أن تقرأ كتاباً من عنوانه، ثم تتصفحه سريعاً... ترجمات "الفرنساوي" جول فيرن إلى العربيّة

السبت 25 يوليو 202012:03 م

صدرت للكاتب الفرنسي جول فيرن رواية "رحلة إلى مركز الأرض" عام 1864، وعام 1872 صدرت له رواية "رحلة حول العالم في ثمانين يوماً"، كِلا الروايتين تُعتبران من كلاسيكيات الخيال العلمي، أو بذوره الأولى إن صحّ التعبير، إذ دفع التطور التقني مخيلة الإنسان الأوربي الأبيض نحو "المستحيل"، فالروايتان تقومان على أساس قدرة الآلة واستكشاف عوالم "الغرباء"، مع مواقف عنصرية واستشراقية واضحة لن نخوض بها.

لا يهمنا حقيقة جول فيرن الفرنسي ولا دراسة مخيّلته عن "الآخرين"، ولا مفهوم الرحلة والمستحيل والغرائبي في رواياته، إذ نحاول الإشارة إلى دخول هذا الشكل الروائي ذي مكونات "الرحلة، الاكتشاف والتطور العلمي" إلى الثقافة العربية، التي التقفت روايات فيرن في منتصف القرن التاسع عشر، وبدأت بترجمتها عن الفرنسية لتُصبح جزءاً من تراث "النهضة الأولى"، حسب تعبير الباحث بيتر هيل، الذي يشير إلى هذه الترجمات في كتابه "Utopia and Civilisation in the Arab Nahda"، ويلتقط تقاليد الكتابة العربية التي تبناها المترجمون الأوائل، وعلاقتها مع شروط النهضة العربية في تلك الفترة.

بحث سريع على الإنترنت يقودنا إلى الترجمات المنجزة بعد حوالي 20 عاماً من صدور الرواية الفرنسية، والتي لم نقرأها لأجل هذا المقال، ولم نقم بمقارنتها مع الأصل العربي، بل اكتفينا بالغلاف وما بعده بقليل، دون الخوض في دراسة مقارنة، لأن الصفحات الأولى، أو عتبات النص، ترسم لنا صورة عن أسلوب "الترجمة" و"التعريب" المتّبع من قبل من قاموا بالترجمة حينها.

يعد دخول الشكل الروائي ذي مكونات "الرحلة" بهدف الاكتشاف والتطور،كرواية الكاتب الفرنسي جول فيرن "رحلة حول العالم في ثمانين يوماً"، إلى الثقافة العربية في منتصف القرن التاسع عشر، جزءاً من تراث "النهضة الأولى"

ما يجب أخذه بعين الاعتبار أن جول فيرن لم يدرس أي من العلوم الطبيعية أو التقنية بصورة جدية، بل درس القانون، وانصرف باكراً إلى حياة الأدب والتأليف، هذه الملاحظة ستتضح لاحقاً، لأن الترجمات العربية قدّمته دوماً كـ"عالم" و"صاحب معارف".

إسكندر أنطون عمّون: تعريب العلامة الفرنساوي جول فيرن

يُتقن إسكندر عمّون (1857-1920 م) الفرنسية، إذ درس الحقوق في بيروت، وتنقل بينها وبين دمشق ولبنان والإسكندرية وقبرص التي أسس فيها جريدة "جهينة الأخبار" عام 1879، لا شيء جديد نقدمه هنا سوى ما هو مذكور حين البحث عن اسمه.

ترجم عمّون رواية فيرن "رحلة إلى مركز الأرض"، وطُبعت في مطابع جريدة "المحروسة" في الإسكندرية عام 1885.

لكن وما إن نلتقط الكتاب، حتى نقرأ على الغلاف اسم الرواية الجديد "الرحلة العلمية في قلب الكرة الأرضية"، أول ما نلاحظه إضفاء صفة "العلمية" على الرواية، أي أنها تحوي معارف وآداباً "جدية"، وهذا ما سنشير له لاحقاً. بعدها، نقرأ "معرّبة بتصرف"، لم يستخدم عمون كلمة "ترجمة"، وكأنه يشير بوضوح إلى أنها لا تتطابق مع الأصل، وأنه ربما قام ببعض "التأليف" النافل على النص الأصلي، كما لا يشير الغلاف إلى الجنس الأدبي الذي تنتمي له الحكاية، هي "رواية" لكن علامة التجنيس مدموجة مع الإهداء "هذه رواية...الخ".

يشير بعدها عمون إلى نفسه بـ"الفقير إليه تعالى". تواضع الكاتب وتحديد مكانته بالمقارنة مع المقدس الديني متكررة في النصوص العربية التراثية، وكأن فعل "الكتابة" يتطلب اعترافاً بأن هناك سلطة دينية وسياسية لا بد من التصاغر أمامها، ويعرف بعدها عن ووظيفته ككاتب في المحكمة.

ننتقل بعدها إلى الإهداء، الذي يشير عمّون فيه إلى أنه اختار هذه الرواية لـ"جول فيرن الفرنساوي" لأن الأخير "وضعها على أسلوب الحكايات، وضمّنها المطالب العلمية والمباحث الأدبية"، وكأن عمون يرى أن لهذه الرواية المترجمة قيمة مزدوجة، هي خطاب علمي، وتقنية أدبية. الأهم، أنه أخفى اسم المؤلف من الغلاف، أو يمكن القول إنه تجاهله، كحالة بعض الترجمات الفرنسية التي أنجزها المنفلوطي، لكن الاختلاف أن عمون ذكر اسم المؤلف الأصلي بوضوح في الإهداء، وأشار إلى أنه "عالِم" ولابد للعرب من الاستفادة من "علومه".

هنا يقودنا التأويل نحو تفسير ساذج، أخفى المنفلوطي اسم المؤلف لرومانسية محتوى ما ترجمه، أو ربما بسبب تعامله مع موضوع غير جدّي كالحب والشغف، أو ربما لا جديد يمكن تقديمه في مواضيع الحب التي يذخر بها التراث العربي، فلا حاجة لذكر أصل لن يبلغ المؤلفات العربية شأناً.

نقرأ بعدها أنه تصرّف "في تعريب معانيها -الرواية- وترجمة مبانيها بما يناسب اللغة العربية، حتى جاءت مع مطابقة الأصل موافقة لذوق ذوي الأدب من أبناء العرب"، تحوي هذه العبارة الكثير من التناقضات والكلمات الغامضة، فهو أوّلاً يرى أن الأصل لا يمكن للغة العربية استيعابه، فقام هو بتأليف من نوع ما هدفه الأول "مطابقة الأصل"، لكن هذا مستحيل حسب كلامه هو، والذي يظهر في مفهوم "المناسبة للغة العربية"، أما الهدف الثاني فهو "موافقة ذوق ذوي الأدب من أبناء العرب"، أي أنه وبعكس المؤلف جول فيرن، يعرف ذائقة القارئ، ويدرك ما يفهمه وما لا يفهمه. قارئه واضح ومحدد ويعرف كيفية مخاطبته ومغازلة ذوقه، ولا نقصد فقط ذوق العوام، بل "ذوي الأدب"، أي العارفين بخفايا الكتابة وتقاليد النثر العربي.

في ترجمته لرواية الفرنسي جول فيرن، يعمد المترجم اسكندر عمون إلى تضمين أبياتاً شعرية عربية موزونة غير موجودة في النص الأصلي هدفها الشرح أو التوضيح أو وصف بعض الشخصيات

ينهي عمّون الإهداء بتكريس الترجمة لـ"عبد الرحمن باشا رشدي، ناظر ديوانيّ المعارف والأشغال العمومية..." الذي استساغ الترجمة، لكن الفضول لتصفح الكتاب أبعد من الإهداء وسرقة النظر إلى محتواه، يكشف أنه ذو "شكل" مختلف كلياً عن الأصل، إذ يتلاشى الحوار من البداية. لكن المثير للاهتمام هو الشعر الذي تلتقطه العينان مباشرة، كونه مكتوباً بشكل تقليدي، إذ تحوي الترجمة أبياتاً شعرية عربية موزونة غير موجودة بالنص الأصلي، هدفها الشرح والتوضيح أو وصف الشخصيات، لنقل الحكم، تبرير صعوبة الترجمة من الفرنسية إلى العربية أو استعصاء بعض الكلمات اللاتينية واليونانية على اللفظ، فحين محاولة شرحها من قبل أحدهم في الرواية يظهر أمامنا التعليق التالي:

يستصعب النطق الصريح لسانه... ويجيء بعد عنائه بالمبهم

وإذا عصاه مراده يعتاضه......بالسب والقول الشديد المؤلم

يوسف آصاف: مسؤولية "المترجم" تجاه ثقافته

عُرف يوسف آصاف (1859-1938م) بكونه مؤرخاً وصحافياً ومترجماً، أتقن اللغة الفرنسية، واشترى جريدة المحروسة سابقة الذكر إلى جانب مطبعتها، كما ترجم عن الفرنسية "الطواف حول العالم في ثمانين يوماً"، التي صدرت عام 1885 عن مطبعة المحروسة في الإسكندرية.

ما يلفت الانتباه أن العنوان يتطابق مع الأصل الفرنسي، كذلك علامة التجنيس "رواية" ظاهرة على الغلاف بوضوح، لكن وصف اسم جول فيرن هو ما يثير الاهتمام "المُصنّف الشهير والعالم النحرير"، هناك تركيز واضح على صيغة العلم وأهمية المؤلف كعالم، وكلمة "مُصنّف" هنا تدل على قراءات واسعة ومعارف متباينة وكتب كثيرة، دون أي دلالة على الصنعة الروائية أو التعريف بالمؤلف نفسه.

كحالة الغلاف السابق، آصاف عبدٌ فقيرٌ، ويعمل "وكيل البوسطة المصرية بالعطف"، لكن إهداء الكتاب يحوي معلومات أكثر، صحيح أن الترجمة مهداة إلى "صاحب العزة هالتون بك، مدير عموم مصلحة البوسطة المصرية"، إلا أن آصاف يبرر ويشرح سبب قيامه بالترجمة، وذلك لأن حرص "مولاه" على العلوم والآداب دفعه شخصياً إلى ذلك، فالكتاب يحوي "وقائع غريبة وحوادث عجيبة، تهذب الأخلاق وتحلو في جميع الأذواق"، وآصاف يؤكد على قيمة الكتاب الأخلاقية ودوره التربوي، دون إشارة للعلم وفوائده.

بعكس الترجمة السابقة، أضاف آصاف مقدمة لترجمته، مكتوبة بشكل كاليوغرافي مشابه لمقدمات المخطوطات العربية، ويشرح فيها مرة أخرى سبب اختيار هذا الكتاب، إذ يشير إلى معارفه الشخصية واطلاعه الواسع على ما "يثقف العقول ويهذب الأخلاق"، ثم اعتماده حين اختار الرواية على "ذوقه"، ثم شهرة "العالم الحاذق" جول فرن، كما يشير أيضاً إلى أن الرواية صالحة للـ"جنسين"، أي لا رذائل فيها ربما، كما يؤكد أنها مفيدة لأهل الاطلاع، أي أولئك الذين يجيدون استخراج الحكمة مما يبدو متخيّلاً ومستحيل التحقق.

كأن آصاف يحاول أن يبرر سبب ترجمته هذه، فهي ليست مجّانية أو محركها نوايا أدبية بحتة، بل قام بالترجمة لضرورة فرضتها متغيرات العصر، إذ يسوق دوماً فوائد قراءة هذه الرواية وأثرها، وكأن لا ترجمة لسبب جمالي أو فني أو أدبي. فهو الذي "شُغف زمناً طويلاً بمطالعة الروايات الأدبية" يترجم فيرن لأسباب أخلاقية، ويضيف نهاية كسابقه، أنه حريص على ذوق القارئ العربي، فاعتمد الإنشاء العربي ودقة المصطلحات، خوفاً على أذواق "الناطقين بالضاد". وهنا يظهر مرة أخرى هذا الذوق الخاص بالقارئ العربي كقوة خفية، فالقرّاء هم الأساس الذي يحرص المترجم على مخاطبتهم ومراعاة عادات القراءة لديهم، وكأن مخالفة هذا "الذوق" لا تؤدي فقط إلى عدم قراءة الكتاب، بل ربما عدم فهمه، أو اعتباره ضاراً ويهدد أخلاق الأمة.

يبرر المترجم يوسف آصاف سبب ترجمته لرواية جول فيرن "الطواف حول الأرض في ثمانين يوماً" تلبيةً لضرورة فرضتها متغيرات العصر، حيث أكد على فوائد قراءة هذه الرواية دون ذكر لعناصرها الفنية أو الأدبية

هذا الحذر الشديد من فعل الترجمة، ومحاولة مُطابقة الذوق العربي في ذات الوقت للحفاظ على صورة المؤلف بعيدة عن المترجم، نراها في أول عبارة من الرواية المترجمة "قال المؤلف: ..."، والتي لا توجد في الأصل الفرنسي، وكأنها تأكيد على أن ما يقال لا يعود إلا لجول فيرن، كما أنها أيضاً مُحاولة لمشابهة العبارات التقليدية المرتبطة بالتأليف العربي التي اعتادها القارئ، كحدّثنا فلان، قال فلان ووصلنا عن فلان.

نفي الشبهة عن المترجم وتخييل المؤلف

ربما أغوت "العلوم الروائية المتخيلة" المترجمين إسكندر عمون ويوسف آصاف اللذين ينتميان للنهضة، ووجدا فيها أخلاقاً "علميّة" حاولا ترسيخها بشكل يناسب القارئ العربي، وذلك عبر مغامرات وحكايات منفتحة على الأوروبي، لكنها تتبنى الشكل التقليدي بوصفه قناعاً مزيفاً لنقل أخلاق "العلم"، الأخلاق التي تقتضي أن تظهر بشكل كتابة "جدّية" و"مبررة" تجعلها شبيهةً بالكتابة العربية التراثية

صورة المؤلف الأصلي في كلا الترجمتين غير حقيقية، هي بناء مرتبط بـ"الذائقة العربية" التي لابد من مخاطبتها بشكل محدد، نراه في أسلوب تقديم النص وتدوينه، كما أن الترجمة العربية أضافت للمؤلف ملامح سيرة متخيلة، فهو "العالم" و"المصنف" دون إشارة إلى كونه روائياً، أو إلى ما هو متخيل أو ينتمي للخيال العلمي، بل مجرد تأكيدات على الأخلاق والعلم اللذين لولاهما لا أهمية لجول فيرن ونصوصه.

تسعى مُقدمتا الترجمتين إلى تبرير سبب اختيار هذا المؤلف وهذا النص بالذات، خصوصاً أن المترجم يُخاطب السيد بوصفه القيوم على "المعارف"، فلا شبهة في الترجمة طالما أن النص المترجم يرتقي بالأمة ومعارفها، وكأن المترجم مُراقَب دوماً، تحدّق به عين السلطة إلى جانب عين القارئ ذي الذائقة الخاصة.

إن تبنينا وجهة نظر متسرّعة قائمة على أساس الحكم على الغلاف ومقارنة الصفحات الأولى، بالإمكان القول إن الترجمتين هما إعادة تأليف مستوحى من النص الأصلي، في إهمال تام لـ"روائية" النص الفرنسي وخصائصه السردية والشكلية. فالترجمتان تحويان فيضاً أخلاقياً وتنويرياً يتبنى الصيغة التراثية للنثر وشروط الكتابة التقليدية، تلك التي تشكل وطأة على المؤلف الذي لا يكتب/ يترجم لنفسه أو متعته، بل لأجل القرّاء الحريص دائماً على "ذائقتهم"، إذ يسعى دوماً لتثقيفهم و"النهوض" بهم علمياً، وإلا، لِمَ وصف جول فيرن بأنه "عالم"، لِمَ أكسبه صفات وقيماً متخيلة؟

ربما "العلوم الروائية المتخيلة" أغوت المترجمين اللذين ينتميان للنهضة، ووجدا فيها أخلاقاً "علميّة" حاولا ترسيخها بشكل يناسب القارئ العربي، الذي لابد من إرشاده إلى درب التغيير بأسلوب لا يتعارض مع القيم الدينية وأخلاقها، وذلك عبر مغامرات وحكايات منفتحة على الأوروبي، لكنها تتبنى الشكل التقليدي بوصفه قناعاً مزيفاً لنقل أخلاق "العلم"، الأخلاق التي من أجل "تبنيها" لا بد من أن تظهر بشكل كتابة "جدّية" و"مبررة" تُلحِقها بالكتابة العربية التراثية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard