ما هي الأدوات التي تمتلكها قطر لمواجهة الحصار الخليجي-العربي؟

الثلاثاء 13 يونيو 201701:48 م

تمتلك قطر نقاط قوة وأوراق ضغط وبدائل متنوعة في كل قطاع تقرر الدول التي تسعى إلى محاصرتها الضغط عليها من خلاله.

بدون شك، ستتكبد الدولة الصغيرة خسائر ضخمة من جراء الحصار الخليجي المفروض عليها والقطيعة العربية والإقليمية المتزايدة تجاهها، ولكن ما تمتلكه قد يحول دون القدرة على تضييق الخناق حول رقبتها.

ما هي هذه الأوراق والبدائل؟ وهل يمكن استخدامها في مواجهة قرارات الحصار والقطعية المفروضة عليها؟ وهل استخدام هذه الأوراق سيساعد على تخفيف حدة الأزمة أم سيساهم في تصعيدها واتخاذها مسارات مختلفة ذات أبعاد إقليمية ودولية؟

وفرة مالية واستثمارات خارجية

تمتلك قطر سيولة مالية تتجاوز 370 مليار دولار، ولديها جهاز قطر للاستثمار المصنف التاسع عالمياً وهو صندوق ثروة سيادي بأصول تبلغ 335 مليار دولار.

هذا الصندوق الذي أسسته حكومة قطر عام 2005 لإدارة فوائض النفط والغاز الطبيعي كان من ضمن أهدافه التقليل من مخاطر اعتماد الدوحة على أسعار الطاقة، ويستثمر معظم أمواله في أسواق عالمية مثل أسواق الولايات المتحدة وأوروبا ودول آسيا والمحيط الهادئ.

كما تمتلك قطر قطاعاً مصرفياً قوياً تتجاوز وموجوداته 1.3 تريليون ريال، ومصارفها قادرة على فتح اعتمادات موثوق بها لاستيراد كل السلع والخدمات من الخارج.

هذه المقدمة التي عرضها رئيس قسم الاقتصاد في صحيفة "العربي الجديد" مصطفى عبدالسلام لرصيف22 تؤكد أنه ليس من السهل فرض حصار خانق على قطر.

ومن أهم عناصر الثبات التي تساعد الدوحة على تقليل آثار الحصار السلبية أن الوفرة المالية القطرية مستثمرة بالخارج ومستقرة، وبالتالي فإن تراجع سوق المال المحلي يمكن تعويضه مستقبلاً لأنه لا يمثل سوى جزء بسيط من الاقتصاد القطري، كما أكد لرصيف22 الباحث السياسي المصري المقيم في لندن علاء بيومي، مضيفاً أن فوائضها المالية الضخمة تمكنها من تعويض أيّة إجراءات عقابية تمارَس ضدها، حتى لو استمرت عقوداً.

فالاستثمارات القطرية مرتبطة بمراكز صنع القرار الدولي، وتم اختيارها، بحسب رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام "تكامل مصر" مصطفى خضري بعناية شديدة لتتغلغل داخل المنظومات السيادية للدول العظمى، مقدماً لرصيف22 أمثلة تدعم ما يذهب إليه.

فالصندوق السيادي القطري يتوزع ثلثا رصيده على الأقل في ست جهات رئيسية مرتبطة بالأنظمة السيادية الحاكمة العالمية مثل روسيا (روس نفط، لوك أويل، مشروع الأورال الصناعي)، وبريطانيا (متجر هارودز، القرية الأولمبية، مبنى The Shard، أجزاء من المنطقة المصرفية "كاناري وارف"، شبكة أنابيب الغاز الوطنية البريطانية، رويال داتش، شل، باركليز)، وألمانيا (فولكسفاغن، سيمنز، Tiffany&co ،Glencore) والولايات المتحدة (قطاع البنية التحتية، القطاع العقاري، مراكز الأبحاث، قطاع التكنولوجيا، الصناعات الدفاعية) والصين (القطاع الصناعي، القطاع العقاري، القطاع المصرفي) وتركيا (محفظة استثمارية في كل المجالات، مشروع السيل التركي، وهو مشروع لبناء خطوط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي من روسيا إلى تركيا ودول أوروبية).

هذه المقدرات تسمح للدولة الصغيرة بممارسة الضغط على أطراف دولية وإقليمية كثيرة، ومن هنا أتى انحياز فرنسا وألمانيا لقطر، كما قال لرصيف22 أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور حسن نافعة.

تمتلك قطر أدوات كثيرة لكسر الحصار المفروض عليها. التهديد بترحيل 300 ألف عامل مصري من أبسط ما تمتلكه
استثمارات في أقوى دول العالم واحتياطات مالية ضخمة تساعدها على شراء ما تريده وأمور أخرى كثيرة لدى قطر

الغاز القطري... تهديد قائم

قطر هي ثالث أكبر مصدر للغاز الطبيعي بالعالم وتبلغ احتياطياتها من الغاز نحو 14% من احتياطي الغاز الطبيعي المكتشف في العالم، بواقع 885 تريليون قدم مكعب، حسب آخر إحصاءات شركة بريتش بيتروليوم.

كما أنها الدولة الأولى في العالم في إنتاج وتصدير غاز الهيليوم، بملياري قدم مكعب سنوياً، والأولى عالمياً في إنتاج المكثفات بـ800 ألف برميل يومياً، والأولى عالمياً من حيث حجم أسطول نقل الغاز المسال بـ62 ناقلة.

وفي مواجهة الحصار الاقتصادي الذي تفرضه الإمارات والسعودية عليها بإغلاق منافذها البحرية والجوية والبرية أمامها، تستطيع قطر، كما يشير عبد السلام، أن ترد بقطع الغاز عن الإمارات إذ تزود الدوحة أبوظبي بنحو 30% من احتياجاتها من الغاز، ما يتسبب باضطرابات شديدة داخل الإمارات خاصة للمصانع ومحطات إنتاج الكهرباء.

لكن خضري يعتبر أن قطر لن تقدم على هكذا خطوة بل ستحاول استمالة الشعب الإماراتي من خلال ملف الغاز، وقد أعلنت أنها لن تقطع الغاز عن الإمارات.

تنويع التجارة الخارجية

تستطيع قطر تنويع تجارتها الخارجية وجلب كافة السلع من أسواق العالم المختلفة، وقد تحركت بالفعل، كما أوضح عبد السلام، نحو أسواق تركيا وإيران ودول آسيوية وعربية لكسر الحظر التجاري المفروض عليها.

وأبدت شركات إيرانية وتركية كبرى استعدادها لتلبية احتياجات قطر من السلع خلال فترة لا تتجاوز 12 ساعة.

وفي هذا الإطار، تمتلك قطر موانئ ضخمة سواء بحرية أو جوية، قادرة على استقبال الحاويات الكبرى المحملة بالأغذية والسلع التموينية.

قضايا وتعاطف شعبي

موقف قطر من القضية الفلسطينية ودعمها للمقاومة الفلسطينية وحركتي حماس والجهاد الإسلامي، وفق نافعة، من أهم الأوراق القطرية على الصعيد الشعبي، "فمن خلال قناة الجزيرة ودعم القضية الفلسطينية تمكنت قطر من كسب التعاطف الشعبي العربي".

قطر تستطيع الصمود لفترة طويلة، ولكن استمرار الأزمة ولجوء الدوحة إلى أوراق الضغط "سيؤدي إلى استنزاف الطاقة العربية وانهيار مجلس التعاون الخليجي"

في المقابل، والكلام لنافعة، فإن التحركات السعودية والإماراتية تتجه ضد المقاومة الفلسطينية وتصب في مصلحة إسرائيل. فالإمارات لديها موقف ضد حماس، وتستضيف القيادي الفلسطيني محمد دحلان الذي "عمل على تقويض منظمة التحرير الفلسطينية، ويعتبر أحد رجالات إسرائيل".

وبرأي خضري، فإن العلاقة القطرية مع الإخوان المسلمين، بتنظيماتها المتفرعة حول العالم، تمنح النظام القطري دعماً شعبياً للنظام القطري يمارس ضغطاً على التحالف الخليجي المعادي لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل خليفة.

احتواء التيارات الإسلامية

تلعب قطر "دوراً وظيفياً" في احتواء وتبريد التيارات الإسلامية بكل أنواعها، كما يؤكد خضري مضيفاً أن هذا الدور يحتاجه الغرب بشدة لتفادي خروج المارد الإسلامي من المنظومة العالمية، و"نجحت قطر في تنفيذ هذا الدور بشكل بارع يجعل مراكز صناعة القرار العالمية تتمسك بالاستقرار القطري وتمنع تطور الأحداث الحالية".

وقد لعبت قطر أدوار وساطة مع تنظيمات عدة منها حركة طالبان في أفغانستان وجبهة النصرة وحركة أحرار الشام في سوريا، ساهمت في احتواء بعض الأزمات.

الورقة التركية 

تمتلك تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، قاعدة عسكرية بقطر، و"يمكن أن يكون لها دور أمني ضد أي مطامع إقليمية فيها"، كما يتوقع بيومي.

فالعلاقات القطرية التركية شديدة الخصوصية، و"تركيا لن تترك النظام القطري في هذه المحنة خاصةً وأنّ قطر قد أدت دوراً كبير في إفشال الانقلاب العسكري على أردوغان عن طريق دعم قناة الجزيرة ومنظوماتها الإخبارية المعاونة للشرعية التركية"، كما يرى خضري.

التلويح بورقة إيران 

من جهة ثانية، فإن "الورقة الأكثر فعالية في يد قطر هي توثيق العلاقة مع إيران"، برأي نافعة.

ولكن أستاذ العلوم السياسية يرى أن استخدام هذه الورقة سيكون عامل عدم استقرار في العالم العربي وسيؤدي إلى تصعيد الأزمة وهو أمر ليس في مصلحة أحد.

وربما لذلك، يعتبر خضري أن "إيران ورقة تلويح وليست ورقة ضغط وقطر أذكى من الارتماء في الحضن الإيراني".

الورقة الأوروبية

قد تؤدي الأزمة القطرية إلى عودة الدور الأوروبي إلى المنطقة في مواجهة الدور الأمريكي، كما يرى بيومي الذي شرح أن "أوروبا ترى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقود العالم نحو كارثة".

وبالفعل، خرجت ردود أفعال أوروبية مساندة لقطر وفي مقدمتها ردا فعل ألمانيا، قائدة الاتحاد الأوروبي، وفرنسا، ما قد "يمثل جزءاً من تحوّل أوروبي"، بحسب بيومي.

المؤسسات الأمريكية

إذا كان يمكن أن يصعّد ترامب من خطابه ضد الدوحة، لكن لا يمكنه تغيير السياسات الأمريكية بسهولة، ذلك أن الولايات المتحدة دولة مؤسسات، والتغيير الجذري للسياسيات يتطلب موافقة المؤسسات الراسخة مثل الكونغرس والبنتاغون والخارجية والنخب السياسية.

وبرأي بيومي، "يمكن لقطر وتركيا مواجهة حلفاء ترامب الإقليميين، في حين أن المؤسسات الأمريكية ستوقفه داخلياً".

القاعدة الأمريكية

في مقدمة أوراق قطر التي تلعب لصالحها وجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها، بحسب نافعة الذي يؤكد "أن واشنطن لا يمكنها بسهولة التضحية بذلك".

وتمتلك أمريكا قاعدة عسكرية ضخمة في العديد وأخرى في السيلية، وهما قاعدتان محوريتان في كل العمليات العسكرية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط من العراق حتى أفغانستان.

ولكن برأي علوي، "فإن قدرة قطر على استغلال ورقة القاعدة العسكرية الأمريكية لمصلحتها ولحماية أمنها يتوقف على التوجه الاستراتيجي للدولة الأمريكية، فمن الممكن أن تتحول القاعدة الأمريكية من وسيلة لحماية أراضي قطر إلى أداة لفرض الوصاية والتهديد".

أوراق هامشية

عدا هذه الأوراق التي تمتلكها قطر وتلعب لصالحها، هناك أوراق أخرى مثل ورقة العمالة المصرية، ففي الدولة الصغيرة حوالي 300 ألف عامل مصري سيشكّل ترحيلهم ضربة قوية للقاهرة.

ولكن خضري يعتبر أن قطر "ستحاول صناعة رأي عام مضاد بحسن معاملة العمالة المصرية".

كما أن امتلاك قطر قنوات "بن سبورت" الرياضية التي تحتكر البطولات الكروية القارية والأوروبية هو ورقة بيدها، فمن الصعب مقاطعة هذه القنوات التي يتابعها ملايين العرب.

خلاصة القول أن قطر تستطيع الصمود ولفترة طويلة، ولكن استمرار الأزمة ولجوء الدوحة إلى هذه البدائل "سيؤدي إلى استنزاف الطاقة العربية وانهيار مجلس التعاون الخليجي"، برأي نافعة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard