هل يتحوّل الجيش المصري إلى بلاك ووتر الشرق الأوسط الجديد؟

الأربعاء 31 مايو 201705:46 م

في قراءة عروبية حالمة، اعتبر أحد الكتاب العروبيين أن المشروع المصري حول تشكيل قوات عربية مشتركة سينقل جامعة الدول العربية من حالة الموت السريري إلى حالة الفاعل الإقليمي القادر على المساهمة في صون استقلال البلاد العربية وسيادتها. ولكن في الحقيقة، يتجه النظام المصري، بسبب تعقيدات السياسات الإقليمية، إلى لعب دور بائع الخدمات الأمنية والعسكرية على غرار شركة "بلاك ووتر" Blackwater ("أكاديمي" Academi حالياً) الذائعة الصيت.

بُعيد إعدام تنظيم داعش 21 مصرياً في ليبيا، منتصف فبراير الماضي، وردّ مصر بقصف طائراتها لبعض مواقعه، ثم فرملة المجتمع الدولي توجّه مصر الحربي، ألقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كلمة قال فيها إن تشكيل قوة عربية "أصبح ضرورة ملحة لأن التحديات التي نواجهها ضخمة جداً". ومذّاك، أخذ مصطلح "القوة العربية المشتركة" يتردّد بكثرة.

وفي آخر التصريحات التي تدلّ على مستوى النقاش العربي حول "مطلب السيسي"، دعا الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل العربي، في كلمته في اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب في القاهرة، إلى "النظر بإلحاح في إنشاء قوة عسكرية أمنية عربية مشتركة تكون متعددة الوظائف". كما أعلن نائب الأمين العام للجامعة، أحمد بن حلي أن هذا المقترح سيُطرح في القمة العربية المقرر عقدها أواخر هذا الشهر في القاهرة.

الحاجة إلى قوّة عربية سنّية

لا شك في أن بعض التحديات الأمنية للدول العربية، وعلى رأسها تمدّد تنظيم داعش، يستوجب عملاً عسكرياً لأن القول بإمكانية معالجتها بالحوار هو أضغاث أحلام. إن عدنا إلى التعابير الديبلوماسية، يقول العربي إن "مهمة تلك القوة هي التدخل السريع لمكافحة الإرهاب، وأنشطة المنظمات الإرهابية، والمساعدة في عمليات حفظ السلام، وتأمين عمليات الإغاثة والمساعدات الإنسانية وتوفير الحماية للمدنيين، إضافة إلى التعاون في المجالات ذات الصلة بحفظ الأمن وتبادل المعلومات بين الدول العربية".

إذن المهمات المطلوبة كثيرة. ولكن كل ذلك يمكن شمله تحت فكرة وحيدة: تتنامى في مراكز صنع القرارات العربية القناعة بأنه على الدول السنّية التحرك عملياً في ميادين النزاعات لكي لا تتركها لسيطرة الجماعات الإرهابية أو للمدّ الإيراني. فمن دون النزول إلى أراضي المعارك لن تستطيع هذه الدول التأثير في مستقبل الشرق الأوسط. في كلمته أخيراً أمام البرلمان الأوروبي، قال الملك الأردني عبد الله الثاني بعبارات واضحة جداً إن المعركة ضد داعش هي معركة داخل الإسلام ويجب أن تتصدّرها دول إسلامية.

لا مفر من أرض المعركة

في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، شنّ دعاة الديمقراطية هجمات حادة على الإدارة الأمريكية لعدم تدخل الجيش الأمريكي في حروب البلقان والاكتفاء بضرب نظام الرئيس الصربي سلوبودان ميلوزيفيتش من الجوّ. كان رأيهم أن دعم الديمقراطية يجب أن يكون باللحم الحيّ وبدون خوف من التضحية. هذا المناخ هو ما دفع لاحقاً إلى التدخل البرّي في أفغانستان والعراق. ولكن الخسائر البشرية الناجمة عن هاتين الحربين ولّدت صدمة تشبه تلك التي حصلت بسبب حرب فييتنام. الآن، الرأي السائد ينحو إلى الواقعية بعيداً عن المثاليات السابقة.

هذه المتغيّرات لعبت دوراً كبيراً في رسم السياسة الأمريكية حول بعض الأزمات الملتهبة التي اندلعت من رحم الربيع العربي، وخاصة في سوريا. في المقابل، لا يزال الإيرانيون ينطلقون من خبرتهم التي تقول إن التدخل شبه المباشر عبر الميليشيات الشيعية الموالية لهم يحقق مكاسب. أما الدول العربية السنّية فإنها جديدة على هذا الجوّ لأن سياساتها السابقة بنيت على دعم مجموعات سنّية مسلّحة كانت دائماً تنقلب عليها وتتحوّل إلى وحش يهدّد أنظمتها.

حالياً، يبدو أن الدول السنّية ترغب في خوض تجربة هجينة بين التجربتين الأمريكية والإيرانية: فالقوات العربية صارت ضرورة لاستمرار السيطرة على الميليشيات السنّية التي ستُدعم لإنهاء ظاهرة داعش ولغايات أخرى ترتبط بالسعي إلى النفوذ الإقليمي. مقارنة بين التجارب التاريخية في العقدين الأخيرين تثبت أن الطائرات لا يمكن أن تقضي على الإرهاب وأن النزول إلى الميدان ضرورة.

المقايضة المصرية

من هذه الأرضية انطلق النظام المصري في "لعبته" السياسية الجديدة القائمة على مقايضة قوات عسكرية مصرية ببعض المكاسب السياسية والمالية التي تساعده على الاستمرار. التوجه المصري الجديد وُلد في الشهرين الأخيرين لأسباب كثيرة.

فبعد إقصاء جماعة الإخوان المسلمين عن الحكم، اطمأن النظام المصري الحالي نسبياً إلى التحالفات التي وُلدت آنذاك خاصة أن السعودية والإمارات وقفتا بجانبه ووعدتاه بالمال اللازم لعدم تفجّر الوضع الداخلي في مصر. أما الآن، ومع التوجه السعودي الجديد الهادف إلى التقرّب من تركيا وقطر على قاعدة أن الخطر الأول هو الخطر الإيراني، لم يعد إلى جانب مصر إلا الإمارات، والطرفان يعرفان أن ليس بإمكانهما أن يشكلا حلفاً متيناً لأن تحدّي السعودية سيعني ابتعاد دول هامة مثل الأردن والكويت عنهما، كما أن الإمارات وحدها غير قادرة على تحمّل العبء المادي الثقيل للحليف المصري.

في هذه الظروف طرحت مصر فكرة القوات العربية المشتركة، معوّلة على إغراء دول الخليج بفكرة إمدادها بقوات عسكرية تلعب أدواراً في الأزمات العربية. إذا أخذنا بالاعتبار أولويات الأمن المصري القومي، يمكننا القول إن مصر تحتاج إلى التدخل في ليبيا فقط وتحتاج إلى مظلة عربية لتدخل كهذا. أما الأدوار التي يمكن أن تلعبها لجذب المال الخليجي فتبدأ من اليمن وتصل إلى العراق وسوريا. في هذه الدول تستطيع مدّ أيّة قوة مشتركة بالعناصر اللازمة للقتال أو لحفظ الأمن، مع الأخذ بعين الاعتبار أن دول الخليج لا تمتلك إمكانية إرسال جنود إلى خارج حدودها.

مصر، مع نصف مليون مجنّد، هي الخزّان البشري الضروري لأي دور عربي عسكري في الدول التي تعاني من أزمات. وإن تحقّقت الغاية المصرية، لن تجد بلاد النيل نفسها معزولة داخل العالم العربي خاصة أن أسطورة ثقل مصر العربي ومحوريتها كقطب انتهت منذ وقت طويل، ما دفعها إلى "البيزنس السياسي".

إدفع نرسل قواتنا

نظرة سريعة إلى العلاقات الإقليمية تكشف أن فكرة العروبة نفسها صارت فكرة متقادمة. الدول العربية لا تتفق ولا يمكن أن تتفق على أهداف مشتركة. وبوضوح أكثر، شكّلت الصراعات البينية بين الدول العربية عاملاً أساسياً في صناعة معظم الأزمات التي تعانيها المنطقة العربية، ومنها انتشار الحركات الإرهابية. حتى مصطلح الإرهاب غير متفق عليه. فهل هو داعش؟ أم داعش والقاعدة؟ أم الإخوان المسلمون؟ أم الميليشيات الشيعية؟ لكل دولة عربية تحديداتها الخاصة لمَن هو الإرهابي ومَن هو غير إرهابي. وأماكن التدخل الضروري غير متفق عليها. فهل هي سوريا كما دعا الخليجيون، وقطر بشكل خاص، منذ العام 2012، أم هي اليمن، كما دعا أخيراً مجلس التعاون الخليجي، أم هو العراق الذي يكاد يقع كاملاً تحت الهيمنة الإيرانية؟

يمكننا الحديث عن تحالف ثلاثي طامح إلى تشكيل "قوة عربية" ويتألف من الإمارات كممول ومن مصر كمصدر لقوة بشرية كبيرة الحجم ومن الأردن كمصدر لقوة بشرية متوسطة الحجم. في المقابل، وقّعت قطر قبل أيام اتفاقاً عسكرياً مع تركيا يسمح بنشر قوات مشتركة بين البلدين عند الحاجة، ما يعني أنه غير مخصص للعب أدوار خارجية، ولكنه يعني أيضاً أن تحالفات قطر عابرة للعروبة.

الكرة الآن في ملعب السعودية. هي التي ستقرّر إن كانت ستكتب الحياة لقوة عربية (والأرجح أنها لن تحظى بمظلة الجامعة العربية) وهذا رهن بالأدوار التي تطمح إلى لعبها خارج أراضيها. أما مصر فوجهتها واضحة وعبّر عنها اللواء عباس كامل، مدير مكتب السيسي حين كان وزيراً للدفاع، في التسريب الشهير الذي قال فيه إن مصر أخطأت في أنها لم تعامل دول الخليج في حرب تحرير الكويت بمبدأ "هات وخد"، كما فعلت سوريا. الآن يريد المصريون تصحيح هذا الخطأ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard