إيران والأزمة الخليجية: من المستفيد وما هي السيناريوهات المطروحة؟

الجمعة 9 يونيو 201706:38 م
كيف ستتحرك إيران، بقيادتها السياسية وجهازها الدبلوماسي، رداً على قرار الدول الخليجية ومصر قطع علاقاتها مع قطر على خلفية اتهامها بالتقارب مع إيران؟ وما هي السيناريوهات المطروحة لشكل العلاقة على خط طهران - الدوحة بعد الأزمة وما سيكون عليه موقف القيادة الإيرانية من عناصر كانت سبباً في خلق الأزمة، الإخوان المسلمين مثالاً؟ وكيف يُحدَّد سقف التدخل الإيراني وعلى أي أسس؟ هي بعض الأسئلة التي تسارعت عند اندلاع الأزمة الخليجية على خلفية تسريب تصريحات للأمير تميم، لتصبح أكثر إلحاحاً جراء القرارات الأخيرة التي فرضت ما يشبه الحصار الجوي والبري والبحري على الإمارة.

الترقب الإيراني... وصفقة المليار دولار

ردُّ الفعل الأولي على التصعيد الخليجي ضد قطر إيرانياً كانت الدعوة إلى التهدئة، فيما انتقد بعض المسؤولين الحملة على الأمير تميم. ومع تسارع الأحداث، حافظ الخطاب الإيراني على دبلوماسيته المعتادة، فبقي في موضع الترقب حتى عندما تأزمت الأمور بشكل غير مسبوق. كان المساعد المتخصص في الشؤون السياسية في المكتب الرئاسي حميد أبو طالبي أول من عكس ربما الموقف الإيراني في تغريدة له على تويتر. رأى أبو طالبي أن قرار قطع العلاقات "ليس سبيلاً للخروج من الأزمة" مؤكداً أن "عهد التحالفات والشقيق الأكبر" قد انتهى. بدوره، علق وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، في تغريدة له يوم الاثنين، قائلاً "الجيران دائمون ولا يمكن تغيير الجغرافيا. الإكراه ليس حلاً أبداً، الحوار أمر حتمي، خاصة، في شهر رمضان الكريم". والجدير ذكره أن ظريف كان قد تحرك خلال الأيام الماضية مجرياً العديد من الاتصالات مع عدد من وزراء الخارجية. ما سبق من أسئلة وتصريحات ترافق مع ضخّ معلومات بشأن "الحرس الثوري الذي يحمي قصر الأمير تميم" و"فتح إيران أبوابها للأمير" وغيرها من أخبار تدعم "نظرية استفادة إيران من انشقاق الصف الخليجي ومحاولة احتواء قطر". في الظاهر الرسمي والدبلوماسي لا يوجد ما يثبت وجود إجراءات مماثلة، إلا أن تلك الأخبار بقيت في إطار البحث عن إثبات ما وُصف بـ"تورط" قطري مع إيران. وفي تفاصيل البحث عن "التورط"، نشرت صحيفة "فاينانشال تايمز" تحقيقاً يكشف، نقلاً عن مسؤولين سياسيين وعسكريين مطلعين، دفع السلطات القطرية حوالي المليار دولار لضباط استخبارات إيرانيين و"كتائب حزب الله" العراقية و"أحرار الشام" التابعة للقاعدة في سوريا من أجل إتمام صفقة شملت تحرير صيادين قطريين خُطفوا في العراق. واعتبرت الصحيفة أن هذه الصفقة كانت السبب وراء تدهور العلاقات بين قطر والسعودية، التي تحركت لترويض جارتها "المغرورة" كما وصفتها "الفايننشال تايمز".

الانحناء أمام "السيّد"؟

لرصد سقوف التحرك الإيراني إزاء قطر، لا بدّ من متابعة مواقف الأطراف الفاعلة في المنطقة الخليجية، فضلاً عن خيارات النظام القطري المتاحة، من دون إهمال العلاقات التجارية التاريخية التي تجمع بين إيران وقطر والتمايز السياسي للأخيرة عن السعودية في مقاربة الشأن الإيراني. بقيت الرياض تشعر خلال سنوات ولاية أوباما الثانية كأن أجنحتها قد قُصّت، فلم تستطع ضمان دعم قوة عظمى لاتخاذ قرارات ضد سياسة الجار القطري "المزعجة"، ولكن الدعم الأمريكي المستجد شجع الرياض، التي تتصف سياستها بالتردد عموماً، على التصعيد. الموقف الأمريكي المشجع لم يذهب بعيداً في دعم الخيار السعودي، فأبقى على دعوته لحل الأمور ولم يذكر أي شيء بخصوص نقل قاعدته العسكرية الأكبر في الشرق الأوسط (قاعدة العديد) من الأراضي القطرية. وسط ذلك، نشطت الوساطة الخليجية برعاية الكويت وكثرت التحذيرات من "ارتماء قطر في الحضن الإيراني بعد سد المنافذ الخليجية أمامها". في المقلب الآخر، بقي النفس القطري في الرد على القرارات مضبوطاً، ما عكس عدم رغبة، أو عدم قدرة، قطرية على الخروج من تحالفاتها الخليجية إلى ما لا رجعة. يفسّر الكاتب مارتن شلوف في صحيفة "الغارديان" الأمر بأن "الدوحة تعلم أنها لا تملك مساحة مناورة كبيرة، فلا تستطيع أن تغادر مجلس التعاون الخليجي، الذي يوفر الأمن والعمق التجاري لأعضائه، ولا يمكنها تحمل العزلة". في المقابل، لا يمكنها التراجع بسرعة والرضوخ لرغبة السعودية، فـ"بعد أن قضت عقوداً تسوّق لنفسها بصفتها دولة مؤثرة في صناعة القرارات ومشاركة فاعلة في المنطقة، فإن انحناءها أمام "السيد" السعودي سيعرّي حقيقة محدوديتها. من جهة ثانية، نقلت "سي أن أن" عن الباحث في معهد دول الخليج العربية في واشنطن حسين إبيش توقعه أن تخلق الأزمة الدبلوماسية "فرصاً لإيران على المدى الطويل"، وقد تخلق كذلك "فتحات للمخيم الموالي لإيران، على الأقل فيما يتعلق بالرأي العام في العالم العربي - القوميون من العرب سيقفون مع قطر، الإسلاميون سيقفون إلى جانب قطر، وبعض الليبراليين أيضاً سيقفون إلى جانب قطر"، كما يقول.

محركات الموقف الإيراني وأشكاله

على الجانب الإيراني، ثمة عدة عوامل يساعد الالتفات لها في تفسير الموقف الإيراني الحالي والمستقبلي وحجمه، منها العوامل الدبلوماسية والفرص السياسية وإعادة الخندقة والعلاقات مع تركيا، كما العلاقات التجارية.

1- انتظار الموقف الأمريكي

يفسّر الباحث عبد الله زغيب لرصيف22 الأمر قائلاً إن "طبيعة الحراك الإيراني على مستوى القيادة السياسية والجهاز الدبلوماسي والتصريحات توضح أن إيران لا تدرك حتى الآن مديات الأزمة والسقوف التي تتحرك على أساسها الأطراف الفاعلة فيها، لكنها تدرك في الأساس أن الطرف الوازن في الجهة المقابلة هو الولايات المتحدة". يضيف شارحاً أن "القيادة بدت حريصة على تصريحات مدروسة ومقننة بانتظار اتضاح الرؤية وفهم مدى التحرك السعودي ورد الفعل القطري والموقف الأمريكي".

2- ترميم العلاقة مع "الإخوان"

في المقلب الآخر، تعود ورقة العلاقة بين إيران والإخوان المسلمين إلى دائرة الطرح. تلك العلاقات التاريخية التي جمعت الطرفين منذ اغتيال الرئيس المصري أنور السادات، تضررت بشكل كبير في السنوات القليلة الماضية وتحديداً مع اندلاع النار السورية. برأي زغيب، المسألة التي طرحتها الأزمة بالنسبة لإيران ليست تقارباً مع قطر أكثر منها مدخلاً لترميم العلاقة مع "حماس" والجهاز الإخواني. وعليه ستسعى إيران بشكل حثيث، في المرحلة المقبلة، لمحاولة الاستفادة على الأقل في ترميم العلاقة مع الإخوان، وتحديداً خارج منطقة دول الشام وبشكل أساسي في مصر ومناطق أخرى لصناعة خيارات أخرى.

تسهيلات الملاحة الجوية والبحرية من إيران والدعم الغذائي لقطر: خندقة جديدة أم تعزيز علاقات وتقاطعات فحسب؟

ليس ثمة ما يؤكد التقارب بين البلدين على المستوى الاستراتيجي والرؤية لطبيعة الصراع في المنطقة ولكن الأكيد أن الخلاف الخليجي يصب في مصلحة إيران بهذا الإطار، وفي مصلحة تعزيز علاقاتها مع قطر (وتركيا التي عبرت عن دعمها للإمارة وصادق برلمانها بالأمس على تعزيز الاتفاقيات الأمنية).

3- التقارب مع تركيا

في الإطار نفسه، يفنّد الصحافي والإعلامي المهتم بالشأن الإيراني علي هاشم المسألة لرصيف22. يقول إن ثمة ثلاث محاور في المنطقة تتمثل بإيران وحلفائها الذين يُعرفون بـ"محور المقاومة" وبالسعودية والإمارات ومصر ومن معهم والذين يُعرفون بـ"محور الاعتدال"، في مقابل محور ثالث لم يكن واضح المعالم تماماً كمحور لكنه يحظى بامتداد إقليمي هو المحور القطري - التركي - الإخواني. بحسب هاشم، كانت التقاطعات بين المحورين الأخيرين في المرحلة الماضية أكبر حجماً، ولكن الخطوة الخليجية الأخيرة دفعت قطر باتجاه خيار واحد وهو تعزيز العلاقة مع ايران، إذا ما حافظت بطبيعة الحال على دورها السياسي والإعلامي في المنطقة. في هذا السياق، يمكن الكلام بالتأكيد عن مكاسب إيرانية، فايران ستقدم نفسها كداعم لقطر، بينما سينفتح المجال أمامها للتنسيق المباشر مع الجانب التركي لدعم قطر. ووفقاً لهاشم، سيكون للتقارب الإيراني - التركي انعكاساته في سوريا حيث سيساعد على التخفيف من التناقضات التي كانت طاغية في المرحلة الماضية.

4- التهديد بقلب النظام

في المقابل، يرى هاشم أن الحديث عن "قلب قطر لمواقفها والانضمام إلى محور إيران" باعتباره "مراهقة سياسية"، الصحيح هو أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من التقاطعات بين الطرفين. ويلفت إلى أن التهويل بقلب نظام الحكم في قطر واستبداله بآخر موال للسعودية، يدفع إيران، التي يستفزها تهديد مماثل، للوقوف بجانب النظام الحالي بشكل أكبر. في المقابل، حذر بعض المحللين الإيرانيين والدبلوماسيين السابقين، حسب ما نقل الصحافي الإيراني روح الله فغيغي في "المونيتور"، من وقوف إيران في طرف قطر. وقال المسؤول السابق في مكتب الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الإيرانية قاسم محبعلي إن "قطر كانت جزءاً من المخطط واللعبة التي هددت أمن إيران ومصالحها في سوريا والعراق… قطر ليست بلداً بريئاً ولا يجب أن نقف في صفها. ينبغي الانتباه إلى أن قطر تدعم الإرهاب". كما استبعد محبعلي دخول إيران في الأزمة، فـ"الأمر ليس منطقياً".

الميزان التجاري... الكاسب الدائم

بعد إغلاق المجال الجوي أمام قطر من قبل الدول المحيطة بها ومصر، أعلنت السلطات الإيرانية ارتفاع عدد رحلات طيران قطر التي تعبر الأجواء الإيرانية إلى ما بين 100 و150 رحلة يومية، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية عن لسان المدير العام لشركة المطارات والملاحة الجوية في إيران رحمت الله مه آبادي. وقال آبادي "عقب تغيير مسار بعض الرحلات التابعة لشركة قطر للطيران نحو الأجواء الايرانية، بلغ معدل الرحلات الجوية عبر السماء الإيرانية 1050 إلى 1100 رحلة يومياً، بعد أن كان في وقت سابق من هذا التطور 950 رحلة".

"تعلم الدوحة أنها لا تملك مساحة مناورة كبيرة فلا تستطيع مغادرة مجلس التعاون ولا يمكنها تحمل العزلة"

وبحسب خبر عاجل لقناة "برس تي في" الإيرانية فإن "طائرة "بوينغ 747" وصلت إلى قطر حاملة أول شحنة غذائية إيرانية ترسل إلى الدوحة عقب إعلان الدول الخليجية قطع العلاقات مع قطر وفرض الحصار عليها". كما كان رئيس اتحاد تصدير المنتجات الزراعية الإيرانية رضا نوراني قد أعلن قبل أيام استعداد بلاده لتصدير المواد الغذائية إلى قطر. وبما أن الحدود البرية لقطر تتشاركها حصراً مع السعودية، فإن إقفال الأخيرة لها جعل الدولة الأقرب لقطر هي إيران والتي تستطيع إيصال المواد الغذائية إليها عبر البحر بمدة لا تتجاوز الـ12 ساعة فقط"، في حين أن "هناك إمكانية لإرسال المواد الغذائية عبر عدة موانئ منها ميناء بوشهر وميناء بندر عباس". قد لا يمكن النظر لتسهيلات الملاحة الجوية والبحرية من قبل ايران في إطار الخندقة الجديدة لقطر إذا ما أخذنا باعتبار أن ميزان التجارة لا يعترف بخلافات السياسة، والدليل أن العلاقات التجارية الإيرانية بقيت مفتوحة مع قطر حتى في مراحل التوتر كما كان حالها مع تركيا والإمارات وغيرها. لكن هذه التسهيلات تصب في إطار التقاطعات المذكورة أعلاه بين إيران من جهة وقطر وتركيا والإخوان من جهة أخرى، كما أنها تفيد في دعم الاقتصاد الإيراني بمليارات الدولارات سنوياً، لا سيما وأن إيران (مع تركيا) تبدو المجال الوحيد حالياً لقطر التي كانت تستورد معظم موارها من السعودية والإمارات ومصر.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard