وُصفت زيارته إلى ليبيا بـ"مهمة دموية سرية"... لماذا يستمر برنار هنري ليفي بإثارة القلق؟

الاثنين 27 يوليو 202008:53 م

في 25 تموز/يوليو، هبطت طائرة خاصة على متنها الفيلسوف والصحافي والكاتب الفرنسي برنارد هنري ليفي في مطار مدينة مصراتة الليبية، في زيارة تحدثت عنها وسائل إعلام جزائرية قبل حدوثها بعدة أيام، مشيرة إلى أنه في "مهمة دموية سرية" في ليبيا.

كان ليفي الذي يُطلق عليه في فرنسا "BHL" من بين أكثر الشخصيات المقتنعة بضرورة التدخل الفرنسي في ليبيا عام 2011، والتي ساهمت في الإطاحة بالعقيد الراحل معمر القذافي.

وبحسب صحيفة "لو باريسيان" الفرنسية، كان من المقرر أن يلتقي ليفي بالعديد من المسؤولين في مصراتة قبل زيارة ترهونة لإنجاز تحقيق صحافي حول المقابر الجماعية المكتشفة في المدينة، والمتهمة بارتكابها قوات الجنرال خليفة حفتر خلال هجومه على طرابلس.

وقالت الصحيفة إن ليفي كان من المقرر أن يلتقي وزير الداخلية في حكومة الوفاق التي تسيطر على طرابلس فتحي باشاغا، لكن الأخير نفى علمه بالزيارة على الرغم أن الفيلسوف الفرنسي كان تحت حماية قوة خاصة تتبع لباشاغا مباشرة.

وتعرضت زيارة ليفي لانتقادات كثيرة من قبل جزء كبير من الرأي العام في ليبيا، مدفوعة أيضاً باتهامات من حكومة الوفاق الوطني لفرنسا بأنها دعمت هجوم حفتر ضد طرابلس.

وزعمت جماعات موالية لحكومة الوفاق الوطني أنها منعت موكب ليفي من دخول ترهونة، لكنه عاد ونشر على حسابه عبر تويتر صورة له وهو محاط بعشرات من المسلحين بالزي العسكري أثناء زيارته إحدى المقابر الجماعية التي تم العثور عليها في المدينة.

ووصف ليفي في تغريدة المسلحين الذين كانوا برفقته بـ"الشرطة الليبية الحقيقية التي تحمي الصحافة الحرة".

وقال ليفي، في تعليقه على زيارة إحدى المقابر الجماعية: "اليوم 25 تموز/يوليو كنت في ترهونة... هنا تم العثور على 47 جثة، بينهم أطفال، أيديهم مشدودة في الظهر... قُتلوا من وكلاء حفتر المحترفين، أعبر عن حزني وغضبي وتضامني مع ترهونة".

وأشار ليفي، في تصريح مقتضب لقناة "الأحرار" التلفزيونية الليبية الموالية لحكومة الوفاق الوطني، إلى أنه يزور ليبيا بصفته "صحافياً" من أجل إعداد تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية حول المقابر الجماعية في ترهونة.

من جهته، أكد مكتب فايز السراج، رئيس حكومة "الوفاق"، أن "لا علاقة له بزيارة ليفي"، معلناً في بيان أنه أمر "بالتحقيق في خلفية هذه الزيارة لمعرفة كافة الحقائق والتفاصيل المحيطة بها". ووعد مكتب السراج بـ"اتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحق كل من يُدان بالتورط مشاركاً أو متواطئاً" في تنظيم هذه الزيارة.

تاريخ مقلق

وُلد ليفي في 5 تموز/ يوليو عام 1948 لعائلة يهودية سفردية في الجزائر، أثناء الاحتلال الفرنسي، وتقول بعض المصادر إنه قضى طفولته بين المغرب وفرنسا، حيث استقرت عائلته أخيراً عام 1954.

يوصف بأنه مفكر وفيلسوف وصحافي ومخرج، لكن الأهم أن هذه الصفات اجتمعت مع صفة أخرى ساعدته على مدار حياته وهو أنه "رجل ثري".

كان والده رجلاً ثرياً وصاحب شركة أخشاب، ورثها ليفي عام 1995 وباعها في عام 1997، بينما قدرت ثروته عام 2004 بـ150 مليون يورو، ويملك ثماني شركات، بالإضافة إلى استثمارات كبيرة في البورصة.

بحسب المفكر الفرنسي آلان غريش، فإن ليفي شخصية ذات علاقات قوية في صناعة الإعلام والصحافة في باريس والعالم الغربي، وله روابط مع صناع السياسة في فرنسا، حتى أنه كان قادراً على دفع رؤساء إلى تبني الخيارات العسكرية مثلما حدث عام 2011.

ويشير غريش، في حديثه لرصيف22، إلى أن ليفي كان من الداعمين لسياسات الصين ثم تحول في السبعينيات إلى ترويج الدعاية التي تستهدف الاتحاد السوفيتي وبات من أكبر الداعمين لإسرائيل والمدافعين عنها في أوروبا.

بدأ ليفي في جذب الأنظار بسبب رحلاته الكثيرة إلى أجزاء مختلفة في العالم والكتابة عنها، وكانت أول رحلة له وهو لا يزال طالباً إلى المكسيك، لينتج أول تقرير له بعنوان "المكسيك: تأميم الإمبريالية"، في صحيفة "Les Temps Modernes".

كما سافر، عام 1971، لتغطية الصراع بين الهند وباكستان، وغطى استقلال بنغلادش عن إسلام آباد، ثم سافر إلى دول البلقان حيث غطى حرب استقلال كوسوفو والبوسنة الهرسك، وتدخل حلف شمال الأطلسي في مواجهة صربيا.

وفي المنطقة، ظهر ليفي في دارفور عام 2007 عندما زار معسكرات المتمردين السودانيين بحجة القيام بأعمال صحافية حول المجازر التي ارتكبها نظام الرئيس السابق عمر البشير، ضمن حملة إعلامية كان عنوانها "مجازر رواندا لن تتكرر".

في 25 تموز/يوليو، هبطت طائرة خاصة على متنها الفيلسوف والصحافي والكاتب الفرنسي برنارد هنري ليفي في مطار مصراتة الليبية، في زيارة وصفتها وسائل إعلام بـ"مهمة دموية سرية"... مرة أخرى يثير تواجد ليفي في المنطقة جدلاً حول ما هو أبعد من كتابته لتقرير صحافي

وكان ليفي يروّج في السودان لضرورة اعتقال البشير وتسليمه إلى محكمة العدل الدولية، كما دَعَم استقلال المسيحيين عبر استفتاء لتقرير المصير في جنوب السودان.

وطالب بدعم قائد التمرد في دارفور عبد الواحد النور، لأنه "يمثل نموذجاً للإسلام المستنير في مواجهة النظام الإسلامي المتطرف في العاصمة الخرطوم بقيادة البشير"، على حد وصفه.

ظهر كذلك في مجموعة صور وسط المتظاهرين المصريين في ميدان التحرير، خلال ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، كما اجتمع بقيادة من جماعة الإخوان المسلمين مثل سعد الحسيني.

وفي 15 شباط/فبراير من ذلك العام، كتب ليفي مقالاً في موقع "هافنغتون بوست" حذر فيه أن أتباع ثورة 23 تموز/يوليو 1952 التي قادها الجيش لعزل الملك فاروق يمثلون خطراً على الثورة الجديدة.

وعبر ليفي عن مخاوفه من مشروع الإخوان المسلمين، متسائلاً عما إذا كانوا على علاقة بحركة حماس الفلسطينية، وهل تخلوا عن فكرة تطبيق الشريعة الإسلامية، كما ناقش تأثرهم بأفكار القيادي الإخوان الراحل سيد قطب.

الظهور الأبرز لليفي كان في ليبيا، حيث استغل صداقته بالرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي لإقناع الأخير بضرورة تدخل باريس في ليبيا لإسقاط القذافي.

وتنسب صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية الفضل لليفي في دفع الولايات المتحدة بعد فرنسا لدعم المعارضة عسكرياً في ليبيا، بل تصف الفيلسوف الفرنسي بأنه كان أشبه بضابط اتصال بين المسلحين وباريس.

تعرضت سمعة برنارد ليفي لانتكاسة عام 2014، حين تم طرده من تونس على خلفية خروج تظاهرات تنادي بذلك، بعد وصوله بساعات في زيارة للبلاد بالتزامن مع انتخابات برلمانية ورئاسية.

مهمة ليفي الأخيرة في ليبيا

غالباً ما كانت رحلات ليفي إلى الخارج تأتي بتفويض من الرؤساء الفرنسيين. حين زار أفغانستان عام 2002، على سبيل المثال، قام بذلك كـمبعوث شخصي من جاك شيراك.

"المهمة فشلت تماماً، لكن علاقاته مع وسائل الإعلام الفرنسية سوف تسمح له بسرد مغامراته الجديدة في مواجهة قطاع الطرق الذين قابلوه قبيل ترهونة ويصفهم بأعداء الحرية"... نقاش حول أبعاد زيارة ليفي الأخيرة إلى ليبيا

كذلك وصفت صحيفة "الغارديان" البريطانية مهمة ليفي في ليبيا بأنها كانت أشبه بوزير الخارجية الفرنسي الثاني (B)، وهذا ما أغضب وزير الخارجية آنذاك آلان جوبيه الذي اعتبر ذلك تدخلاً في صلاحيات منصبه.

اللافت أن رحلة ليفي الأخيرة إلى ليبيا جاءت بعد أيام من إعلان مراكز أبحاث فرنسية عن قلقها من فشل الدبلوماسية الفرنسية وانهيارها.

وغرّد الباحث في معهد "كليندال" في لاهاي جلال حرشاوي أن باريس تسعى إلى الاقتراب من حكومة الوفاق الوطني في مواجهة تركيا، مشيراً إلى أن فرنسا لا تزال قريبة للغاية من الإمارات، الخصم اللدود لطرابلس، لذا تريد فرنسا أن تقوم بأي وهم يساعدها على اكتساب صورة المحايد ومحو دعمها لحفتر.

ويقول غريش في هذا السياق، إن"فرنسا تحاول فعلاً تغيير سياستها تجاه حكومة الوفاق بعد هزيمة حفتر والذي يبدو أنه لا يمتلك مستقبلاً"، مشيراً إلى اعتقاده أن زيارة ليفي بمثابة محاولة من باريس لفتح قنوات اتصال مع حكومة الوفاق، لكن "ذلك سيكون صعباً للغاية لأنها فقدت مصداقيتها، خصوصاً أن فرنسا لا تزال متحالفة مع الإمارات وتهاجم تركيا بشراسة".

ولفت غريش إلى أن علاقة ليفي بالرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماركون تشبه علاقته بساركوزي.

من جانبه، قال الدبلوماسي الفرنسي السابق في ليبيا باتريك هيمزاده إن ليفي كان في مهمة محورها "استعادة صورة فرنسا في غرب ليبيا بعد دعمها للمارشال حفتر"، لافتاً إلى أن ليفي أخبر بعض محاوريه أنه جاء لخدمة مساعي حميدة لصديقه ماكرون.

وأشار إلى أن هذه المهمة فشلت تماماً، لكن علاقاته مع وسائل الإعلام الفرنسية سوف تسمح له بسرد مغامراته الجديدة في مواجهة "قطاع الطرق" الذين قابلوه قبيل ترهونة وسوف يصفهم بـ"أعداء الحرية والديمقراطية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard