مَن يؤذي مسار العدالة في كوبلنز أكثر؟ التناقضات في شهادة أم مَن يكشفها؟

الأحد 26 يوليو 202002:54 م

"تَنشُر صفحة الرأي في النيويورك تايمز مقالات أختلف معها بعنف. أرجو أن يستمروا بذلك". هكذا علق أحد كتّاب "نيويورك تايمز" على الهجوم الشرس الذي تعرّضت له الصحيفة الأمريكية بعد أن سمح محرّر قسم الرأي فيها، جايمس بينيت، لسيناتور من الحزب الجمهوري بنشر مادة طالب فيها بتدخل القوات المسلحة والسماح لها باستعمال القوّة العسكرية في وجه الاحتجاجات التي أعقبت مقتل جورج فلويد على يد شرطي في منيابوليس.

الكاتب الذي استخدم صفحته الشخصية على فيسبوك للتعبير عن رأيه بالقضية، قال إن "لكلّ الآراء القدرة على إحداث تأثيرٍ على حياة الناس… لكنني أهتمّ كثيراً بالنيويورك تايمز، ولذلك يقلقني ارتفاع مستوى عدم التسامح مع الآراء المعارضة هناك".

لكنّ الحملة ضدّ النيويورك تايمز، وضدّ المُحرّر بينيت، استمرّت بالتصاعد، حتى اضطر الأخير إلى تقديم استقالته من الجريدة في السابع من حزيران/ يونيو.

هجومٌ مشابه طال مؤخراً رصيف22 والكاتب حسام القطلبي إثر مقالٍ بعنوان "فبركة وفبركة مضادة... ما حدث في سوريا ويحدث في محكمة كوبلنز" نشره الموقع بتاريخ 20 تموز/ يوليو. حذفت إدارة الموقع المقال ثم أعادته مرتين، قبل عقد العزم أخيراً على إبقائه بين صفحاتها.

مقال القطلبي ليس مبنياً على آراءٍ ومواقف، سواء شخصية أو سياسية، تجاه القضية التي يكتب عنها، وهي شهادة المخرج السوري فراس الفياض التي قدّمها أمام محكمة كوبلنز في ألمانيا، بقدر ما هو تحقيق استقصى فيه ادّعاءاتٍ وأثبت فقر صحّتها، بغض النظر عن سوء أو حسن نية مقدّم تلك الادّعاءات.

فراس الفياض هو أحد أبرز الشهود ضدّ العقيد أنور رسلان، الذي كان ضابط أمنٍ سوري ومسؤول قسم التحقيق في فرع أمن الدولة 251 (الخطيب) في دمشق، حتى فراره عام 2012، ثم استقراره في ألمانيا كلاجئ سياسي، والذي يمثل منذ نيسان/ أبريل الماضي أمام المحكمة في كوبلنز، ألمانيا، متّهَماً بالضلوع بحوالي 4000 قضية تعذيب و58 قضية قتل قبل مغادرته سوريا.

اعتُقل الفياض مرّتين في سوريا، وتعرّض إلى عدد من أشكال الاعتداء الجسدي والتعذيب، بحسب منظمات حقوقية. لكن تاريخ بداية وانتهاء كلّ من الاعتقالين، ومدة كلّ منهما، تغيّرا 18 مرة في روايات مختلفة قدمها الفياض، سواء داخل المحكمة أو في حديثه مع وسائل الإعلام خارجها، بحسب التحقيق الذي أعده القطلبي.

واستقصى القطلبي صحّة بعض الادعاءات التي لا تتعلق مباشرة بقضية أنور رسلان، مثل حقيقة حصول الفياض على بكالوريوس في الفنون السمعبصرية وصناعة الأفلام من المعهد الدولي للسينما والتلفزيون (إيكار)، بحسب صفحة الفياض على لينكدإن.

ليس هذا المقال بصدد تأكيد أو دحض ما قدّمه حسام القطلبي في مقاله على رصيف22، بل يسعى إلى النظر بموضوعية في ردود الفعل التي أثارها نشر المقال.

"هجومٌ مشابه طال مؤخراً رصيف22 والكاتب حسام القطلبي إثر مقالٍ بعنوان ‘فبركة وفبركة مضادة... ما حدث في سوريا ويحدث في محكمة كوبلنز’... لم يكن إلصاق تهمة العمالة لصالح النظام والمخابرات السورية بالقطلبي أصعب من إلصاق النظام تهمة الإرهاب بمعارضيه"

منذ انطلاق الثورة السورية، التي تحوّلت لاحقاً إلى حربٍ لا تزال مستمرّة اليوم، في آذار/ مارس 2011، اعتمد النظام سياسة العنف والقتل والتعذيب بشتى الأشكال في سبيل قمع الاحتجاجات ضده. لكن بعيداً عن الشوارع والميادين السورية، كانت هناك أساليب غير دموية استخدمها النظام ورموزه ومحلّلوه وإعلاميوه بغية استهداف القيم التي بنيت عليها الثورة. فقد سارع النظام أولاً إلى طرح موضوع توقيت اندلاع هذه الاحتجاجات، مشيراً إلى طور النموّ الذي كانت سوريا تمرّ به خلال السنوات القليلة السابقة. ثم هاجم النظام "الهدف الحقيقي" لهذه الاحتجاجات التي لا ترمي، بنظره، إلى إصلاح "الأخطاء" الموجودة في سوريا، بل إلى تحقيق مؤامرة خبيثة ضده.

وسارع النظام إلى إلصاق تهمة الإرهاب أو دعمه بكلّ مَن عارضه تقريباً، وامتنع عن التعاطي مع ما يقدّمونه من وجهات نظر أو بيانات أو معلومات أو مطالب على أنها أمرٌ يستحق النقاش الصادق. ثم أخذ النظام ومؤيدوه يهدّدون الأفراد المعارضين له، ممَّن لم يستطيعوا إيذاءهم مباشرةً نتيجة وجودهم في دول أخرى مثلاً، والتعليق على شخصهم بدلاً من الطرح الذي يقدّمونه، في تجلٍّ كلاسيكي لعدد من أشهر المغالطات المنطقية (تحديداً الـad hominem أي 'الشخصنة' والـ tu quoque أي 'أنت كذلك').

"قال عددٌ من الناس إنه في حال كانت المعلومات المقدّمة في مقال حسام القطلبي صحيحة، فإن فراس الفياض يسعى ‘لاستجلاب الشهرة’، في حين أُلصق الاتّهام نفسه بالقطبلي الذي يسعى لأن يصبح ‘بطلاً في زمن الهزائم’ من خلال معارضة الأغلبية ‘بموقف فجّ وقويّ وصادم’"

يبدو أن كلّ العناصر المذكورة أعلاه اجتمعت في تعاطي الكثيرين من الغيورين على مسار قضية كوبلنز، وهي سابقة تاريخية في مسيرة النضال لاسترداد حقوق أسرى النظام السوري، مع مقال حسام القطلبي في رصيف22.

رفض أغلب مهاجمي نشر المقال تقديم معلوماتٍ وأرقام وتواريخ وشهادات تنافي تلك التي أوردها القطلبي، واختاروا عوضاً عن ذلك انتقاد "التوقيت" الذي اختاره كل من الكاتب والموقع لنشر المقال، معتبرين أن هذا الأمر يضعف موقف الادّعاء ضد رسلان. ثم أخذ بعض مهاجمي القطلبي ورصيف22، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بتحليل أهداف ودوافع نشر هذا المقال الذي، برأيهم، يخدم أجندات النظام السوري ويقدّم له هدية على طبق من ذهب. وبالطبع لم يكن إلصاق تهمة العمالة لصالح النظام والمخابرات السورية بالقطلبي أصعب من إلصاق النظام تهمة الإرهاب بمعارضيه.

وبالتأكيد، كما قال عددٌ من الناس، فإنه في حال كانت المعلومات المقدّمة في مقال القطلبي صحيحة، فإن فراس الفياض يسعى "لاستجلاب الشهرة"، في حين أُلصق الاتّهام نفسه بالقطبلي الذي يسعى لأن يصبح "بطلاً في زمن الهزائم" من خلال معارضة الأغلبية "بموقف فجّ وقويّ وصادم" (علماً أنّه من الظُلم وصف ما قدمه القطبلي على أنه محض "موقف"، بعضّ النظر عن الخلاف الدائر حول المقال).

كما راح البعض لوصف المقال بأنّه يرمي لتبرئة أنور رسلان بطريقة يعجز عنها حتى محامو الأخير.

هناك ما يكفي من أدلة تثبت أنّ فراس الفياض كان حبيس سجون النظام، وهناك فيضٌ من الأدلّة حول ما يجري داخل تلك السجون. لا تبدو شهادة فراس الفياض مبنية على كذب، لذا قد تكون مقارنتها بتلفيق المخرج السوري محمد بايزيد حادثة اغتياله في تركيا عام 2018 إجحافاً بحقّ الفياض والتجربة القاسية التي بالتأكيد كان قد مرّ بها في السجن.

جيمس بينيت خسر عمله في جريدة "نيويورك تايمز" بسبب مقال رأي سمح بنشره على موقع الجريدة، أما رصيف22 فقد نشر مقالاً معززاً بأرقامٍ وتواريخ واقتباسات ومراسلات، أوضح فيه كاتبه مراحل العمل التي اتّبعها وأورد فيه ما قاله الفياض في عدد من المناسبات وعبر عدد من المنصات، كما حرص على سؤال مَن تواصل معهم بالبريد الإلكتروني في حال كان من الممكن مشاركة صورة عن الرسالة في معرض مقاله. وفي النهاية، حاول القطلبي أن يتحدث إلى الفياض ويعرض عليه ما حصده خلال عمله الاستقصائي، لكنّ مَن يبدو أنّهم مفوّضون بالردّ بالنيابة عن الأخير رفضوا الحديث.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard