“النكافات تمثّلن التراث ومهددات بالسجن“... عن مهنة مرافقات العروس في المغرب

الاثنين 27 يوليو 202005:17 م
لا شك أن تداعيات كوفيد-19، أثرت سلباً على المغاربة الذين ينتمون إلى طبقة اقتصادية هشة، لقد أثرت هذه الأزمة على إمكانياتهم المادية بسبب توقفهم عن العمل أكثر من ثلاثة أشهر.

ومن بين هؤلاء المغاربة المتضررين، حفصة، سيدة خمسينية، تشتغل في قطاع الأفراح، هذا القطاع الذي تصر السلطات على منعه اتقاء لتفشي الفيروس.

السجن أو الإفلاس

لم تتخيل حفصة، التي تشتغل في القطاع المذكور لأكثر من عشر سنوات، يوماً أن تمنع السلطات تنظيم الأعراس، تعبر لرصيف22 عن حسرتها قائلة: "إن الحياة لا ضمانات فيها، فمستحيل أن يصدق أي شخص أن تنظيم عرس يؤدي إلى السجن"، تضيف مسترسلة: "أعمل نكافة لسنوات، ما أكسبني خبرة وسمعة طيبة في مدينة الدار البيضاء".

"وجدت نفسي عاطلة عن العمل من دون سابق إنذار، بسبب الغزو المفاجئ لفيروس كورونا، بات تنظيم عرس جنحة تعاقب عليها السلطات"، تقول حفصة.

"لكن ما الحل؟"، تتساءل حفصة التي تعاني من خسائر هامة طيلة فترة الحجر الصحي، وذلك بسبب تراكم الفواتير الخاصة بالكهرباء، الماء، الإيجار وغيرها من المصاريف الضرورية.

تقول حفصة، ذات القامة الطويلة والصوت الجهوري، إن حرفتها تعد أساسية في أي عرس مغربي، وتقتصر على مساعدة العرائس بارتداء فساتين مغربية تقليدية وترديد الزفة المغربية، وسط حشد نسائي يرافق العروس طيلة العرس، حيث يرددن عبارات "التعشاق" أو "الصلاة على النبي"، وهي كالتالي: "الصلاة والسلام على الرسول... لاجاه إلا جاه سيدنا محمد... الله معنا الجاه العلي".

بعد ذلك تتوجه النكافة، برفقة حشدها النسائي واللواتي يعملن معها، إلى غرفة العروس فيلبسنها اللباس الأول، وبعدها تظهر العروس محمولة داخل ما يسمى بـ"العمارية" أو "الميدا" من طرف مجموعة شبان يطوفون بها، وسط زغاريد الحضور وتصفيقهم، دون أن ننسى الموسيقى الشعبية التي تناسب اللباس الذي ترتديه العروس، قبل أن توضع في المكان المعد لجلوسها.

وبعد أن تجلس العروس في مكانها الخاص، تقودها النكافة إلى غرفتها وتلبسها اللباس الثاني، ثم تظهر مرة أخرى بزي تقليدي آخر.

وقد يصل عدد الفساتين التي يمكن أن تلبسها العروس خلال حفلة زفافها إلى ستة فساتين تقليدية مغربية، مثل ما يسمى بالقفاطين والتكاشط.

قاعات الأفراح فارغة

لكن كل هذه الطقوس لم تعد موجودة، وباتت قاعات الأفراح فارغة ومظلمة، أمام حزن "النكافات" والموسيقين والممونيين أيضاً، تقول حفصة: "بعد سنوات من العمل المضني، اكتشفت أنني أعمل في مهنة غير مهيكلة من دون أية حماية"، تستطرد غاضبة: "لا قانون يحمينا ولا دعم يساعدنا، ولا حتى التفاتة من طرف المسؤولين".

تضيف حفصة بنبرتها الحادة والغاضبة، داخل محلها الذي يتواجد في حي الأزهر الشعبي في الدار البيضاء: "نحن نمثل التراث المغربي، نحرص على إحياء الطقوس التقليدية، نرافق العروس في ليلة عمرها، لكن ماذا بعد ذلك؟ لا شيء سوى التخبط لوحدك وسط مشاكل مادية لا تنتهي".

"إن الحياة لا ضمانات فيها، فمستحيل أن يصدق أي شخص أن تنظيم عرس يؤدي إلى السجن"

يرافق حفصة حشد نسائي يتكون من أربع نساء، يعملن برفقتها منذ أكثر من خمس سنوات، الأزمة أرخت بظلالها عليهن أيضاً.

تقول سعاد، في الأربعينات من عمرها، لرصيف22، إنها تملك محلاً للحلاقة والتجميل، يعاني بدروه من خسائر هامة جراء تداعيات الحجر الصحي. وتضيف سعاد أنها المعيل الوحيد لستة أشقاء، أربع شابات وشابين، بالإضافة لوالدتها.

وجدت سعاد نفسها مسؤولة عن المنزل بعد وفاة والدها، في ذلك الوقت كانت تبلغ 25 سنة، كانت لا تزال خريجة مدرسة الحلاقة في الدار البيضاء. بعد ذلك عمدت إلى تحويل مرآب منزل أسرتها إلى صالون، وبعد خطوة وأخرى اكتسبت خبرة في مجالها، إلا أن المدخول المادي ضعيف أمام مصاريف الحياة التي تزداد يوماً بعد يوم، لاسيما وأنها المعيل الوحيد لأسرتها.

شاءت الأقدار أن تتعرف سعاد على حفصة، لتصبح إحدى مرافقاتها، لكن كورونا أحدث فوضى في حياة سعاد، فأمست من دون مدخول، فضلاً عن تراكم فواتير تستوجب التسديد.

تقول سعاد لرصيف22، وعلامة الشحوب بادية على سحنتها، إن والدتها مريضة سكر، وشقيقها مصاب بالسرطان، وشقيقتها طالبة جامعية، والأخرى لا تزال تلميذة، أما الآخرون فيعانون من البطالة.

أما خديجة، فهي شابة ثلاثينية، مطلقة وأم لطفل، مباشرة بعد الطلاق، فرّ والد طفلها نحو وجهة غير معلومة، تملّص من نفقة طفله ذي الأربع سنوات، لتجد نفسها مسؤولة عن طفلها لوحدها، مصاريف مدرسته ولباسه وطعامه وجميع متطلباته، لوحدها من دون أي دعم. تقول إنها تسهر الليلة بطوله رفقة حفصة من أجل كسب بعض المال.

"لولا لطف الله، لخرجت للتسول".

تقول خديجة بحسرة لرصيف22، إنها لا تستطيع المكوث في منزلها المؤجر أصلاً. تضيف وهي تقاوم دموعها بكبرياء، أنها تظل جالسة لساعات داخل محل حفصة، تبرر ذلك بكونها لا تستطيع الجلوس في المنزل، فمالكه يطلب منها تسديد واجبات الكراء، لكنه لا تملك المال لتمنحه إياه. تقول: "لولا لطف الله، لخرجت للتسول".

يقول مصطفى الجوهري، رئيس الجمعية الوطنية لحرفيي مهن الحلاقة والتجميل، في حديث لرصيف22، إن النسوة اللواتي يشتغلن في مجال تزيين وتجميل العرائس يعانين بصمت، في الوقت الذي تكبدن فيه خسائر مادية هامة من دون التوصل لأي دعم من طرف أي جهة.

وأضاف الجوهري: "بعضهن أصبحن مطالبات باسترجاع "التسبيق"، وهو المبلغ المالي الذي تدفعه العروس لحجز موعد تزيينها، هؤلاء النسوة أصبحن عاطلات عن العمل، أمام المنع المستمر لتنظيم الأعراس من طرف السلطات".

تفتقد "النكافات" إلى نقابة أو هيئة ممثلة لهن، بحسب ما صرحت به حفصة. تقول: "لا أحد يمثلنا ويسلط الضوء على معاناتنا"، تستطرد: "متأكدة أن المسؤولين واعون بمشاكلنا، يعلمون جيداً أننا مسؤولات عن أسر وأبناء وأشقاء... لكن من يهتم".

"حزينة جداً على نفسي، صعب جداً أن تجد نفسك من دون عمل، والأهم بدون حماية أو دعم، كل تلك السنوات التي اشتغلت فيها لم أحقق فيها شيئاً يذكر".

"نحن نمثل التراث المغربي، نحرص على إحياء الطقوس التقليدية، نرافق العروس في ليلة عمرها، لكن ماذا بعد ذلك؟ لا شيء سوى التخبط لوحدك وسط مشاكل مادية لا تنتهي"

تدعو حفصة السلطات للسماح لها باستئناف نشاطها، تقول إنها تعي جيداً مخاطر الفيروس، لكن من الممكن استئناف العمل وفق التدابير الاحترازية التي تنص عليها السلطات، من تعقيم وكمامات وتباعد اجتماعي".

ومنذ أن أعلنت الحكومة المغربية المرور إلى المرحلة الثالثة من "مخطط تخفيف الحجر الصحي" عند منتصف الليل، قبل أيام، أبقت على جميع القيود الاحترازية الأخرى التي تم إقرارها سابقاً في حالة الطوارئ الصحية، ومن بينها منع الأفراح، وأعلن حرفيو قطاع الأفراح في المغرب تنظيم وقفة احتجاجية للتعبير عن معاناتهم.

تنهي حفصة حديثها قائلة: "استأنفوا أنشطة أخرى مثل المقاهي والمطاعم والشواطئ والفنادق، لكن يبدو أن كورونا تنشط فقط في الأعراس، لا أعرف كيف سأعيش بعد انقطاع عن مورد رزقي الوحيد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard