفي تلك الأثناء قال وزير الداخلية السعودي نايف بن عبد العزيز في نوفمبر 2002 مقولته الشهير بأن "كل مشكلاتنا جاءت من الإخوان المسلمين". تلقفت قطر الهدية السعودية مشكورة، وقربت التيارات والأشخاص الذين أبعدتهم الرياض عن دوائرها، ما قوى عروة الارتباط بين التيارات الاسلامية وقطر.

صعود حمد وتميم وموزا

ولكن الفصل الأحدث في تاريخ قطر وحلم الإمبراطورية لدى آل ثاني بدأ بخلع ولي العهد ووزير الدفاع الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لوالده عام 1995، وتوليه السلطة، إذ يعتبر حمد من الجناح المتمرد في العائلة الذي يرى أن قطر صالحة لتصبح إمبراطورية كبرى في المنطقة

 الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

وتلاقت رؤى الشيخ حمد مع رؤى زوجته الشيخة موزا بنت ناصر المسند، علماً بأن رحلة صعود حمد وخططه لإزاحة رجال آل ثاني الأقوياء بدأت قبل زواجه بابنة المعارض القطري الشهير، على عكس ادعاءات الإعلام المصري بأن موزا هي مَن يحرك حمد وابنه.

 الشيخة موزا

وتفهم الشيخ حمد أن ألف باء الصعود الإمبراطوري في الشرق الأوسط يكمن في مناوئة القوى الكبرى التقليدية، مصر وسوريا والعراق والسعودية، ونظراً لتعاون قطر مع إيران تم إرجاء مناوئة سوريا، بينما عراق صدام حسين وقتذاك كان متعثراً في العقوبات الدولية. هكذا ركزت قطر نهاية التسعينيات من القرن الماضي على مصر في المقام الأول ثم السعودية. وتحركت مصر والسعودية والإمارات سريعاً بدعم انقلاب مضاد عام 1996 لعودة الأمير الوالد للحكم، ولكن الانقلاب فشل، والأهم أن تفاصيله وتفاصيل داعميه وصلت إلى حمد كاملة.

التناقضات التي لعبت عليها قطر وكشفت وثائق ويكيليكس بعض جوانبها قد تنقلب على قطر اليوم
قطر بَنَت حلمها بإمبراطورية تنطلق من البلد الصغير على هاجسها الدائم من تعرضها لاحتلال سعودي أو مصري

الخلاف مع مصر

عقب الانقلاب الفاشل، أصبحت الدوحة ملتقى ومعقل المعارضين المصريين من كافة التيارات، ثم وفّر إنشاء شبكات الجزيرة الإعلامية منبراً إعلامياً عتيداً منح المعارضين المصريين برامج دائمة توّجت ببرنامج ثابت لمحمد حسنين هيكل. جميع برامج والنشرات الإخبارية لقناة الجزيرة كان يتصدرها النبأ الرئيسي في مصر، والخطاب الإعلامي يهاجم مصر والسادات ومبارك بوجه خاص ويركّز على العلاقات المصرية الإسرائيلية باعتبارها المنبع الذي لا ينضب للتشكيك في كل كبيرة وصغيرة تجري في مصر أمام الرأي العام العربي، خصوصاً في زمن الانتفاضة الفلسطينية (2000-2005) وحرب لبنان (2006) وحروب غزة. ومهما اختلفت الرؤى حول حقيقة ما جرى في مصر بين عامي 2011 و2013، فإن الثابت أن قطر وفّرت ظهيراً إعلامياً للتيار الإسلامي والقوى المدنية المعارضة المتحالفة معه.

قطر والربيع العربي

وفرة المال وقلة عدد السكان تُحرّران الحاكم من عبء توفير المسكن والمبلس والغذاء للمواطنين. كفل ذلك للشيخ حمد وابنه تميم التحرك بمرونة سياسية في زمن السيولة السياسية، يوم انفجرت الساحات الشعبية بالتظاهر في عدد من دول الشرق الأوسط، لنرى علاقات قطرية وثيقة مع الإسلاميين في جميع الدول العربية، خصوصاً تنظيم الإخوان المسلمين في مصر وتونس والمغرب، والجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا والحوثيين في اليمن، وحركتي حماس والجهاد في الأراضي الفلسطينية، وحتى تيارات إسلامية معتدلة وغير معتدلة في سوريا. ذلك إلى جانب قدرة قطر على التواصل إعلامياً مع قادة تنظيمات القاعدة (وجبهة النصرة بالتالي) وغيرها من التنظيمات الإسلامية في حروب سوريا والعراق وليبيا وأفغانستان التي يطل زعماؤها حصرياً عبر الإعلام عن طريق شاشة الجزيرة. لذا كان منطقياً أن تذهب أصابع الاتهام بتمويل الفوضى والإرهاب إلى الدوحة. بل يذهب وزير الخارجية الليبي الأسبق عبد الرحمن شلقم، وهو رجل له مصداقيته في المحافل الدولية، وانشق عن نظام القذافي وانضم للثورة، إلى القول في كتابه "نهاية القذافي" نقلاً عن مقربين من العرش القطري إن "الأمير حمد بن خليفة آل ثاني له مشروع إستراتيجي بعيد المدى، لن يتحقق إلا بتغيير النظام في ليبيا، وتنصيب حكومة إسلامية موالية له بالكامل". وأضاف شلقم: "لقد فاز الإسلاميون في تونس ومصر، وليبيا تقع بين البلدين، ويمكن أن تكون حلقة الوصل بين البلدين أو خط فصل بينهما، فإذا استولى الأمير على ليبيا ونصب فيها حكومة إسلامية، فستقوم كتلة إسلامية متواصلة، ويقوم بين هذه الدول الثلاث الاتحاد الإسلامي في شمال إفريقيا، ويصبح الأمير حمد بن خليفة آل ثاني هو أمير المؤمنين الذي يقود هذا الاتحاد".

قطر الفرانكفونية

امتدت سطوة المال القطري إلى شراء عضوية قطر في المنظمة الفرانكفونية، ونسب قطر إلى الثقافة الفرنسية، وقام أمراء قطر بشراء عدد من أهم محال ومعالم فرنسا الإعلامية والرياضية والتجارية وضخ الاستثمارات لتملك قطاعات حيوية بعينها. وأثار النشاط الاقتصادي لأمراء قطر في فرنسا غضب التيارات القومية، وكان انفتاح الإليزيه على الدوحة من ضمن أسباب عدم إعادة انتخاب الرئيسين نيكولا ساركوزى وفرنسوا هولاند، ما يفسر موقف الرئيس الجديد إيمانويل ماكرون الذي طالب قطر بالإجابة على الأسئلة الخليجية، على عكس موقف ألمانيا الممتعض علناً من حصار قطر.

التناقض سمة أساسية في سياسة قطر

أثار تضارب العلاقات والتحالفات القطرية العديد من الأسئلة، ولكن الكاتب البريطاني روبرت فيسك في مقال بجريدة الإندبندنت البريطانية (عدد 8 ديسمبر 2010) يشير إلى أن الهاجس الدائم لدى الشيخ حمد هو أن مصر والسعودية سوف تحتلان قطر. ولعل هذا الهاجس يفسر موافقة البرلمان التركي السريعة على نشر قوات في قطر بطلب من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فور إعلان المقاطعة المصرية - الخليجية. وأمام هذا الهاجس الدائم بسبب انقلاب 1996 الفاشل، وأمام رغبة حمد وتميم في صناعة إمبراطورية قطرية، نسجت قطر علاقات متناقضة مع الجميع، مع أمريكا وإسرائيل، وفي الوقت نفسه مع إيران وسوريا، وقد رأت جميع الأطراف أن قطر مكسب لا ينبغي أن يذهب إلى الفريق الآخر، ولعب حكام قطر على هذا الوتر. رأى حكام قطر أن التواصل مع كل فريق يمثل حماية من الفريق الآخر المعادي له، وحماية من مصر والسعودية. فلو فكرت أمريكا في الغدر، فهم تحت المظلة الإيرانية وإذا فكرت طهران في الغدر فهم تحت المظلمة الأمريكية الإسرائيلية، وإذا تحركت مصر والسعودية فهم تحت المظلة التركية كما نرى اليوم.

ويكيليكس... تفاصيل أدق

ويمكن أن نتعرف على تفاصيل أدق حول تناقض العلاقات القطرية بالنظر إلى وثائق ويكليكس، خصوصاً الدفعة الشهيرة التي نشرت في ديسمبر 2010، ونشر موقع الجزيرة نصوصاً منها، بينما هنالك قسم كامل عن وثائق السفارة الأمريكية في الدوحة لم تذهب إليه الجزيرة. في الوثيقة رقم (09DOHA728) الصادرة بتاريخ 20 ديسمبر 2009، يشير السفير الأمريكي جوزيف لوبارون إلى أن حمد وصف علاقته بإيران قائلاً: "هم يكذبون علينا... ونحن نكذب عليهم"، وقال إن على إيران أن تستمع إلى الغرب أو أن تتعرض لعمل عسكري منتصف العام المقبل (2010) على يد القوات المسلحة الأمريكية أو الإسرائيلية. بينما الوثيقة رقم (09DOHA25) بتاريخ 12 يناير 2009 تكشف أن الاتصالات الهاتفية بين رئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني ووزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني لم تنقطع طوال أيام الحرب على غزة بينما الإعلام القطري يومياً يشير إلى تواصل مصري إسرائيلي دون دليل واحد. أما الوثيقة رقم (08DOHA845) بتاريخ 4 ديسمبر 2008 فتوضح أن السفارة الأمريكية ترشح باستمرار لقناة الجزيرة القطرية ضيوفاً يقومون بعرض وجهة النظر الأمريكية الرسمية للرأي العام العربي. هذا التناقض، وإن أفاد بعض الأطراف الدولية والإقليمية إلا أن كتب التاريخ علمتنا أنه يحرق صاحبه في نهاية المطاف، فلا عجب أن تندلع الأزمة القطرية اليوم بكل تفاصيلها، وتتحول قطر إلى ملعب للقوى الإقليمية بعد أن ظلت لسنوات لاعباً في ملاعب أخرى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard