هندسة انتخابات "مجلس الشيوخ" المصري... البحث عن مؤسسة موالية تماماً

الثلاثاء 21 يوليو 202011:13 ص

تكشف التحركات السريعة التي صاحبت "هندسة" المشهد الانتخابي الخاص بـ"مجلس الشيوخ"، عن تصميم السلطة في مصر على الخروج بمجلس موالٍ تماماً، وخالٍ من معارضة حقيقية قد تكون مثيرةً للقلق.

وجرت هذه الهندسة عن طريق تشكيل ما يُعرف بـ"تحالف القائمة الوطنية من أجل مصر"، برعاية حزب "مستقبل وطن"، الكيان المعروف في الأوساط السياسية المصرية بدعمه من قبل "الأجهزة السيادية" في الدولة، والذي يرأسه رئيس المحكمة الدستورية العليا الأسبق المستشار عبد الوهاب عبد الرازق، والذي حصل على "نصيب الأسد" من المقاعد في هذه القائمة، فضلاً عن مرشحيه على المقاعد الفردية في جميع محافظات مصر.

ويضم "تحالف القائمة الوطنية من أجل مصر" بشكل نهائي أحزاب: مستقبل وطن، الشعب الجمهورى، الوفد، مصر الحديثة، حماة الوطن، المؤتمر، المصري الديمقراطي الاجتماعي، الحركة الوطنية المصرية، الإصلاح والتنمية، الحرية المصري، التجمع.

واللافت للنظر في هذه التشكيلة أنه جرى استبعاد أحزاب محسوبة على السلطة مثل "الغد" الذي يقوده المهندس موسى مصطفى موسى، المرشح الرئاسي السابق، بدون أسباب معروفة، وكذلك "المصريين الأحرار".

وكانت الهيئة الوطنية للانتخابات المصرية قد أعلنت، في الرابع من تموز/ يوليو الجاري، الجدول الزمني لانتخابات مجلس الشيوخ، مشيرةً إلى أنّها ستجري يومي 9 و10 آب/ أغسطس خارج البلاد، ويومي 11 و12 أغسطس داخل البلاد، على أن تُعلن النتيجة يوم 19 أغسطس.

وفق القانون الخاص بـ"مجلس الشيوخ" في مادته الثانية، سيتم ملء المجلس بواقع 100 مقعد بالنظام الفردي، و100 مقعد بنظام القوائم المغلقة المطلقة، ويحق للأحزاب والمستقلين الترشح في كل منهما، على أن يُعيّن الرئيس المصري 100 عضو، ليكون المجلس مكوناً من 300 عضو.

وبحسب المادة الثالثة من قانون مجلس الشيوخ، فإنّ مصر ستقسم إلى 27 دائرةً تُخصص للانتخاب بالنظام الفردي، و4 دوائر تُخصص للانتخاب بنظام القوائم، بما يراعي التمثيل العادل للسكان والمحافظات.

وحدد قانون المجلس عدداً من الاختصاصات الموكلة له طبقاً للتعديلات الدستورية الأخيرة التي أجريت في مصر عام 2019.

ووفقاً للمادة 7 من الدستور المعدّل، "يختص مجلس الشيوخ بدراسة واقتراح ما يراه كفيلاً بتوطيد دعائم الديمقراطية، ودعم السلام الاجتماعي والمقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا والحقوق والحريات والواجبات العامة، وتعميق النظام الديمقراطي، وتوسيع مجالاته".

كما نصت المادة 8 على أن "يؤخذ رأي مجلس الشيوخ في ما يأتي: الاقتراحات الخاصة بتعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور، مشروع الخطة العامة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، معاهدات الصلح والتحالف وجميع المعاهدات التي تتعلق بحقوق السيادة، مشروعات القوانين ومشروعات القوانين المكملة للدستور، التي تحال إليه من رئيس الجمهورية أو مجلس النواب، ما يحيله رئيس الجمهورية إلى المجلس من موضوعات تتصل بالسياسة العامة للدولة، أو بسياستها في الشؤون العربية أو الخارجية".

أعضاء على مقاس السلطة

النظام يريد شخصيات معيّنة في مجلس الشيوخ، تكون قادمة من كيانات سياسية أغلبها صنعتها "السلطة" نفسها.

وكشفت أسماء المرشحين لمجلس الشيوخ في تحالف "القائمة الوطنية من أجل مصر"، أو المرشحين على المقاعد الفردية، أنّ النظام يريد شخصيات معيّنة في هذا المجلس، وهي الشخصيات القادمة من كيانات سياسية أغلبها صنعتها "السلطة" نفسها، وأفسحت لها المجال في الشارع، ووفرت "ماكينةً إعلاميةً" تُروّج لها على نطاق واسع.

فقد جاء من بين المرشحين رجال أعمال بارزون يستخدمون المال للولوج إلى الحياة السياسية، ثم "فلول" الحزب الوطني الديمقراطي الذي كان مسيطراً على الحياة السياسية في عصر الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، والذي حُل رسمياً غداة حكم قضائي صدر عن المحكمة الإدارية العليا في 16 نيسان/ إبريل 2011، أما العنصر الثالث فيترّكز في عدد من القيادات الأمنية.

الدور الكبير الذي يلعبه رجال الأعمال المقرّبون من السلطة في الأحزاب السياسية كان عاملاً مهماً في الدفع بهم سواء على القائمة أو الفردي، ومن أشهرهم الملياردير المصري أحمد أبو هشيمة، نائب رئيس حزب "الشعب الجمهوري"، والمرشح عن محافظة بني سويف في "قائمة الصعيد"، وكذلك الملياردير محمد حلاوة، والملياردير محمد منظور، المرشحان ضمن القائمة الوطنية من أجل مصر عن القاهرة وشمال ووسط الدلتا، ورجل الأعمال عبد القادر الجارحي، المرشح ضمن القائمة الانتخابية الثالثة والتي تمثل قطاع شمال ووسط وجنوب الصعيد، وحتى المرشح حسام الخولي، الأمين العام لـ"مستقبل وطن"، وهو أيضاً رجال أعمال بجانب أنه سياسي بارز، وكان من قيادات حزب "الوفد" قبل خروجه منه.

أما المرشحون عن حزب "مستقبل وطن" والذين كانوا في الأصل نواباً وأعضاءً سابقين في الحزب الوطني الديمقراطي المنحل، فمن أبرزهم: المستشار عصام هلال، الأمين المساعد لـ"مستقبل وطن"، المرشح على المقعد الفردي بمحافظة الجيزة، وعادل ناصر الذي كان نائباً سابقاً عن "الوطني المنحل"، والمرشح أيضاً على المقعد الفردي بالجيزة، والدكتور أحمد جلال أبو الدهب، المرشح على "القائمة الوطنية" بالصعيد في سوهاج، وكان نائباً عن "الوطني المنحل" في آخر برلمان قبل ثورة يناير، وهو نجل جلال أبو الدهب، وزير التموين الأسبق.

ومن الأسماء الأخرى: عبد الحكيم حساني العش، نائب الوطني السابق، ومصطفى قدري الشريف، الذي ينتمي إلى عائلة برلمانية عُرفت بانتمائها لـ"الوطني المنحل"، ومحمود أبو سديرة، نائب الشورى السابق.

وتشهد الانتخابات ترشّح عدد من القيادات الأمنية السابقة مثل: اللواء فاروق مجاهد، عن حزب "حماة الوطن"، مجدي القاضي، مساعد وزير الداخلية السابق، والمرشح على المقعد الفردي في محافظة سوهاج عن حزب "مستقبل وطن"، واللواء حسن البحيري، المرشح على المقعد الفردي في محافظة كفر الشيخ، عن "مستقبل وطن" أيضاً، وأمجد إبراهيم طعيمة الذي كان عقيداً سابقاً في "القوات البحرية"، والمرشح على مقعد فردي في الإسكندرية.

ولم تكن تنسيقية "شباب الأحزاب والسياسيين" بعيدةً عن المشهد الانتخابي لـ"مجلس الشيوخ". حظي هذا الكيان المدعوم من "جهات سيادية" بدعم إعلامي واسع النطاق منذ ظهوره في الحياة السياسية المصرية، عن طريق الحوارات الصحافية في الجرائد، واللقاءات التلفزيونية على الفضائيات.

وتضم "التنسيقية" مجموعةً مـن الشباب الممثلين لأحزاب سياسية يصل عددها إلى 25 حزباً، وهي كيان يجري حالياً الدفع بأعضائه إلى المناصب المهمة في الدولة، وإلى المجالس التمثيلية. ففي نهاية العام الماضي، عُيّن عدد من أعضاء التنسيقية في منصب "نائب المحافظ"، وهم: بلال حبش (بني سويف)، وإبراهيم ناجي الشهابي (الجيزة)، ومحمد موسى (المنوفية)، وهيثم الشيخ (الدقهلية)، وحازم عمر (سوهاج).

ويشارك من التنسيقية في "القائمة الوطنية من أجل مصر" خمسة مرشحين هم: محمد عزمي، محمود فيصل، عمرو عزت محمد السيد، محمد السباعي، محمد عمارة.

"غليان صامت" داخل أحزاب

وعلى الرغم من التغطية الدعائية في الوسائل الإعلامية المصرية لعملية تشكيل تحالف "القائمة الوطنية من أجل مصر"، لإظهارها أمام الرأي العام وكأنها تشكلت بهدوء وتوافق شديدين، إلا أن هناك "غلياناً صامتاً" في كثير من الأحزاب السياسية، إما بسبب قلة عدد المقاعد المخصصة لها في القائمة، أو بسبب استبعادها نهائياً، في خطوة يرونها احتكاراً للحياة السياسية.

تكشف التحركات السريعة التي صاحبت "هندسة" المشهد الانتخابي الخاص بـ"مجلس الشيوخ"، عن تصميم السلطة في مصر على الخروج بمجلس موالٍ تماماً، وخالٍ من معارضة حقيقية قد تكون مثيرةً للقلق

الحديث السابق يؤكده انسحاب حزب "حماة الوطن" من القائمة، ثم عودته مرةً ثانيةً إليها بعد حصوله على مقعدين فيها، فضلاً عن وجود أصوات عدة ترى أن حزب "الوفد" أضر بنفسه بانضمامه إلى هذه القائمة التي خصصت له عدداً قليلاً من المقاعد، في حين يتفوق عليه في عدد المقاعد "الشعب الجمهوري"، الحزب الذي يصعد "صعوداً صاروخياً وغامضاً" في الحياة الحزبية المصرية.

وبحسب مصدر في أحد الأحزاب المشاركة في تحالف "القائمة الوطنية من أجل مصر"، رفض الكشف عن اسمه، فإنّ حزبه "أُجبر" على تأييد القائمة، على الرغم من عدد المقاعد القليل الممنوح له، ومُنع من أن يكون له مرشحين على المقاعد الفردية في جميع الدوائر، في الوقت الذي يملك فيه قواعد ومقرات على مستوى الجمهورية، وبصورة أقوى من أحزاب حصلت على عدد كبير من المقاعد داخل القائمة.

وأضاف المصدر لرصيف22 أنّه قِيل لقيادات الحزب إنه سيتم تعويضهم في انتخابات "مجلس النواب" المقبلة، ولكن عليهم الآن دعم قائمة "من أجل مصر" ومرشحيها في جميع الدوائر.

وتابع المصدر: "لا نعرف المعايير التي جرى على أساسها توزيع عدد المقاعد على الأحزاب في تحالف القائمة الوطنية من أجل مصر، ولا نعرف سر الوضع المتقدم لحزب الشعب الجمهوري على الرغم من أنه حزب صغير وجرى تسليط الضوء عليه مؤخراً، ولا نعرف كذلك الأسباب وراء استبعاد أحزاب من هذه القائمة".

وأكد المصدر أنّ الأمل منعقد حالياً على الـ100 نائب الذين سيعيّنهم الرئيس عبد الفتاح السيسي، فربما "يعدل هؤلاء المعيَّنون الميزان حتى ولو قليلاً"، مشيراً إلى أن هناك شخصيات منبوذةً من قبل المواطنين، ومع ذلك فوجئنا بهم مرشحين أمامنا.

أحزاب ضد المشاركة

ما يحصل أثار استياء أحزاب كثيرة. فقد رفض حزب "تيار الكرامة" المعارض المشاركة في انتخابات مجلس الشيوخ، لافتاً إلى أن عودة هذا المجلس "ديكور" لتجميل المشهد السياسي وإرضاءً للمقربين من السلطة.

وأكد الحزب أنّ مجلس الشيوخ يعكس صورة مزيفة عن الديمقراطية في البلاد، وأنه رفض التنسيق مع القائمة الحكومية التي دُعي إليها وأدارها حزب "مستقبل وطن".

مجلس الشيوخ ديكوري ويُستخدم لإرضاء المقرّبين من السلطة.

وقال إنّ التعديلات الدستورية الأخيرة أعادت هذا المجلس "الديكوري" إلى الساحة من جديد بلا أي اختصاص تشريعي أو رقابي، ليُستخدم لإرضاء المقرّبين من السلطة، وليحاول تجميل المشهد السياسي للبلاد، وتصدير صورة ديمقراطية مزيفة تجمّل مأساة غياب التعددية والافتقار إلى المشاركة السياسية.

وكشف الحزب عن وجود انتهاكات، قال إنه تم توثيقها طيلة فترة فتح باب الترشح، والتي تثبت بما لا يدع مجالاً للشك عدم إمكانية وجود أي فرصة لتنافسية نزيهة، لنصبح أمام انتخابات ديكورية، في ظل مجلس شبه معيّن بالكامل.

وجدد الحزب مطالبته بضرورة فتح المجال العام، وتفعيل الحقوق الدستورية للحريات، وإعادة الاعتبار للتنظيمات النقابية والطلابية، ووقف بث الحالة الإعلامية الدعائية المحرضة ضد أصحاب وجهات النظر الأخرى، وتهيئة المناخ لانتخابات تنافسية حقيقية، وتأكيد قيم النزاهة والحيادية.

في السياق عينه، قرر المجلس الرئاسي لـ"حزب المحافظين" الذي يرأسه الملياردير المصري أكمل قرطام، عدم المشاركة في انتخابات مجلس الشيوخ.

وكشف في بيان له أنّ مرشحي الحزب على قوائم شرق وغرب الدلتا، تعرضوا لـ"التضييق والمضايقات والعرقلة"، أثناء تقديمهم لأوراق الترشح والكشف الطبي، مشيراً إلى أن عدم توفر ضمانات إجراء انتخابات نزيهة وعادلة، ومطالباً بتحسين المناخ العام، حتى يستطيع الحزب المشاركة في انتخابات مجلس النواب المقبلة.

ويُعَدّ "المحافظين" من الأحزاب المحسوبة حالياً على المعارضة، وهو أحد أحزاب "الحركة المدنية"، وأعلن رفضه للتعديلات الدستورية الأخيرة في مصر.

كما قررت أحزاب الحركة المدنية الديمقراطية عدم المشاركة في الانتخابات، باستثناء ثلاثة أحزاب منها هي: المصري الديمقراطي الاجتماعي، الإصلاح والتنمية، والعدل، التي قررت خوضها من خلال القائمة الانتخابية الموحدة مع حزب "مستقبل وطن"، قبل أن يتم استبعاد الحزب الأخير.

أما حزب "النور" السلفي، الممثل الوحيد حالياً لـ"تيار الإسلام السياسي" في الانتخابات، فيخوض السباق منفرداً بـ"16" مرشحاً في 9 محافظات، حتى كتابة هذه السطور.

"بروفة" للمشهد الأهمّ

وسط كل هذه الاتهامات لـ"القائمة الوطنية من أجل مصر" بقيادة حزب "مستقبل وطن" بالسيطرة على المشهد الانتخابي، خرج المهندس حسام الخولي، نائب رئيس حزب "مستقبل وطن"، والمرشح لـ"انتخابات الشيوخ"، قائلاً إنّ التحالف الانتخابي لخوض انتخابات مجلس الشيوخ تم تشكيله بالتوافق، وإن الكل رضوا بما حصلوا عليه من مقاعد.

"مجلس الشيوخ" المصري ليست له صلاحيات حقيقية، ولكن النظام أعاد إحياءه ليكون مجرد "منصة" للوجهاء في المحليات، والوجهاء الذين كانوا أعضاءً وقيادات في الحزب الوطني المنحل، لأن الأماكن الموجودة حالياً ليست كافيةً ليكونوا كلهم ظاهرين في الحياة السياسية ولو صورياً

وأضاف في تصريحات لجريدة "الشروق" المصرية أنه لم تُستبعد أحزاب بعينها من القائمة الموحدة، ولكن كل حزب له خطط ورؤية محددة ولم يتم التوافق معه في نهاية المشاورات ولذلك أصبح غير موجود ضمن أحزاب القائمة.

برأي المستشار عصام الإسلامبولي، الفقيه الدستوري، هناك عدة أخطاء تتعلق بمشهد الانتخابات في مجلس الشيوخ، أولها الأخذ بنظام القائمة المغلقة التي تعني أنه سيكون هناك تكتل سياسي مدعوم من الحكومة وهو الذي سيفوز في هذه الانتخابات.

وقال لرصيف22: "كنا نتمنى أن تكون القائمة الانتخابية مفتوحةً لأنها كانت ستعطي الفرصة للأحزاب السياسية للمشاركة بقوة"، كاشفاً عن أنّ الخطأ الثاني يتعلق بأن مجلس الشيوخ المصري سيكون استشارياً يؤخذ برأيه في بعض القوانين المكملة للدستور.

واعتبر أنّ ما سيحدث في مشهد الانتخابات القادمة سيكون مجرد "بروفة" للمشهد الأهم والأخطر والمتعلق بانتخابات مجلس النواب.

ويؤكد الإسلامبولي أنّ أحزاب الحركة المدنية الديمقراطية لم تفشل في تكوين تحالف يخوض الانتخابات، ولكن أحزاب هذه الحركة لا تملك القدرة المالية، متابعاً: "هذه أحزاب لها تواجد في الشارع، لكن لا تملك مالاً".

وأشار إلى أنّ هذه الأحزاب فضلت توفير مجهودها لانتخابات ومعركة مجلس النواب المقبل، لا سيما أنها فوجئت بالسرعة الكبيرة التي سيطرت على إجراء انتخابات مجلس الشيوخ.

"صنيعة جهات أخرى"

تحالف "القائمة الوطنية من أجل مصر" لم تُكوّنه الأحزاب وهو "صنيعة جهات أخرى".

يرى الدكتور عمرو هاشم ربيع، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والخبير في الشؤون البرلمانية، أنّ تحالف قائمة "من أجل مصر" لم تُكوّنه الأحزاب السياسية، ولكن في الحقيقة هو "صنيعة جهات أخرى".

ويشرح لرصيف22 أنّ هناك أحزاباً قديمةً في تحالف القائمة الوطنية من أجل مصر، مثل "الوفد" و"التجمع" ومع ذلك، حصلت على "الفُتات" من عدد المقاعد المخصصة للقائمة، مشيراً إلى أنه في الوقت ذاته، استحوذت أحزاب ناشئة مثل "مستقبل وطن" و"الشعب الجمهوري" على غالبية المقاعد، ما يعني أن القائمة "مترتبة ومتهندسة" من السلطة نفسها.

يُشبّه ربيع هذا التحالف بأنه "تعيين مقنّع أو تعيين غير مباشر" في مجلس الشيوخ، ويستنكر وصف مجلس الشيوخ بـ"الغرفة الثانية للبرلمان"، ويقول: "من أين جاءت هذه التسمية؟ مجلس الشيوخ المقبل لن يشارك في التشريع أو الرقابة وثُلث أعضائه سيُعيّنون من قبل رئيس الجمهورية، والثلثان الباقيان يُعدّان تعييناً غير مباشر من قبل السلطة، حتى وإن جاؤوا بالانتخابات".

يذكر الخبير في الشؤون البرلمانية أنّ "مجلس الشيوخ" ليست له صلاحيات حقيقية، ولكن النظام أعاده في التعديلات الدستورية الأخيرة، ليكون مجرد "منصة" للوجهاء في المحليات، والوجهاء الذين كانوا أعضاءً وقيادات في الحزب الوطني المنحل، لأن الأماكن الموجودة حالياً ليست كافيةً ليكون هؤلاء موجودين وظاهرين ومتصدّرين للحياة السياسية حتى ولو "صورياً".

ويشير إلى أنّ المشهد الذي رُتّب له سياسياً وانتخابياً في انتخابات مجلس الشيوخ، سيتكرر كما هو في انتخابات مجلس النواب المقبل، ويقول: "الأحزاب، ومقدمو القوانين، والموافقون عليها، كلهم مجرد أدوات في يد السلطة لتحقيق أهداف تُريدها".

لا انتخابات حقيقية

يوجّه المحامي أيمن عويان، عضو الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي (حزب مشارك في القائمة الوطنية من أجل مصر)، لوماً شديداً لأحزاب المعارضة التي تشكل العمود الفقري في الحركة المدنية الديمقراطية بقيادة المرشح الرئاسي الأسبق حمدين صباحي، ويحمّلها عدم التواجد بشكل قوي ومؤثر في انتخابات مجلس الشيوخ.

يقول عويان لرصيف22 إنّ هذه الأحزاب غير موجودة بقوة في الشارع المصري، فـ"قياداتها 10 أو 20، وهؤلاء يجلسون في غرف مغلقة يتحدثون مع بعضهم البعض، وهم مقصرون في حق أحزابهم، وفي حق أيدلوجياتهم، فضلاً عن أنهم لا يسمحون بدخول رأس المال إلى تلك الأحزاب".

وعن قائمة تحالف "القائمة الوطنية من أجل مصر"، يؤكد أنّها جرت "هندستها" من قبل السلطة، ولا أحد يستطيع إنكار ذلك، ولكن في الوقت نفسه، فإنّ هذه القائمة توجد بها أحزاب معارضة غير موالية للسلطة تماماً مثل: "المصري الديمقراطي" و"الإصلاح والتنمية" بقيادة محمد أنور السادات، والذي أعلن تجميد عضويته في الحركة المدنية، بعد قرار الحزب المشاركة في انتخابات مجلس الشيوخ ضمن هذه القائمة.

ويبرر عضو "الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي" تواجد أحزاب معارضة في قائمة انتخابية محسوبة على السلطة، بقوله: "تحالف القائمة الوطنية من أجل مصر في النهاية هو تحالف انتخابي وليس سياسياً، بمعنى أنه سينتهي بمجرد انتهاء الانتخابات، ودخول مجلس الشيوخ، وأحزاب المعارضة ستعلن مواقفها التي قد تكون غير مرضية للسلطة إذا وجدت ما يستدعي ذلك، وبقول آخر: ما لا يؤخذ كله، لا يُترك كله، فالأفضل أن تحصل هذه الكيانات السياسية المعارضة على مقاعد في البرلمان، بدلاً عن خروجها خالية الوفاض بلا أي مقاعد".

وبرأيه، فإنّ وجود شخصيات كانت سابقاً أعضاءً في الحزب الوطني الديمقراطي الديمقراطي المنحل، أو قيادات في أجهزة أمنية، أو رجال أعمال، في المشهد الانتخابي "أمرٌ طبيعيٌ" في ظل سيطرة حزبين أو ثلاثة موالين تماماً للسلطة مثل: "مستقبل وطن"، "الشعب الجمهوري" والوفد".

وبخصوص تحديد عدد قليل من المقاعد لـ"حزب الوفد" داخل القائمة الوطنية من أجل مصر، يقول: "ما فائدة التاريخ العريق والأمانات الخاصة بالحزب مغلقة، ولا يوجد عمل حقيقي في الشارع؟".

لا توجد حياة سياسية في مصر، لأنه جرى تأميمها، و"تقزيم" الأحزاب السياسية المعارضة.

أما المحامي والناشط الحقوقي أسعد هيكل فيشير إلى أننا لن نرى انتخابات بالمعنى الحقيقي لها، خاصة أنّه لا توجد حياة سياسية في مصر، لأنه جرى تأميمها، و"تقزيم" الأحزاب السياسية المعارضة، ومنعها من القيام بأي نشاط، وصدور قوانين تُقيّد الحريات، ومنع المعارضة من مجرد حتى الاجتماع.

وقال هيكل لرصيف22 إنّه للأسباب السابقة، تراجعت القوى السياسية الحقيقية من المشهد، وعزفت عن المشاركة في الانتخابات التي ستكون "صوريةً"، معتبراً أنّ هذا الأمر تسبب في إفساح المجال لمَن قامت ضدهم "ثورة يناير" للعودة مرةً ثانيةً إلى المشهد السياسي في مصر.

يُرجِع الناشط الحقوقي هذه السيطرة إلى عاملين مهمين في رأيه" أولهما، الدعم المباشر من السلطة السياسية في مصر؛ وثانيهما، المال السياسي الذي أصبح مؤثراً جداً. ويتابع ساخراً: "كان من الأفضل إلغاء هذه الانتخابات، وتعيين أعضاء مجلس الشيوخ من قبل رئيس الجمهورية مباشرةً".

"بالطبع مجلس الشيوخ سيكون موالياً للسلطة، ومنزوعاً من المعارضة، لأنه حتى القائمة الوطنية الرئيسية يسيطر عليها رجال الأعمال، والقيادات الأمنية السابقة، وفلول الحزب الوطني"، يتابع، ويشير إلى أنّ هذا المشهد عبثي في ظل تقييد حركة المعارضة، ومنعها من أي نشاط سياسي، وحبس الكثير من الرموز الوطنية، والشخصيات العامة التي قد تكون لها وجهات نظر ليست على هوى السلطة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard