كلـ"هم" لا يبالون بـ"ها"... كيف سخر الميهي بأفلامه من الذكورية والزواج؟

الأحد 26 يوليو 202003:47 م
نمر في هذه الأيام بذكرى وفاة رأفت الميهي (24 يوليو 2015)، وهو  أحد المخرجين المصريين القلائل الذين صنعوا لأنفسهم تياراً خاصاً بهم وطريقاً يختلف عن السائد في السينما المصرية، ففي الوقت الذي كان يقدم فيه النقد الاجتماعي والسياسي بأسلوب واقعي، قرّر الميهي كسر التابوهات الفنية والاجتماعية معاً وتقديم رؤيته للمجتمع بطريقته الخاصة، فكما يصنع المصريون نكاتهم من مصائبهم، تناول الميهي مشرطه الحاد وقام بفتح جراح المجتمع المندملة على القيح، فأشدّ أفلامه أيلاماً وأكثرها تجسيداً للضعف البشري تتفجر بالهزل والكوميديا على طريقة "المضحك المبكي".

لم يترك الميهي تابوه اجتماعياً إلا وقام بتشريحه، بدءاً من السياسة والجنس والدين، حتى النظام الأبوي وذكورية المجتمع وعنصريته ضد المرأة، إلا أن مؤسسة الزواج كانت من أكثر الأنظمة الاجتماعية التي نال منها الميهي بمشرطه، فمع حضورها الثانوي في 12 فيلماً أخرجها على امتداد مشواره الفني وانطلاقه منها للكشف عن عورات المجتمع، سواء في أفلامه الواقعية أو الفانتازية، إلا أنه لم يكتف بهذا الحضور الهامشي، ونالت نصيب الأسد بثلاثة أفلام بنيت على نقد المنظومة وتعريتها، وهي "السادة الرجال – 1987"، "سيداتي آنساتي – 1989" و"عشان ربنا يحبك - 2000".

أمام كل هذه الضغوط التي تواجهها في مجتمع الرجال، كزوجة، وأم، وموظفة، إلا أنهم لا يرون فيها سوى "فوزية أم رجلين حلوة"، فقررت أن تهد المعبد عليهم جميعا

من خلال هذه الأفلام سلّط الميهي الضوء على الظلم الذي تتعرض له المرأة داخل هذه المنظومة، فضلاً عما تواجهه من عنصرية وقهر من المجتمع، أزمة تكاليف الزواج ورؤية الرجل الشرقي لنظام تعدد الزوجات، وصولاً إلى نسف الأساس الذي تقوم عليه هذه المؤسسة الاجتماعية.

"فوزية أم رجلين حلوة"

يعدّ فيلم "السادة الرجال" رسالة إنذار للمجتمع الذكوري الذي يهدر حق المرأة، ويتعامل مع الظلم الذي تتعرض له باستخفاف وتهاون، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى نزع فتيل الغضب ووقوع ما لا يحمد عقباه. هذا الغضب لن تطال نتائجه الرجال وحدهم، ولكنها ستمتد إلى نتاج هذه المنظومة، وهم الأبناء، الخاسر الأكبر في صراع القط والفأر.

يقدم الفيلم الزوجة الشابة فوزية: امرأة على حافة الانفجار، تجد نفسها محاصرة بين زوج لا يهتم سوى بعمله، ويستخف بثقل أعباء الحياة الزوجية التي تتحملها وحدها، من تنظيف البيت ورعاية طفلهما، فضلاً عن أعباء عملها، وبين ورئيسها في العمل الذي يمنع عنها حقها في الترقي، ملوحاً بإجازة الوضع والرضاعة كعذر يبيح له حرمانها من تولي منصب أعلى رغم أحقيتها، بدعوى تعطيل سير العمل، وتفضيل رجل عليها، وأب لا يلتفت إلى مظالم ابنته، فكل ما يهمه ألّا تصبح مطلقة.

أب لا يلتفت إلى مظالم ابنته، فكل ما يهمه ألّا تصبح مطلقة.

أمام كل هذه الضغوط التي تواجهها فوزية في مجتمع الرجال، الذين لا يرون فيها سوى "فوزية أم رجلين حلوة"، تجد نفسها قد خسرت الكثير بزواجها ولكونها امرأة، فتقرر أن تهدم المعبد على رؤوسهم جميعاً، فتقوم بالتخلي عن أنوثتها والتحول إلى رجل للتمتع بالمزايا التي يمنحها المجتمع له وحده.

يضع الميهي في هذا الفيلم الرجال في مواجهة أفعالهم الجائرة ضد المرأة، معدداً الأعباء الملقاة على عاتقها والتي يستخفون بها، بدعوى أن هذا ما تفعله كل الزوجات، والتي لا يمكنهم تحمّل جزء منها. ومع تحول فوزية لرجل واضطرار زوجها أحمد مشاركتها نصف مهامها، تنهار قواه ويتأثر عمله، ولا يستطيع الصمود أمام مسؤولية الطفل ورعاية المنزل إلى جانب العمل.

ويصعّد الميهي نتائج الصراع الدائر بين الرجل والمرأة إلى مستوى آخر، حينما يشير إلى أن الخاسر الأكبر في محاولات إثبات الذات، ونيل الحقوق هم الأبناء، فمع انشغال الزوجة بالتأقلم مع عالمها الجديد، ومحاولات الزوج التوفيق بين مسؤولياته الجديدة، يمرض الطفل الذي نُسي أمره في خضم المعركة، بسبب قلّة الاهتمام والرعاية ويصبح بين الحياة والموت.

فانتازيا "هارون الرشيد"

في فيلم "سيداتي آنساتي" يسخر الميهي من فكرة تعدد الزوجات التي يستخدمها الرجل ليشبع جشعه الجنسي، وليحيا مثل هارون الرشيد، بين تدليل النساء له واللهو بهن، كما يستخدمها كسلاح بمواجهة المرأة من أجل إجبارها على طاعته والانصياع له، فيحرّض النساء لاستخدام ذات السلاح في مواجهة الرجل حتى ينقلب السحر على الساحر.

يقدم الفيلم أربع فتيات، طبيبة، محامية، مهندسة ومحاسبة، كل منهن تحمل أزمتها الخاصة تجاه الزواج ووجود رجل في حياتها، فيقررن الزواج من رجل واحد، طالما أن الشرع في الدين الإسلامي يسمح بذلك، والسكن في شقة واحدة توفيراً للنفقات، وحتى يصبحن القوة الكبيرة المسيطرة في مواجهة الرجل.

ويدلل الميهي على صلاحية فكرته وقوة منطقها من خلال طرح نموذج ثانوي أقرب للواقع ومخالف لنهج بطلات الفيلم، وهو ابن عم زوجهن، الذي تزوج من أربع نساء كي يعملن وينفقن عليه، بينما هو يتمتع بهن وبأموالهن فقط.

يحجب الزواج حقيقة طباع الآخر التي لا تتكشف سوى بعد الزواج وانقشاع هالة المشاعر، أو من أجل ممارسة الجنس داخل إطار شرعي خوفاً من الغضب الإلهي، كما في فيلم "علىشان ربنا يحبك"

وفي إطار هذه الفكرة، يتعرض الميهي أيضاً لعدة أزمات تواجه منظومة الزواج، بدءاً من ارتفاع تكاليف الزواج، إعداد المسكن، أزمة الإسكان وتحمل الأعباء المادية لتكوين أسرة، وصولاً إلى عزوف بعض النساء عن الزواج خوفاً من تسلط الرجال وسيطرتهم، ويطرح حلاً لهذه المشكلات مجتمعة، ربما يبدو هزلياً، لكنه في الحقيقة يحاول فيه تخطي هذه الأزمات والانتصار للمرأة في مواجهة المجتمع الذكوري.

"علشان ربنا يحبك"

ينتقد الميهي في فيلم "علشان ربنا يحبك" فكرة الزواج بحد ذاتها، والتي تقام على أساس الوعي الزائف بالآخر نتيجة الوهم الذي تخلقه مشاعر الحب، حسب وجهة نظر المخرج، والذي يحجب حقيقة طباع الآخر التي لا تتكشف سوى بعد الزواج وانقشاع هالة المشاعر، أو من أجل ممارسة الجنس داخل إطار شرعي خوفاً من الغضب الإلهي، مثلما عبر عنها عنوان الفيلم "علشان ربنا يحبك"، وبعد أن تنطفئ جذوة الرغبة بمرور الوقت والاعتياد، تطفو عيوب الآخر على السطح وتبدأ الخلافات والمعارك، ويسعى كلا الطرفين للطلاق للبحث عن شخص جديد ثم الزواج مرة أخرى، ظناً منهم أن المشكلة في الشريك، ولكن الميهي يعبر عنها صريحة في حوار الشخصيات: إن المشكلة في المنظومة ذاتها.

"المشكلة في منظومة الزواج".

يقدم الفيلم رجلاً وامرأة يحبان بعضهما وكل منهما متزوج بشريك آخر، ويسعيان لقتل أزواجهما حتى يخلو لهما الجو ويتزوجا، ثم يلجآن إلى محاولة التقريب بينهما حتى يقعا في الحب أيضاً. وبمرور الأحداث والمواقف الكوميدية يكتشف كل من الأبطال الأربعة أن المشكلة ليست في العيوب التي يراها كل منهم في الآخر، لكن في الزواج، فالنساء جميعاً متشابهات في بيوتهن، والرجال جميعهم لهم ما لهم من عيوب، لكن المشكلة تكمن في الزواج الذي يخلق حالة السأم والملل نتيجة العيش معاً لفترة طويلة، ويجعل النفور والتطاحن هو الشيء الوحيد الصامد داخل هذه المؤسسة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard