مواجهة مُرتقبة بين مصر وتركيا في ليبيا… لمن تنحاز القوى الكبرى؟

السبت 25 يوليو 202003:34 م

لو اندلعت حرب إقليمية بين مصر وتركيا على الأراضي الليبية، ماذا سيكون موقف الدول الكبرى، تحديداً روسيا والولايات المتحدة، من طرفي النزاع المحتمل؟ وهل يمتلك أحد الطرفين أوراقاً تجعل القوى الدولية تختار دعمه إذا نشب الصراع في قادم الأيام؟

باتت هذه التساؤلات مطروحة في غرف صناعة القرار في البلدين خلال الآونة الأخيرة، لا سيما مع تزايد المؤشرات حول احتمال وقوع صراع خطير بين الجيشين التركي والمصري في الدولة الواقعة شمالي إفريقيا.

في دليل على ارتفاع منسوب الاهتمام باحتساب معادلة الحليف والخصم الدولي في المعركة، نشر المحلل السياسي من أصل لبناني فراس مقصد مقالاً، في صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، يدعو فيه واشنطن إلى مساعدة الدول العربية في احتواء تركيا وإيران.

ويظهر مقصد دائماً على المحطات السعودية والإماراتية للترويج لسياسات الرياض وأبو ظبي، ويعرض تحليلات تتوافق مع مصالحهما، كما أن هذا المقال هو الثاني على التوالي في "وول ستريت جورنال" بعد مقال تم نشره في الأسبوع الماضي لأحد الكتاب المعروفين بميوله نحو السعودية، يتهم فيه الضابط السعودي الهارب سعد الجبري بسرقة مليار دولار.

وعليه، يظهر أن معركة استقطاب القوى دولية قبيل المعركة تشهد تصاعداً ملحوظاً وهو ما يتضح أيضاً في المحادثات الهاتفية المتكررة التي أجراها الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي والتركي رجب طيب أردوغان مع نظيريهما الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين للحديث عن الصراع في ليبيا.

ثقل مصر وتركيا على الساحة الدولية

تظهر فروق عدة بين كل من مصر وتركيا لجهة أهميتهما بالنسبة للقوى الدولية التي تنحاز غالباً في مواقفها إلى الدول الأقرب إلى مصالحها الاقتصادية والأمنية.

في هذا السياق، يؤخذ بالاعتبار مثلاً الغضب الأمريكي من شراء تركيا منظومة "أس 400" من روسيا، بينما لم يكن هناك رد فعل يُذكر من قبل واشنطن على إبرام مصر صفقات أسلحة ضخمة مع موسكو.

أوراق تركيا

في محاولة لمعرفة الأوراق التي تمتلكها تركيا للضغط على القوى الكبرى للانحياز إليها، يقول المحلل التركي المختص في شؤون الشرق الأوسط علي باكير إن أنقرة تُعدّ ذات ثقل كبير مع دول الاتحاد الأوروبي، إذ تستحوذ الأخيرة على 50% من حجم التبادل التجاري التركي مع العالم الخارجي.

ويضيف باكير، في حديثه لرصيف22، موضحاً أن أهمية تركيا ستكون أكبر للاتحاد الأوروبي والغرب في المرحلة التي تعقب أزمة كورونا، إذ توترت العلاقات مع الصين وتزداد بالفعل توتراً مع روسيا، كذلك العداء الصيني الأمريكي في تصاعد مستمر، وكل ذلك يجعل من أنقرة بديلاً تجارياً هاماً.

في الأسبوع الماضي، كشف مسؤولون بريطانيون عن توقيع لندن وأنقرة على اتفاق تجارة حرة بين البلدين، وذلك بالتزامن مع فرض المملكة المتحدة عقوبات على الصين على خلفية انتهاكات حقوقية وخلافات سياسية.

كذلك، كشف صحافيون مختصون في الشأن التركي أن الولايات المتحدة وتركيا تقتربان من توقيع اتفاقية تجارة حرة، ستجعل من تركيا التي تعد من أكبر الأسواق استهلاكاً للطاقة، مستورداً ضخماً للغاز الأمريكي، إذ ارتفعت بالفعل حجم واردات أنقرة من الغاز الأمريكي بنسبة 300% خلال العام الماضي.

ويقول باكير: "من الناحية الأمنية، تعتبر تركيا لاعباً مهماً جداً، فهي امتداد لأوروبا في المنطقة، وهي عضوٌ في حلف الناتو ومرشحة للانضمام للاتحاد الأوروبي، ودورها هام وحساس في حماية الغرب من التداعيات السياسية والاقتصادية الأمنية التي تعصف بالمنطقة، حيث تحول دون انتقال الأزمات من الشرق الأوسط نحو بروكسل".

ولفت باكير إلى أن تركيا ثاني أكبر جيش بحلف الناتو، وهو أمر مهم للغاية إذ لعبت أنقرة دوراً أساسياً إبان الحرب الباردة، في حماية أوروبا من الاتحاد السوفيتي.

لو اندلعت حرب بين مصر وتركيا على الأراضي الليبية، ماذا سيكون موقف الدول الكبرى، تحديداً روسيا وأمريكا، من طرفي النزاع؟ وهل يمتلك أحد الطرفين أوراقاً تجعل القوى الدولية تدعمه دون الآخر؟ تساؤلات تُطرح مع تزايد مؤشرات احتمال الصراع بين الجيشين التركي والمصري في ليبيا

تسيطر تركيا على مضيق البوسفور الذي يعد من أهم الممرات التي تسلكها السفن الروسية نحو البحر المتوسط حيث جنوب أوروبا ، كما أن مدمرات حلف الناتو والولايات المتحدة تمر من المضيق ذاته نحو البحر الأسود لاحتواء النفوذ الروسي حالياً.

ولعبت تركيا خلال السنوات الماضية دوراً كبيراً في التضييق على هجرة اللاجئين السوريين نحو أوروبا، وهو السلاح الذي استخدمته أنقرة مراراً وتكرراً في ابتزاز القارة العجوز وأدى إلى ارتفاع شعبية اليمين المتطرف.

وبالنسبة لأهمية تركيا لدى روسيا، يرى باكير أن أنقرة تعد أهم سوق للغاز الروسي، كذلك يمر من خلال الأراضي التركية خط أنابيب "السيل" الذي ينقل الغاز الروسي لأوروبا.

وينقل الخط ما يقرب من 15.75 مليار متر مكعب من أصل 31.5 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى تركيا مباشرة، دون وجود أي بلد وسيط، بحسب ما أشار الرئيس التركي، بينما سيصدر 15.25 مليار متر مكعب من الغاز إلى دول جنوب وشرق أوروبا.

في الجانب السياسي، باتت تركيا وروسيا شريكين رئيسيين في العديد من القضايا، بداية من الأزمة السورية حيث يعمل البلدان معاً لتجنب التصعيد والحفاظ على مصالحهما دون حدوث صدام مباشر، كما أعلنا مؤخراً تدشين مجموعة عمل حول ليبيا.

أوراق مصر

في المقابل، تمتلك مصر - الغريم الإقليمي لتركيا - أوراقاً لا تقل قوة عن تلك التي بحوزة أنقرة، فإذا كانت الأخيرة تتحكم في الممرات البحرية بين البحرين المتوسط والأسود، فالقاهرة تسيطر على قناة السويس وكلاهما ذات أهمية كبرى بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وروسيا.

الأهم من ذلك، وفقاً للباحث المصري والمحاضر في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية والسياسات الدفاعية أنس القصاص، فإن القاهرة مدعومة بظهير عربي يساندها في المسرح العالمي.

وتقع مصر، منذ عام 2013، ضمن المحور الإماراتي السعودي الذي ساعد القاهرة في العواصم الغربية لقبول عزل محمد مرسي، كما تشارك أبو ظبي مصر الأهداف والسياسة ذاتها في ليبيا.

وعليه، فإن وزن مصر في الساحة الدولية لا يوضع بمفرده في حسابات القوى الدولية، وإنما يكون مصحوباً بالوزن الإماراتي والسعودي وعدة دول أخرى في المنطقة.

ويشير القصاص أيضاً إلى أن مصر هي الأكبر في عدد السكان، وجيشها هو الأقوى حالياً في منطقة الشرق الأوسط، وهذه عوامل مهمة يضعها دائماً صانع القرار في الدول الكبرى في اعتباره.

من جهته، يشرح باكير أن أكثر ما يهم الولايات المتحدة وأوروبا هو عدم انهيار الدولة المصرية، لأن ذلك سيكون كارثة في منطقة الشرق الأوسط، وينتج عنه ملايين المهاجرين إلى الغرب.

في عام 2018، أعلنت القاهرة عدم خروج أي مركب هجرة غير شرعي من مياهها الإقليمية منذ عام 2016، بعدما ساد أوروبا التخوف من تحول السواحل المصرية إلى دولة انطلاق للهجرة غير الشرعية.

"تنظر الولايات المتحدة لتركيا ومصر كشريكين مهمين، ولن تتحالف مع أحدهما على حساب الآخر، أما علاقة روسيا مع تركيا فأكثر تشابكاً من علاقاتها مع مصر"... محللون يفنّدون أوراق قوة مصر وتركيا لدى القوى الدولية في حال وقوع المواجهة بينهما في ليبيا 

يتفق باكير والقصاص على أن صفقات السلاح التي عقدتها القاهرة مع الدول الأوروبية وروسيا خلال السنوات الماضية خلقت لمصر تحالفات قوية مع الدول الكبرى التي رأت أن الخزينة المصرية أنعشت صناعاتها الدفاعية.

لكن بالنسبة لباكير، فإن أهم ورقة تملكها مصر هي اتفاقية السلام مع إسرائيل، إذ تحرص الولايات المتحدة على دعم ومساندة القاهرة سواء في القضايا السياسية أو في المجال الاقتصادي والعسكري، عبر منحة قدرها مليار و300 مليون دولار سنوياً في مقابل الالتزام بالمعاهدة مع تل أبيب.

سؤال الانحياز

يعتبر مدير برنامج تركيا في مؤسسة "الدفاع عن الديمقراطيات" في الولايات المتحدة والعضو السابق في البرلمان التركي أيكان إردمير، في حديث مع رصيف22، أن الفارق واضح بين كل من مصر وتركيا.

يقول إردمير: "تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لذا يتم وصفها كـ′حليف′ للولايات المتحدة منذ انضمامها لهذا التكتل العسكري في 1952، بينما تطلق واشنطن على مصر وصف ′شريك′ أمني رئيسي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منذ عام 1979 الذي شهد توقيع اتفاقية كامب ديفيد".

ويتوقع النائب السابق في البرلمان التركي أن تنظر الولايات المتحدة لتركيا ومصر كشريكين مهمين، ولن تتحالف مع أحدهما على حساب الآخر، مضيفاً أن واشنطن لديها مصلحة قوية في التعامل مع كل من أنقرة والقاهرة لتهدئة التوترات بين الحكومتين، حتى لا تضر بالسلام والاستقرار في المنطقة.

ويقول إن علاقة روسيا مع تركيا أكثر تشابكاً من علاقاتها مع مصر على الرغم من أن أنقرة عضو في حلف شمال الأطلسي ، وهو تحالف يعتبره الكرملين خصمه في الساحة العالمية، لكن هناك تعاون أعمق في الأمن والطاقة والقطاع الاقتصادي بين موسكو وأنقرة خلال العقد الماضي.

ويتابع: "على الرغم أن تركيا وروسيا تقاتلان على جانبين متعارضين في سوريا وليبيا، نجح أردوغان وبوتين في تجزئة العلاقات الثنائية ومواصلة التعاون الوثيق في المجالات الأخرى".

يختم المحلل التركي معلقاً بأن الكرملين سيتجنب أيضاً اختيار دولة على حساب أخرى، حيث تُعتبر الدولتان مهمتين للسياسة الروسية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

يختلف القصاص مع رأي النائب التركي السابق، إذ يرى أن الولايات المتحدة ستنضم إلى تركيا في ليبيا، وذلك ليس حباً في أنقرة، ولكن لأن واشنطن لن تسمح بوجود قاعدة روسية في الجفرة.

ويلفت القصاص إلى أن استراتيجية حلف الناتو تتجه شرقاً، فكل الصواريخ والقواعد العسكرية الدفاعية تتمركز في أوروبا الشرقية على مقربة من الحدود الروسية، وتقل كلما تم الاتجاه غرباً نحو المحيط الأطلسي.

"حلف الناتو والولايات المتحدة يعلمان جيداً أن وجود روسيا في ليبيا يعني توجيه روسيا ضربة قوية لهذه الاستراتيجية، وسيربك الحسابات كلياً"، يقول القصاص مضيفاً أن موسكو حاولت من قبل الحصول على قاعدة في الجزائر لكنها فشلت، وهي الآن تريد تحقيق هذا الهدف في ليبيا.

ويتوقع القصاص أن تنحاز روسيا إلى مصر في هذا الصراع، لأن موسكو برأيه تعلم أن وجود تركيا في ليبيا مدعوم من الناتو من أجل طردها.

وفي أيار/مايو الماضي، أعلن حلف الناتو دعمه لحكومة الوفاق بقيادة فايز السراج، مضيفاً أنه لا يمكن أن يكون الأخير في نفس المستوى مع الجنرال خليفة حفتر المدعوم من مصر وروسيا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard