"امتدادٌ طبيعي واستراتيجي" بين تونس والقارة الإفريقية... فلماذا القطيعة؟

الخميس 30 يوليو 202012:17 م

"إفريقيا هي مستقبل التنمية"، كان هذا ما قاله رئيس الحكومة (المستقيل) في تونس الياس الفخفاخ، يوم 8 أيلول/ سبتمبر 2019، أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية، مؤكداً أثناء مناظرة تلفزيونية جمعت المرشّحين لرئاسة الجمهورية وجوبَ ارتكاز استراتيجية التنمية المستقبلية في تونس على التوجه نحو القارة الإفريقية، خاصة وأن الدول الإفريقية تنظر إلى تونس بكثير من التقدير والاحترام.

وقتها، شدّد الفخفاخ على ضرورة تعزيز هذه الصورة، مقترحاً فتح "دار إفريقيا" في تونس، لتدعيم أواصر الصداقة مع الدول الإفريقية في إطار تغيير استراتيجي وتركيز دبلوماسية اقتصادية نشطة، وفق وصفه.

لم يكن الفخفاخ وحده من وَعَد في موسم الانتخابات بالتركيز على العمق الإفريقي، إذ اتخذ أغلب المرشحين الأخير كتوجه انتخابي، حيث قال مرشّح حركة "النهضة" الرئاسية عبد الفتاح مورو إنه سيسعى في حال انتخابه رئيساً للجمهورية لأن تكون تونس "مستشفى إفريقيا وجامعتها ومصنعها"، متعهداً كذلك بأن تكون تونس "همزة الوصل بين إفريقيا والعالم".

بدوره، أكد حينها الوزير السابق والمرشّح للانتخابات الرئاسية ناجي جلول أنه في حال الفوز في الانتخابات الرئاسية فإنه "سيسكن في إفريقيا وسيزور كل شهر دولة إفريقية ويفتح 30 سفارة هناك".

مرّت أكثر من 8 أشهر على تنصيب قيس سعيّد رئيساً للجمهورية التونسية، وانطلاق مجلس نواب الشعب في دورته الأولى، وخمسة أشهر انقضت على عمل حكومة الفخفاخ، إلا أن وعود التوجه نحو القارة الإفريقية بقيت حبراً على ورق، حتى أن البرلمان فشل في المصادقة على مشروع قدّمته الحكومة يتعلّق باتفاق تأسيس منطقة التجارة الحرة الإفريقية.

"ضرورة وليس خياراً"

تُجمِع مختلف الأطراف السياسية في البلاد على أن التوجه نحو القارة الإفريقية والاستثمار فيها هما ضرورة لتونس وليستا خياراً، تحديداً في ظلّ التنامي الديمغرافي الكبير هناك والتطوّر الاقتصادي الذي تشهده القارة.

بحسب ما يقول رئيس لجنة الفلاحة في مجلس نواب الشعب والقيادي في "النهضة" معز الحاج رحومة لرصيف22، فإن العمق الإفريقي هو أحد الحلول الأساسية لمستقبل تونس الاقتصادي، والذي يمكن أن يفتح أبواب جديدة تُخرج تونس من الحصار الذي فرضته على نفسها بتعاملها مع شريك واحد هو الاتحاد الأوروبي. 

ويشدّد الحاج رحومة على ضرورة الالتفات إلى العمق الإفريقي، وما يُمثّله من مستقبل واعد في المجال الاقتصادي، بنظرة استراتيجية جديدة، مُبيّناً أن مختلف مستويات الحكم من رئاسة وحكومة وبرلمان لا تزال في مربّع الخطوات الأولى، بينما يتطلّب الأمر جرأةً وإرادةً حقيقية بين الكتل النيابية والأحزاب السياسية لتفعيل هذه الخيارات الاستراتيجية.

يُشدّد الحاج رحومة كلامه بالإشارة إلى أن تونس يمكن أن تكون البوابة بين الشمال والجنوب، وبين آسيا والعمق الإفريقي.

من جانبه، يعتبر الخبير الاقتصادي والناطق الرسمي لحزب "قلب تونس" (معارضة) الصادق جبنون، في حديثه لرصيف22، بأن تونس عضو في منظمة الاتحاد الإفريقي وفي منظمة "السين صاد" ودول الساحل والصحراء وفي منظمات إفريقية أخرى، لكن يجب تدعيم ذلك على الصعيد الاقتصادي وعلى صعيد حضور الدبلوماسية الاقتصادية التونسية هناك.

وفق جبنون، يقتضي ذلك تفعيل الترابط عبر الخطوط الجوية مع القارة الإفريقية، إضافة إلى المصادقة السريعة على الاتفاقيات التجارية واتفاقيات منع الازدواج الضريبي وضرورة الإحاطة بالمستثمرين والصناعيين التونسيين الذين يريدون التصدير للقارة الإفريقية.

"العمق الإفريقي هو أحد الحلول الأساسية لمستقبل تونس الاقتصادي، والذي يمكن أن يفتح أبواب جديدة تُخرج تونس من الحصار الذي فرضته على نفسها بتعاملها مع شريك واحد هو الاتحاد الأوروبي"... تتفق الأطراف التونسية على ضرورة التوجه لإفريقيا، لكن ما المعوقات السياسية والاقتصادية؟

إضافة إلى ما سبق، يُشدد الخبير الاقتصادي على ضرورة دعوة الهياكل المختصة ومختلف الغرف التجارية، بالتنسيق مع المصارف التونسية، إلى التوجه إلى القارة الإفريقية مباشرة أو عبر إبرام اتفاق خاص مع البنوك الإفريقية حتى يكون لتونس حضورُ مقبول في القارة الإفريقية.

وبينما يشير جبنون إلى أن أزمة كورونا تفرض على الدولة التوجه نحو القارة الإفريقية، نظراً للتغير الجذري الذي يقع الآن في التموضع الاقتصادي على الصعيد الدولي، يعتبر أن المجال الطبيعي والاستراتيجي لتونس هو المجال المتوسطي والقارة الإفريقية التي باتت تتداعى إليها كل القوى الاقتصادية في العالم.

بدوره، يوافق الخبير الاقتصادي ووزير التجارة السابق محسن حسن على ضرورة هذا التوجه. ويقول في حديث لرصيف22: "توجه تونس نحو إفريقيا ليس خياراً وإنما توجهٌ استراتيجي تفرضه الضرورة والواقع، خاصةً أن إفريقيا هي مستقبل العالم، لما فيها من مجتمع شاب وأسواق واعدة ونسب نمو هي الأرفع في العالم".

يُذكّر حسن أنه ومنذ الستينيات والسبعينيات بادرت تونس إلى الاتجاه نحو القارة الإفريقية، وكان هناك تعاونٌ سياسي وثقافي واقتصادي مهم في ظل وجود مصارف تونسية هناك ودبلوماسية نشطة وتعاون في التعليم والصحة وعديد القطاعات، لكن الحضور التونسي تراجع في إفريقيا خلال العشريتين الأخيرتين لصالح دول أخرى.

ويرى الوزير السابق أن التوجه لإفريقيا هو توجه استراتيجي تفرضه عوامل عدة، من أهمها ضيق السوق التونسية، والسعي إلى فتح أسواق جديدة للتصدير والاستثمار في الخارج وإيجاد موطئ قدم للمؤسسات التونسية.

"يجب أن تدفع التغييرات العالمية تونس إلى تنويع قاعدة شركائها وإلى البحث عن أسواق جديدة، لا سيما في ظل تعرض الاتحاد الأوروبي لأزمات متتالية، فضلاً عن فرضه لشروط مجحفة على السلع التونسية".

يوضح حسن كذلك أن أكثر من 70 في المئة من معاملات تونس الخارجية هي مع الاتحاد الأوروبي (80 في المئة منها مع 4 دول فقط)، شارحاً أنه رغم مكامن السوق الأوروبية والإمكانية الكبرى التي تقدمها، يجب أن تدفع التغييرات العالمية تونس إلى تنويع قاعدة شركائها وإلى البحث عن أسواق جديدة، لا سيما في ظل تعرض الاتحاد الأوروبي لأزمات متتالية، فضلاً عن فرضه لشروط مجحفة على السلع التونسية.

التقاء حضاري وتاريخي

تونس التي اتخذت إفريقيا من اسمها القديم اسماً لها (إفريقية) تقع في أقصى شمال القارة، بل إن أعلى نقطة في خريطة إفريقيا توجد في محافظة بنزرت التونسية، وتُسمّى "رأس إنجله" والتي يقابلها "رأس أقولاس" الموجود في دولة جنوب إفريقيا ويُعتبر أدنى نقطة في القارة الإفريقية.

وبين التقاء التاريخ والجغرافيا وتأثيرهما في العلاقة بين تونس ومحيطها الإفريقي، كانت تونس عضواً مؤسساً في منظمة الوحدة الإفريقية في 25 أيار/ مايو عام 1963 والتي تحولت إلى منظمة الاتحاد الإفريقي في 9 تموز/ يوليو عام 2002.

وخاضت تونس خلال القرن الماضي نضالاً مشتركاً مع البلدان والشعوب الإفريقية ضد الاستعمار والتمييز العنصري، وقدمت مساعدات ثابتة وفعالة لحركات التحرير في القارة، خاصة عندما كانت عضواً في مجلس الأمن بين عامي 1959 و1961.

كما دعمت تونس وجودها السياسي والثقافي والرياضي في القارة، وساهمت في عمليات حفظ السلام تحت راية الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في البلدان والمناطق التي شهدت نزاعات مسلحة وتوترات على غرار الكونغو الديمقراطية والصومال وجمهورية جنوب إفريقيا ورواندا وغيرها من الدول.

ومنذ تموز/ يوليو عام 1960، بادرت تونس إلى إرسال فيلق قوامه 2261 عسكرياً، تحت راية الأمم المتحدة لحفظ السلام في الكونغو الديمقراطية لحماية المطار ومقر البرلمان ومؤسسات حكومية أخرى.

عراقيل جمّة

تُجمع كل الأطراف في تونس أن التعاون الاقتصادي مع دول إفريقيا ضعيف جداً ودون المأمول، حيث أن التبادل التجاري لم يتعدَّ الـ1.24 مليار دولار عام 2018 ، حسب المنتدى الاقتصادي الإفريقي الذي يُظهر أن أغلب المعاملات التجارية لتونس هي مع ليبيا والجزائر.

كما أن السوق المغاربية هي أقل الأسواق ديناميكية بين دول متجاورة في العالم، حيث أن التجارة بين بلدان شمال إفريقيا لا تُمثل سوى 4.8 في المئة من مجموع صادرات هذه الدول، وذلك بحسب ما ورد في تقرير اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة حول النقل الدولي وتسهيل التجارة الصادر عام 2015.

ورغم التطور في التبادل التجاري في السنوات الأخيرة وتنامي عدد المسافرين نحو إفريقيا من 70 ألف مسافر عام 2008 إلى 180 ألف مسافر عام 2018، إلا أن هذه النسبة بقيت ضعيفة خاصة وأنها تُمثّل 5 في المئة من الحركة على الخطوط التونسية (الناقل الرسمي في تونس).

"العديد من الصعاب تحول دون التوجّه إلى إفريقيا، مثل ضعف النقل الجوي وانعدام النقل البحري حيث لا يمكن ربط تونس بالعواصم الإفريقية دون وجود خطوط جوية وبحرية، وهذا خطأ استراتيجي لأنه لا يمكن اقتحام أسواق جديدة وواعدة دون ناقلة وطنية قوية ودون موانئ تجارية عميقة"

كما أن التمثيل التونسي في القارة الإفريقية لا يزال ضعيفاً، ولا يغطي حتى ربع القارة حيث توجد 12 سفارة تونسية في إفريقيا بما في ذلك سفارات في دول المغرب العربي ومصر والسودان، بينما يوجد ضعف هذا العدد من السفارات المغربية في القارة الإفريقية حتى أن تركيا فتحت 29 سفارة في إفريقيا في ظرف خمس سنوات، بعد عام 2011، وشهدت صادراتها نحو القارة ارتفاعاً بلغ 12 مليار دولار عام 2011 بعدما كانت في حدود ملياري دولار فقط عام 2003، وبلغت قيمة الصادرات المغربية خلال الفترة نفسها سبعة مليارات دولار، فيما لم تتجاوز قيمة الصادرات التونسية 0.4 مليار دولار فقط.

وفي هذا السياق، يقول حسن إن "هنالك العديد من الصعاب تحول دون التوجّه إلى إفريقيا، مثل ضعف النقل الجوي وانعدام النقل البحري حيث لا يمكن ربط تونس بالعواصم الإفريقية دون وجود خطوط جوية وبحرية، وهذا خطأ استراتيجي لأنه لا يمكن اقتحام أسواق جديدة وواعدة دون ناقلة وطنية قوية ودون موانئ تجارية عميقة".

يضيف حسن مشدداً على أهمية حل مسألة تمويل الصادرات التونسية إلى إفريقيا، لأن "المصارف التونسية لم تعد موجودة هناك وكذلك من الضروري تأمين الصادرات التونسية، لأن بعض الدول الإفريقية لا تزال تعاني من مخاطر عالية، والمستثمر في حال لم يجد تشجيعاً من الدولة من خلال تطوير منظومة تأمين الصادرات، فإنه لن يخاطر بذلك".

يوضح حسن أن مكانة تونس الإفريقية تراجعت، كما تقلص عدد الطلاب الأفارقة فيها، وتراجع الحضور التونسي الثقافي في إفريقيا، فضلاً عن قصور المؤسسة التونسية في اكتساح الأسواق الجديدة وضعف قدرتها التنافسية أمام المنافسة الصينية والتركية والمغربية.

يُضاف لما سبق، حسب حسن، ضعف الحضور الدبلوماسي التونسي في إفريقيا، ما يقتضي تجاوز الطرق التقليدية على غرار بعث مكتب القنصل الاقتصادي، والذي يمثّل كل المصالح الاقتصادية التونسية مثل السياحة والتجارة والاستثمار وأن يكون في علاقة تعاقدية مع الدولة التونسية من أجل أهداف معينة ويحاسب عما حققه.

في النهاية، يدعو الوزير السابق الأطراف السياسية في البلاد إلى الترفّع عن التجاذبات السياسية، وإيلاء العلاقات التونسية الإفريقية أولوية خاصة في ظلّ الأزمات المتتالية التي يشهدها الاقتصاد التونسي، على اعتبار أن ما يحدث في المشهد السياسي ساهم بشكل جلّي في تعطيل التوجه التونسي الاقتصادي نحو إفريقيا.

تأثير التجاذبات السياسية

يتفق الجميع في تونس، سلطةً ومعارضةً، أن التجاذبات السياسية في تونس وعدم تجانس أطراف الحكم وتذبذب السياسة الخارجية وبروز أزمة كورونا ساهمت بشكل جلّي في تعطّل توجيه البوصلة نحو القارة الإفريقية، فالحكومة التي استمرت لقرابة خمسة أشهر قدّم رئيسها استقالته منذ أسبوع بعد أن حاولت حركة النهضة سحب الثقة منه.

بموازاة ذلك، اتسمت السياسة الخارجية لرئيس الجمهورية بالتذبذب، حيث لم يحضر القمة الإفريقية في أديس أبابا في بداية شباط/ فبراير الماضي، وغابت تونس عن القمة الصينية الإفريقية في حزيران/ يونيو الماضي، فيما عجز البرلمان عن التصويت على اتفاقية تأسيس المنطقة الإفريقية للتبادل الحر.

في هذا السياق، يعتبر الحاج رحومة أن خيار توجه الحكومة نحو إفريقيا لم يبرح مكانه، رغم مصادقة لجنة الفلاحة والأمن الغذائي والتجارة والخدمات ذات الصلة في مجلس النواب على خمسة مشاريع قوانين، جزءٌ منها يسعى إلى فتح أفق جديد مع غينيا وجيبوتي والسودان، وتركيز السوق الحرّة الإفريقية.

ويُعبّر الحاج رحومة عن أسفه لوصول بعض المنتجات التونسية إلى العمق الإفريقي عبر شركات فرنسية على غرار زيت الزيتون الذي يُصدَّر إلى فرنسا، فيتم تعليبه هناك من جديد قبل أن يتم تسويقه في إفريقيا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard