"أتمنى أخرج وألهو مثل زوجي وأبنائي"... يوميات نساء من الجزائر في العيد

الخميس 30 يوليو 202004:56 م
"الكل يقول عنا أننا بهجة العيد الأصلية، فنحن صانعات الأطباق والحلويات التقليدية الشهية، رغم أن العيد لنا جميعاً، رجالاً ونساء، إلا أننا نتعب أكثر"، تروي أحلام، حكايتها مع العيد.

تقول أحلام لرصيف22: "الشوارع مُزدحمة هذه الأيام قبل آذان المغرب. أطفال ورجال يركضون في جميع الاتجاهات، فرحاً بقدوم العريس السنوي إلى البيت، في كل ساحة تلحظُ عيناك الكباش فوق رؤوسهم حناء، وحول أعنقاهم حبال، وأطفال صغار يجولون ويصولون في الأزقة، بينما يتظلل الرجال من قيظ الشمس تحت العمارات، يجلسون على الكراسي في ثنائيات يلعبون الدومينو، وفي هذه الأثناء تكون النسوة جميعهن منشغلات بترتيب البيت وتنظيفه، وتحضير لوازم يوم النحر"، تحكي أحلام عن العيد في الجزائر كما تعيشه، وهي أم لطفلتين، وموظفة في العقد الثالث من عمرها.

تتساءل أحلام: ألا يقولون عنا أننا بهجة العيد لأننا نصنع الأطباق والحلويات، فلماذا لا مساحة لنا في الراحة والاستمتاع بأيام العيد، مثل الأطفال والرجال؟

"عجقة خانقة وضغط كبير"

تصف أحلام أيام العيد، قائلة: "عجقة خانقة، وضغط كبير بسبب المهام الكثيرة التي تنتظرني هذه الأيام، فالجسد مرهق والعين لا تغفل، وبسبب ضيق الوقت ومسؤوليتي تجاه عملي، أضطر إلى تنظيف وترتيب البيت بعد انتهاء دوامي، فكل يوم أغرق في حملة تنظيف البيت وتعطيره، بمجرد أن يُخرج زوجي الكبشَ رفقة بناتي، وبعدها أقوم بتحضير طاولة الإفطار، لأننا دأبنا على صيام العشر من ذي الحجة كاملة".

وتتابع أحلام: "بعد الانتهاء من الفطور أشرع في تحضير بعض من الحلويات التقليدية المعروفة، على غرار البقلاوة والغريبية والمقروط التي توضع في صينية القهوة صبيحة العيد".

وبصوت مرهق متلهف للراحة، تضيف أحلام لرصيف22: "القادم أعظم، فمشاق يوم النحر لا تعد ولا تحصى، تستيقظ النسوة باكراً قبل صلاة الفجر، رغم أننا ننام في وقت متأخر للغاية، لأننا ننشغل بوضع الحناء على أيدي الأطفال الصغار، وهي عادة لا نستغني عنها في مثل هذا المناسبات".

ألا يقولون عنا أننا بهجة العيد لأننا نصنع الأطباق والحلويات، فلماذا لا مساحة لنا في الراحة والاستمتاع بأيام العيد، مثل الأطفال والرجال؟

وتتابع: "رغم أن يوم النحر يكون جميلاً، فأولادي يذهبون يميناً وشمالاً، فرحهم يتطاير كما الريشة في الهواء، رغم الخوف الذي يسيطر على قلوبهم بسبب الدماء وأدوات الذبح والسلخ والتقطيع التي تهيمن على المشهد هذا اليوم، إلا أنني أبقى رهينة المطبخ طيلة اليوم، ولا أخرج منه إلا بعد موعد العشاء، بسبب كثرة الأطباق الشعبية التي يجب أن أحضرها مثل البكبوكة المصنوعة من معدة الخروف، والمشرملة المصنوعة من كبده، ومرق أحمر خاص مصنوع من التوابل، والبوزلوف المصنوعة من رأسه وأرجله، والعصبان المصنوعة من شحومه وكبده وكل ما له علاقة بالأحشاء، وأيضاً هناك طبق الملفوف، وهو من الأطباق سهلة التحضير، إذ يعتمد على تقطيع كبد الأضحية ثم يُقطع إلى أجزاء صغيرة ثم يتم لفها بالشحم، وتشوى على الجمر مع حبات طماطم وبصل وحار".

"لا مكان لأحمر شفاه"

أما إيمان، ربة بيت، وأم لأربعة أطفال في العقد الثالث من عمرها، فتقول لـرصيف22 إن متاعبها تتفاقم في هذا اليوم، لأن زوجها يفضل قضاء العيد عند أهله، وهي من العادات المتوارثة في الجزائر.

تقول إيمان متنهدة إن يوم العيد يمثل بالنسبة لها استحقاقاً صعباً، بالنظر إلى عدد أفراد أسرته، فتضطر لقضاء اليوم بكامله في المطبخ، لتحضير كميات كبيرة من الأطباق التقليدية.

"لا مكان لأحمر الشفاه، والطلة الجميلة في مثل هذا اليوم، ولعل أكثر شيء ينغص فرحتي، ويضاعف متاعبي، هو انتقادات والدة زوجي لطبخي، الذي قضيت يوماً كاملاً في المطبخ كي أعده لهم بطيب خاطر، في وقت كان زوجي فيه يتسامر مع أصدقائه في الخارج، غير مبال بتعبي".

"أسيرة المطبخ في العيد"

ترى أمينة، أم لطفلة في العقد الثالث من عمرها، موظفة حكومية، أن المرأة في عيد الأضحى تتحول إلى أسيرة داخل المطبخ، في حين يقضي الرجال وقتهم في التسامر والتجول والصلاة.

وتحكي أمينة أن التعب بالنسبة للمرأة في هذا اليوم يكون مضاعفاً، لأن أغلبهن يدخلن المطبخ بعد صلاة الفجر، ولا يخرجن منه إلا بعد صلاة العشاء، ليستأنفن العمل في اليوم التالي بعد تقطيع الأضحية، ما يخلق إرهاقاً جسدياً كبيراً بالنسبة للكثيرات، خاصة اللواتي يتحملن القيام بكل الأشغال بمفردهن، في غياب أي مساعدة، والوضع يكون أصعب في بيت العائلة الكبيرة أو "البيت الكبير"، مثلما يُطلق عليه في كثير من القرى الجزائرية، فالعمل فيه أضعاف مضاعفة.

"مجرد التفكير في الأطباق عبء كبير".

"حتى مجرد التفكير في الأطباق التي سيتم إعدادها في مثل هذا اليوم يشكل عبئاً علينا، لأننا مطالبات بالتنويع، فموائد الجزائريين تزخر في مثل هذه الأيام بعدة أطباق تقليدية توارثتها الأسر منذ زمن بعيد".

وتعدّد أمينة الأطباق التي تقوم بإعدادها يوم العيد، قائلة: "ومن بين ما يتم طهيهُ طبق البُوزلوف، حيث يتم شوي رأس الأضحية على النار بغاية تنظيفه من الصوف ثم يتم شفطه بالسكين، وتختلف تسمية هذه العملية من منطقة لأخرى فهناك من يُسميها بـالتزلاف و التشواط، ثم يتم طهيه في الماء الساخن، ويحضّر له مرق أحمر من توابل خاصة، كالفلفل الأسود والكمون والثوم، وهُناك أيضاً طبق العصبان الشهير، والذي يحضّر من أمعاء وأحشاء الأضحية، إذ يعتبر تنظيف أحشائها المرحلة الأصعب، لأنه يأخذ حيزاً كبيراً من الوقت، وأمعاء الشاة تحضّر بعدد من التوابل، ثم يتم تقطيعها قطعاً صغيرة، وتحشى مع الأرز في الكرشة التي تُخاط في نهاية المطاف".

"لا مكان لأحمر الشفاه والطلة الجميلة في العيد، فالمطبخ يحرم النساء من متعتهن بأمور كثيرة"

وتُؤكدُ أمينة أن أفراد عائلتها، وبالأخص زوجها، غالباً ما يتذمرون إذا ما غابت أحد هذه الأطباق عن طاولة العيد.

بحسرة كبيرةـ تقول أمينة: "حتى صلواتي المفروضة لا أُصليها في وقتها المحدد، لأن وقتي كله يضيع في جلي الصحون وتنظيف البيت والطهي، وأتحول في نهاية اليوم الأول للعيد إلى جثة هامدة".

"وفي اليوم الثاني، نقوم بنفس الأعمال، حيث يجتمع أفراد العائلة لشواء اللحم على الجمر، إذ يتم تقطيع اللحم إلى قطع صغيرة، وإضافة قطع من الشحم والبصل والفلفل الأخضر، وهناك من يضيف قطع من الطماطم، ثم توضع أسياخ خشبية أو حديدية، وتشوى هذه الأخيرة على الفحم"، تكمل كلامها، مبتسمة: "وهي من ألذ الأطباق التي يتفنن الرجال في طهيها".

وتنهي أمينة حديثها لرصيف22، قائلة: "المطبخ يحرم النساء من متعتهن بأمور كثيرة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard