"أيامنا كلها تشبه بعضها"... سوريات يشتقن لرائحة الحلوى في الأعياد

الخميس 30 يوليو 202004:16 م
"أصحو عند الساعة السادسة صباحاً، أُشعل البخور في وعاء معدني قديم، أبخّر البيت كله. في تلك الأثناء يكون زوجي قد استيقظ وجمع الأولاد، نجلس سوياً على الشرفة، نحتسي القهوة ونصغي لتكبيرات صلاة العيد تصلنا من الجامع القريب من بيتنا في اللاذقية... إنه طقس جميل لا يكلفنا الكثير، ويحمينا من فيروس كورونا أيضاً"، تقول السيدة فرات، أو أم خالد، عما فعلته عائلتها في عيد الفطر الماضي، وهذا ما تخطط له في أيام عيد الأضحى.

"رغم أن الأوضاع الاقتصادية والصحية حرمتنا فرحة العيد، نستطيع أن نعيشه بطريقتنا، تكبيرات العيد تصل إلى شرفتنا لتخبرنا أن القادم أفضل"، تقول أم خالد.

الأرز بالحليب حلوى العيد

تسمي أم خالد الأرز بالحليب بـ"حلوى العيد" هذا العام، سابقاً كانت أم خالد تصنع مختلف أنواع الحلويات السورية المعروفة، لكن نتيجة الأزمات الاقتصادية اكتفت هذا العام بصنف واحد، تقول لرصيف22: "لا يمكن أن يمر العيد دون حلوى للأطفال، خاصة أننا سنلتزم المنزل خوفاً من كورونا".

فيلم أو مسرحية للفنان دريد لحام، مسابقات العيد وبرامج تتحدث عن حياة الفنانين، هذا ما تتوقع أم خالد أن يعرضه التلفزيون السوري، تقول لرصيف22: "سنسلّي أنفسنا بها، الخروج أصبح مكلفاً. لم يعد بمقدورنا التخطيط لرحلات العيد بعد أن حاصرنا ارتفاع الأسعار وفيروس كورونا، لذلك سنلتزم المنزل ونشاهد التلفاز. أيضاً الاستماع إلى الأخبار طقس منزلي يومي، حتى في الأعياد".

"الناس هنا في الحسكة لا تفكر بالعيد بل في المياه، بعضهم يحفر الآبار للوصول إلى المياه المُرّة للتنظيف، كلٌّ حسب حظه، من الممكن أن تظهر المياه بعد 10 أمتار من الحَفر أو بعد 20 متراً أو حتى 40 متراً"

تعود أم خالد بذاكرتها إلى منزل عائلتها في حي الرمل الشمالي في مدينة اللاذقية، تتذكر بحنين جارف رائحة الحلوى التي كان الجيران يتشاركون في صنعها حتى الصباح، الأطفال وهم يحملون أطباق الحلوى إلى صاحب المخبز الذي لا يتردد بتذوق بعضها، وإعطاء رأيه بمهارة نساء الحي في صناعتها، وأيضاً بجودة مخبزه، الذي أخرجها ساخنة لتملأ رائحتها المكان.

"كرة قدم لابني"

في قرية الهنادي في ريف اللاذقية، ينتظر علي (11 عاماً)، قدوم عيد الأضحى ليحظى بالكرة التي يحلم بها منذ بداية الصيف، أما أم علي فتقول إنه ليس لدينا سوى خطة واحدة للعيد، هي "شراء كرة قدم لابني علي، وفّرت ثمنها من عملي".

"أيام العيد في قرية الهنادي لا تختلف عن الأيام العادية"، تقول أم علي لرصيف22، تفكر قليلاً لتعثر على ما يميز أيام العيد عن غيرها، فتعثر على سبب "تكبيرات الصلاة" التي تسمعها من الجامع القريب.

"عدا ذلك لا فرق عن بقية الأيام، بالنسبة لنا لا نستطيع الخروج لأن المواصلات تصبح نادرة إلى قريتنا في العيد، لذلك نلتزم المنزل، أما علي فمازال يحكي للأولاد عن سحر كرته التي سيلعبون بها في ساحة القرية خلال أيام العيد"، تنهي أم علي حديثها.

"سأنام في العيد"

تنتظر رهف كناني (23 عاماً)، قدوم عيد الأضحى بفارغ الصبر، لتحظى بساعات نوم إضافية، تقول لرصيف22: "سأنام طيلة أيام العيد، أسبوع من الراحة لا أحصل عليه سوى في إجازة العيد".

تعمل رهف في صالون تجميل نسائي من العاشرة صباحاً حتى الثامنة مساءً، كما أنها في عامها الأخير في الجامعة، وعليها أن تجهز مشروع تخرجها من كلية الفنون الجميلة في جامعة تشرين في اللاذقية، لذلك ترى أن أيام العيد بمثابة مكافأة لها.

تقول رهف، متنهدة في حديث لرصيف22: "لم يختلف شيء مع كورونا وبلا كورونا، غالباً أيام العيد نقضيها في البيت، ومن الممكن أن نخرج مساءً لرؤية الأصدقاء كأي يوم عادي".

كيف نقضي العيد بلا ماء؟

تعود السيدة آمال (49 عاماً)، إلى منزل عائلتها في الحسكة، وتقول إن أكثر ما تفتقده في العيد هو نصائح والدها، تقول لرصيف22: "أذكر كنا نجلس أنا وإخوتي السبعة في صبحية العيد مع والدي، الذي يحكي لنا القصص والأمثال الشعبية، أكثر حكمة أذكرها: لا تشرب من بير.. وترمي فيه حجر".

في حلب، عاشت آمال مع زوجها سعيد، الأعياد خلال الحرب، تقول إن العيد في حلب تغيّر خلال الحرب، "ولكن كنا نفرح رغم ذلك، حلب في العيد تبدو كأنها عروس فعلاً، لأن الأهالي يعيشون أجواء العيد، من التنظيف، الحمّام، صناعة الحلويات، شراء الألبسة والأحذية، زيارة القبور والزيارات العائلية".

الآن استقرت آمال وعائلتها في مدينة اللاذقية، تقول لرصيف22: "إخوتي سافروا إلى أوروبا، لم يبق سوى أنا في اللاذقية وأختي الصغرى التي تعاني انقطاع المياه في الحسكة. لا عيد في الحسكة هذا العام، كيف سيكون للعيد معنى دون مياه للتنظيف والحمّام وإعداد الطعام؟ أخبرتني أختي أن العيد بالنسبة لهم هو وصول المياه إلى منازلهم ولو مرة في الأسبوع".

"لم نشترِ ثياب العيد بسبب الغلاء، كما لا نفكر بالخروج خوفاً من كورونا، أما الحلويات فتوقفنا عن صناعتها أو شرائها إلا بكميات قليلة. ليس لدينا أقرباء هنا، معارفنا قليلة، سنقضي العيد مع الجيران، إنهم الأهل والأحباء"، هكذا يصف سعيد زوج آمال أيام العيد في اللاذقية.

وتتابع آمال حديثها: "الأضحية ثمنها مرتفع جداً، تقريباً 700 ألف ليرة سورية "350 دولار"، لا يمكنني أن أدفع ثمنها وحدي، لذلك قررنا أن نتشارك ثمنها أنا وإخوتي السبعة، ونوزعها على العائلات المحتاجة في المدينة، ونستذكر أمي وأبي وجميع من رحل في هذه الحرب".

"لا أحضان بعد كورونا"

نور موصلي (23 عاماً)، تسكن في حلب، بدأت حياتها الزوجية منذ فترة قريبة، تضحك ضحكة طويلة قائلة لرصيف22: "مازلنا في شهر العسل، الخروج بثيابنا الجديدة والاختلاط مع الناس. الزيارات العائلية هي أجمل ما نفعله في العيد، لكن فيروس كورونا وقف بيننا، لذلك اقتصر خروجنا على الأماكن المفتوحة. لا أحضان بعد كورونا، فقط نلتزم التباعد الاجتماعي".

تضيف نور: "خطّطنا أنا وزوجي لرحلة في ثاني وثالث أيام العيد إلى مدينة طرطوس الساحلية، لكن ارتفاع عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا، وإصابة والدة صديقتي هنا في حلب بالفيروس أخافني، لذلك ألغيت الرحلة. قررت البقاء في المنزل والتجول ربما مساءً مع زوجي داخل حلب فقط".

أما تقوى عبد اللطيف الغثيث، فلا ترى أي بوادر للاحتفال بالعيد، في مدينة الحسكة السورية التي تسكن بها، تقول لرصيف22:"لا يمكن أن نخطط لأي مشروع في العيد، أي حركة تحتاج إلى مياه. مياه للغسيل والتنظيف والحمّام وصناعة الحلوى".

"تصلنا المياه كل 20 يوم مرة واحدة، لا تكفينا ثلاثة أيام، بعدها نبدأ رحلة البحث عن باعة المياه الذين يكذبون علينا ولا يأتون، أما مياه الشرب فنشتريها ونحرص على كل قطرة".

تتذكر بحنين جارف رائحة الحلوى التي كان الجيران يتشاركون في صنعها حتى الصباح، الأطفال وهم يحملون أطباق الحلوى إلى صاحب المخبز الذي لا يتردد بتذوق بعضها، أما الآن فقد استبدلتها بالأرز بالحليب

تدرس تقوى في كلية الاقتصاد، تعيش مع أختها الموظفة، تقول لرصيف22: "الناس هنا لا تفكر بالعيد بل في المياه، بعضهم يحفر الآبار للوصول إلى المياه المُرّة للتنظيف، كلٌّ حسب حظه، من الممكن أن تظهر المياه بعد 10 أمتار من الحَفر أو بعد 20 متراً أو حتى 40 متراً".

أما عن أيامها برفقة أختها في عيد الأضحى، تقول تقوى: "أنا وأختي سنلتزم المنزل، نشاهد المسلسلات السورية القديمة على يوتيوب، أو نقوم بترتيب الثياب والحاجيات المتراكمة. أمي في السعودية وأبي توفي منذ عدة أعوام، الأقرباء غادروا سوريا. الأصدقاء يفضلون التواصل عبر الإنترنت بسبب جائحة كورونا، لذلك لا يوجد شيء نفعله في العيد".

"لا يوجد شيء نفعله في العيد".

وفي قلب حي البيادر الشعبي الدمشقي، تعيش السيدة إيمان مع زوجها وأولادها الثلاثة، تعلو ضحكة إيمان وجهها، تقول مبتسمة: "ننتظر قدوم العيد لأن مجرد قدومه يشعرنا بالسعادة، رغم الأوضاع الصحية التي فرضت علينا البقاء في المنزل، إلا أن الإنسان دائماً ما يخلق الفرحة لنفسه، اتفقنا أنا وجاراتي على الجلوس على شرفات منازلنا، الاستمتاع بالشيشة والتواصل مع بعضنا عن طريق واتساب".

"شرفاتنا قريبة من بعضها، يمكننا تجاذب أطراف الحديث وتبادل أطباق الحلويات والفواكه، صحيح كورونا فرض علينا التباعد الاجتماعي وإجراءات التعقيم، لكن القلوب عند بعضها، أما أولادي لهم حياتهم، فيخرجون لرؤية الأصدقاء".

تتنهد إيمان، منهية حديثها لرصيف22: "بالنسبة لي العيد أن تبقى عائلتي بخير".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard