الارتباط لا يعني أن المرأة مستباحة... التعدّي الجنسي على الشريكة

الجمعة 24 يوليو 202010:56 ص

تجمّدت أطراف أميمة (25 سنة)، حينما فتحت باب غرفتها، في أحد فنادق القاهرة، ووجدت أمامها شريكها الذي تربطها به علاقة عاطفية منذ عدة أشهر، والذي ينزل في نفس الفندق حيث كانا يشاركان في تدريب عمل. جحظت عيناها. هذه خطوة متقدّمة جداً ولم تكن في حسبانها. هاجمتها ملايين الأسئلة دفعة واحدة: لماذا جاء إلى غرفتها؟ كيف تتصرف؟ تغلق الباب في وجهه أم ترحب به؟...

لم يمنح الشاب ابنة محافظة الشرقية الثواني الضرورية لتحسم قرارها. دخل غرفتها وأغلق الباب. حبست أنفاسها. جلس بجوارها. دار حديث عابر بينهما، ثم بدأ يتحسس جسدها. لم تستطع إيقافه. تجمّدت لفترة، ثم فجأة انقضّ عليها، وثبتها بإحدى يديه، وبالأخرى باعد بين ساقيها عنوه، وأقحم إصبعه في مهبلها ليفقدها عذريتها. فتك الألم بالفتاة وأطلقت صرخة مدوّية. ارتبك وهرع خارج غرفتها، تاركاً أميمة تواجه الصدمة والألم وحيدة.

بصوت متحشرج تتجلى فيه آثار الصدمة والهلع حتى الآن، رغم مرور وقت طويل نسبياً على ما تعرّضت له، تكمل أميمة (اسم مستعار) قصتها: "تركني وحيدة مصدومة. لم أستطع استيعاب فعلته، جسدي النحيل لم يقوَ على النهوض من السرير، مسرح جريمة انتهاكي. الصدمة والألم انهكاه. لا أدري الوقت الذي مرّ عليّ وأنا على هذه الحال. تحاملت على أوصالي. بالكاد وصلت إلى الحمّام لأجد خيطاً رفيعاً من الدماء يسيل من مهبلي الذي فُتِك. ازدادت صدمتي. خرجت مسرعة، وهاتفت شريكي. ظل يعتذر بصوت مرتعش، ولم يحدد موقفه مما حدث".

صمت طويل، تستجمع خلاله ذكرياتها التي تستعيدها، ثم تضيف: "وقتها، لم أدرك أن ما حدث لي اغتصاب".

يُعرّف الاعتداء الجنسي بأنه أي واقعة جنسية قسرية غير مرغوب فيها، وتجري بدون موافقة الطرفين الواضحة. ولا تُحدث أي فرق قرابةُ المعتدي للضحية.

ويشيع عند حديثنا عن الاعتداءات الجنسية أنها تأتي من قبل شخص غريب. ضحايا كثيرات لا يدركن أن التحرش وكذلك الاغتصاب قد يقع من الشريك العاطفي.

"بسذاجة، صدّقت وعوده، وظننت أن ما فعله وشعوره بالذنب تجاهي سيجعله يحافظ على علاقتنا. كنت أحبه وقتها"، تروي أميمة. تبكي وتضيف: "أخلف وعوده كلها، ظل يتهرب منّي، يغيب أياماً طويلة، لا أعرف عنه شيئاً، يتنصل مني، يتهمني بالضغط عليه، وأمور كثيرة مشابهه، حتى اختفى تماماً".

فضّلت الشابة الضحية عدم الخوض في تفاصيل مشاعرها تجاه الحادث وكيف تجاوزته وتأثيراته عليها اليوم. "لم أعد أحتمل نوبات الهلع التي تصيبني كلما تذكرت الأذى الذي تعرّضت له"، ختمت حديثها.

"مي تو" مصرية

بالتزامن مع قضية الطالب أحمد بسام زكي، المتهم في قضايا تحرش واغتصاب وقعت ضحيتها أكثر من مئة فتاة، ونشْر بعض ضحاياه شهاداتهم وأدلتهم على اتهامه، عبر إنستغرام، عجّت مواقع التواصل الاجتماعي بشهادات ناجيات من حوادث اعتداء جنسي، في ما يشبه حملة #me_too مصرية.

وانطلقت حملات عدّة لدعمهنّ وحثهن على مواصلة الكلام لتتجرأ أخريات على كشف الستار عن معتدين. مئات الحوادث نُشِرت تفاصيلها، لكن لا يزال الملايين تحت أنقاض أرواح أصحابها، لا سيما الاعتداءات التي وقعت في إطار علاقات عاطفية. كثيرات يفضّلن الصمت كي لا يواجهن الوصم المجتمعي بـ"العهر" و"الفسق".

"يجوز أنّي تعافيت أو أنّي لم أتعافَ بعد. لا أعرف. لكنّي لم أقدم على البوح، حتى مع طبيبتي النفسية. أخشى أن تتهمني بالفجور وبأني ‘بنت شمال’، كما تُنعت الكثيرات من الناجيات اللواتي ينشرن قصصهن"، تقول فريدة (24 سنة) لرصيف22.

تشاركنا قصتها، وهي لا تزال تعاني من اضطراب ما بعد الصدمة. تطاردها كوابيس علاقتها الأولى في الجامعة. لم تستطيع مداواة الأثر النفسي اللعين الواقع عليها بسبب الاعتداءات المتكررة لشريكها الأول، بالرغم من اقتراب موعد زواجها من شاب آخر تحبّه.

تقول فريدة (اسم مستعار): "علاقة الارتباط الأولى في حياتي، والأسوأ، كانت مع شاب من دفعة تسبقني. جذبني تصرفاته، وخُدِعت بكلماته العذبة التي لم أعتد على سماعها. بحكم قرب سكننا، كنا نذهب معاً بسيارته إلى الجامعة. حكيت له عن مرات التحرش التي تعرّضت لها في صغري وآلمتني. كنت أثق به، لكنه استغلّ ما قلته، واستخدمه كنقطة ضغط لينتهك جسدي. كان دائماً يتعمّد أن يلمسني، دون الالتفات إلى رغبتي في ذلك أو عدمها، ولم يحترم مساحة أماني الشخصية في مجتمع يرفض علاقات الحب. وعندما كنت أعترض وأرفض، كان يلومني ويقول لي إنني لا أحبه مثلما يحبني، ومرات كثيرة يتهمني بالبرود الجنسي، وبأنني مريضة وبحاجة إلى علاج نفسي".

تتذكر فريدة كيف أنهت علاقتها به. "آخر مرة، كنا سوياً في سيارته، نقترب من إشارة مرور، بدأ يلتصق بي، ويضمّني بعنف. شعرت بإعياء وتقلصات شديدة في بطني. انتظرت حتى هدأت سرعة السيارة، وقفزت منها، والخوف يغلفني. لم أشعر بألم الوقوع لكني نهضت وركضت بسرعة وقررت في لحظتها إنهاء هذه العلاقة، وبالفعل قطعت كل تواصل بيننا".

عندما تقرر المرأة إنهاء علاقة الارتباط، يعتبر الشريك قرارها إهانة شخصية له. كثيرون يبدأون في التخطيط للانتقام منها. هذا ما عانت منه فريدة. تقول: "ظل يلاحقني. هددني بالفضيحة. لكن الحمد لله لم يكن لديه أي شيء يدينني، بعدها اتجه إلى أصدقائي، وراح يطلق الأكاذيب عنّي، ويفتعل مشاكل بين صديقاتي، وبعد تخرجي من الجامعة، علم بارتباطي بشخص آخر، فحاول أن يشوّه صورتي أمامه بأكاذيب عن سلوكي وسمعتي، حتى يدفعه إلى فسخ الخطبة، ولكن ها نحن نستعد لزواجنا".

تروي فريدة أنها ظلّت لسنوات مقتنعة "بأنني مريضة، ولا بدّ من علاجي، وبأنني مختلفة عن قريناتي ومعقدة". لم تكن تعلم أن ما يفعله شريكها تحرش، وأن علاقتهما لا تعني أنها مستباحة أمامه.

"أكره غبائي وجهلي في تلك الفترة، لم أكن أعي أنه يتحرش بي. كيف تكونين مرتبطة بشخص وتتهمينه بالاعتداء عليك؟ لم أكن أعلم أن ‘لا’ كافية. سنوات مرّت على ما جرى لكنه حفر أثره في داخلي. كل يوم تراودني كوابيس أتخيله فيها يقوم باغتصابي"

تقول: "أكره غبائي وجهلي في تلك الفترة، لم أكن أعي أنه يتحرش بي، لم أتحدث عمّا جرى حتى لصديقاتي، فكيف تكونين مرتبطة بشخص وتتهمينه بالاعتداء عليك؟ لم أكن أعلم أن ‘لا’ كافية. من المرة الأولى كان عليّ إنهاء العلاقة فوراً. سنوات مرت على ما جرى لكنه حفر أثره في داخلي. كل يوم تراودني كوابيس أتخيله فيها يقوم باغتصابي".

عام 2014، وافق مجلس الوزراء على مشروع تعديل قانون العقوبات، وإدراج جريمة التحرش بشكل صريح فيها لأول مرة، عبر النص التالي: "كل مَن تعرّض للغير في مكان عام أو خاص، بتلميحات جنسية، سواء بالإشاره أو القول أو الفعل، بأي وسيلة، يعاقَب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر، وغرامة لا تقل عن 3 آلاف جنيه، ولا تزيد عن 5 آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين".

يشرح المحامي ياسر سعد لرصيف22 أن "قانون التحرش لم يحدد درجة قرابة المتحرش. المصطلح عام، ويشمل أي شخص يتعرض للآخر بإيحاء جنسي. العلاقة الوحيدة التي وضع لها إطاراً خاصاً هي العلاقة الزوجية، وذلك لمرجعيتها الدينية في حقوق الزوج الشرعية وهكذا. لكن في علاقات الارتباط والخطبة، من حق الضحية القانوني الإبلاغ عن أي تحرّش. وفي حال ثبوت الاتهام، وتوافر ركنيْ الجريمة المادي والمعنوي، على النيابة تحريك البلاغ للمحكمة المختصة، وعلى المحكمة إقرار العقوبة المناسبة".

يشير سعد إلى الرفض المجتمعي للعلاقات العاطفية، وتحميل المجتمع للأنثى كل الذنب فيها ويقول: "بالرغم من الحق القانوني للمرأة في الاشتكاء على الشريك، لكن بمجرد دخول قسم الشرطة لتحرير محضر ستصطدم بوجهات نظر أخرى متشبعة من ثقافة المجتمع الذي يُلحق العار بالمرأه لمجرد ارتباطها بشخص ما، مهما كان مؤذياً ومذنباً، خاصة لو كان ارتباطاً غير رسمي وليس خطبة، فحينها تتحول إلى متهمة بالانحلال".

عادة ما تتعرض النساء، داخل أقسام الشرطة، عند التوجّه لتقديم بلاغ ضد المعتدي، لضغط نفسي ضخم، على صورة نصائح بقبول الصلح والتنازل عن البلاغ، فمَن سيُلقي بالاً بامرأة تبلغ عن شريكها في واقعة تعدٍّ؟

يقول سعد: "في قضايا التحرش والاغتصاب العادية تواجه الضحية اتهامات بسبب ملبسها أو زينتها وشعرها، فما بالك بمَن ارتبطت برجل دون إطار رسمي يباركه المجتمع، بلا شك سيُنظر إليها على أنها ساقطة".

الابتزاز العاطفي

"الضحية، في كثير من الأحيان، لا تدرك الأذى الواقع عليها، وعادة ما ترضخ لضغوط الشريك الذي يُفقدها ثقتها بنفسها من خلال اتهاماته لها، أو مقارنتها بصديقاتها أو شريكات أخريات دخل معهن في علاقات سابقة، قد تكون خيالية، ويرسمها فقط من أجل إجبار الفتاه على فعل ما يريد"، تقول أميرة السراج، أخصائية الطب النفسي، لرصيف22.

وتضيف: "أحياناً كثيرة يتولد بين الضحية ومعنفها ترابط قوي، لأسباب كثيرة، أولها الخوف من الفقد".

برأيها، "يلعب العنف الأسري دوراً هاماً في استمرارية العلاقات السامة، فالفتيات اللواتي يعتدن التعنيف ويبحثن عن ملجأ للحنان قد يقعن فريسة لمرضى".

"كلما كنت أقرر الانفصال عنه كان يتوسل إليّ، ويهددني بأنه سيعود إلى المخدرات، وسينتحر وينهي حياته، كنت أشعر بالذنب، وأكمل علاقتنا، ومع تكراري لطلب الانفصال صار يهددني بالفضيحة، وبأنه سيبلغ أهلي بما فعلناه، وسينشر صوري الخاصة معه"

وحول الأضرار النفسية التي تلحق بالمرأة التي تتعرّض لاعتداء، تقول السراج: "الاعتداءات في العلاقات تولّد أمراضاً نفسية خطرة، تروما واكتئاب وقلق وغيرها، فالضغوط التي تتعرض لها كبيرة والأذى النفسي في استباحة جسدها وإهمال رغبتها يضاعف الأثر النفسي، وأحياناً يؤثر الأمر على علاقاتها في ما بعد، فالكثير من الناجيات يمتنعن عن الدخول في تجارب عاطفية جديدة".

قد يكون الابتزاز العاطفي أسوأ ما تتعرض له الفتيات في العلاقات. هذا ما تعرضت له داليا (28 سنة) في علاقتها. تقول لرصيف22: "اليوم، تذكّرت المرة الأولى التي اعتدى عليّ فيها شريكي جنسياً. شعرت بالخوف والغضب والغثيان، وكانت أحشائي تعتصر، مع إحساس مهلك بالذنب لعدم قدرتي على إرضائه. نهرته ألا يفعلها ثانية. عقلي يتشتت كلما أتذكر. كنت مدركة أنه يؤذيني فلماذا كنت أوجد له مبررات لإعطائه هذا الحق؟".

تعرّفت داليا على شريكها الأول في الجامعة. كان يكبرها بثماني سنوات، وكان الإدمان على المخدرات السر وراء رسوبه كل هذة السنوات في الدراسة. بدأت علاقتهما حينما شاركها قصة تعافيه من المخدرات، وطلب دعمها حتى لا ينتكس مرة أخرى. لم تكن تعلم أنه طعم ليمسك بها. استغلّ معاناتها مع العنف الأسري، وحرمانها العاطفي، ليجبرها على إقامة علاقة جنسية معه.

تروي: "كان يجبرني على إقامة علاقة معه. في إحدى المرات جذبني بشدة من ذراعي في الشارع، وظل يسحبني حتى وصلنا إلى شقته، ولما رفضت التجاوب معه ظل يبكي ويتوسل إليّ أن أكمل، ثم سرعان ما تحوّل التوسل إلى عنف، فأصبح يقابل رفضي بالضرب. حتى أمام العامة كان يضربني. أول مرة كانت في الشارع، وسط الزحام. صفعني عدة مرات، ومرة ضربني في الأوتوبيس، ومرة أمام زملائي".

تأرجحت داليا بين الشعور بالذنب وبين الشعور بالخوف كلما قررت أن تنهي علاقتها به. تقول: "كلما كنت أقرر الانفصال عنه كان يتوسل إليّ، ويهددني بأنه سيعود إلى المخدرات، وسينتحر وينهي حياته، كنت أشعر بالذنب، وأكمل علاقتنا، ومع تكراري لطلب الانفصال صار يهددني بالفضيحة، وبأنه سيبلغ أهلي بما فعلناه، وسينشر صوري الخاصة معه. كل مرة أرتعد خوفاً، وأتحامل على نفسي، لكن في يوم ما طلبت مساعدته فخذلني وعنّفني وتركني وحيدة. يومها قررت أن أنهي العلاقة حتى لو كان ثمنها حياتي. وحتى الآن، ما زالت تهديداته تلاحقني، لكني أخشى أن أتقدم ببلاغ ضده. الأمر يحتاج إلى طاقة كبيرة لمواجهة المجتمع بأن مغتصبي هو حبيبي الذي جمعتني به علاقة عاطفية دون علم أهلي".

"العنف الجنسي نتيجة لعدة عوامل مجتمعية، منها التربية الذكورية ورسم الأدوار الجندرية، والتكتم على العلاقات الجنسية وانعدام الوعي بها"، تقول سهيلة محمد، ناشطة نسوية ومؤسسة مبادرة Femi-Hub.

"الاعتداء في العلاقات العاطفية ناتج عن شعور الذكور بأن لهم حق في جسد الشريكة، وهذا مرتبط بدوره الذكر الجندري بحسب المجتمع الذي يرى أن على الرجل أن يبادر ويكون الأجرأ في طلب العلاقة الجنسية، وبطبيعة الحال تُربّى الإناث على أن يكنّ خجولات ويتمنّعن. ويجري التعامل مع الأنثى في العلاقة الجنسية كمفعول به، والذكر هو فاعل كل شيء".

وتضيف: "المجتمع يمقت العلاقات القائمة على الارتباط غير الرسمي، ويشكك في شهادات الناجيات من حوادث الاعتداءات، فمن الطبيعي أن يوصم الشريكة ويلقي باللوم عليها".

وتكمل: "رضوخ الضحيات للمعتدين نتيجة طبيعية للتربية المليئة بالتعنيف والتحكم، وربط الحب بالأذى. مثلاً، أبوكِ يحبّك لكنه يحرمك من حقك في التعليم، أو يضربك من أجل تهذيبك، وبالتالي الكثير من الضحايا لم يدركن أصلاً أن ما يتعرضن له تعدٍّ جنسي سواء بالتحرش أو الاغتصاب".

ترى محمد أن مشاركة الناجيات قصصهن ستساعد بشكل كبير في رفع الوعي، وتقول: "ما زلنا نحاول أن نوعّي بأنّ ‘لا تعني لا’ مهما كان نوع العلاقة التي تربط الطرفين، وإلى أنْ يحدث ذلك فإن ‘لا’ الصارمة والعنيفة هي الحل".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard